الرئيس الأميركي جو بايدن
الرئيس الأميركي جو بايدن

الرئيس الأميركي جوزيف بايدن، قد لا تكون لديه الكاريزما أو المهارة الاعلامية التي أتقنها سلفيه دونالد ترامب وباراك أوباما، إنما في السياسة الخارجية وتحديدا في الشرق الأوسط فهو أثبت خلال عام حافل له في الحكم، بأنه قادر على إعادة التوازن لمصالح واشنطن، وفتح قنوات وأبواب كان صدها الباقون.

قلة من الرؤساء الأميركيين لديهم الخبرة في السياسة الخارجية التي جاء بها بايدن إلى الحكم والتي تمتد لأكثر من ٣٠ عاما بين مجلس الشيوخ وكنائب للرئيس في أيام أوباما. هذه الخبرة تضعه اليوم في المطبخ السياسي للبيت الأبيض لصنع الدبلوماسية الأميركية. فالرئيس هو من اختار أسماء محددة، بعضها رافقه لأعوام، لتكون في مواقع أساسية وأحيانا استشارية في الأمن القومي والخارجية والدفاع، وبايدن هو من حسم قرارات كبيرة مثل الانسحاب من أفغانستان وعدم رفع عقوبات بشكل مبكر على إيران وإصلاح العلاقة مع مصر والسلطة الفلسطينية. 

 في عامه الأول في الحكم برهن بايدن في الشرق الأوسط بأنه ليس دونالد ترامب ولا باراك أوباما. فليس هناك تغريدات تعلن الحرب والسلم، وليس هناك مواجهات ولغة تحدي في التعاطي مع شعوب وأنظمة المنطقة. وبدل نقل السفارة إلى القدس وهو ما فعله ترامب في عامه الأول وخلق قطيعة مع السلطة الفلسطينية، أنهى بايدن عامه الأول بإرسال وفد رفيع يرأسه مستشار الأمن القومي جايك سليفان، للقاء محمود عباس. 

وعلى عكس أوباما الذي خاض معارك مع أنظمة عربية، عاد بايدن لمد الجسور مع هؤلاء وحتى في حالة الخصوم مثل النظام السوري اختارت الإدارة الحالية خطا أقل تحديا وفتح قنوات أوسع مع روسيا للمساعدة في تثبيت التهدئة ولو بقي بشار الأسد.

بايدن في الشرق الأوسط يتقن خطاب المصالح التي أخفق فيها أوباما وحوله ترامب إلى معارك وأجندات تجارية وشخصية. فاليوم أميركا واضحة بأنها لا تريد الانغماس بوحول المنطقة سواء كانت حرب أهلية في اليمن أو انقلابات عسكرية في السودان أو سباق تسلح نووي تقوده إيران. الخروج من أفغانستان كان رسالة من الباب العريض بأن مصلحة أميركا هي في إعادة برمجة قوتها العسكرية لمواجهة عملاقا تكنولوجيا وعسكريا بحجم الصين، بدل خوض مشاكسات ومحاولة حفظ السلام بين كابل وقندهار. المنافسة والعلاقة مع بكين تحدد اليوم الإطار الأوسع للتعاطي مع دول المنطقة، فهي ليست حربا باردة إنما هي منافسة وواشنطن ستستخدم أدوات دفاعية واقتصادية لإبقاء صدارتها الاقليمية. 

في نفس الوقت الالتفاتة إلى آسيا والتي كان بدأها أوباما وفشل فيها بعدما انزلق في مطبات الربيع العربي، هي الأولوية لدى بايدن. وهي فرضت على واشنطن تخفيض طموحها الإقليمي. فلا تغيير الأنظمة لعبتها ولا خوض المواجهات نهجها وهي تسعى إلى حل الأمور وضمان الاستقرار بأقل ما يمكن. وتجارب حرب غزة في مايو والمفاوضات مع إيران لتفادي تطويرها السلاح النووي وإبقاء علاقة براغماتية مع دول الخليج تعكس أسلوب بايدن. 

طبعا هناك السلبيات والإخفاقات وأبرزها شكل الانسحاب من أفغانستان، إنما الهدف الاستراتيجي لا جدل فيه بأن دور واشنطن بعد عقدين من الزمن في كابل انتهت صلاحيته. هناك من ينتقد أميركا أنها لا تبدو بموقع القوي في الشرق الأوسط. ما تعريف القوة؟ هل هي حرب العراق أم الانسحاب من الاتفاق النووي أو تعميق الأزمة الخليجية أو منع السفر أمام دول ذات أكثرية مسلمة؟ حرب العراق والانسحاب من الاتفاق النووي أفادا إيران وهي تقترب من قوة تطوير السلاح النووي، فيما الأزمة الخليجية شذت مصالح واشنطن ومنع السفر كان قرارا استعراضيا ساعد خصوم أميركا. 

بايدن في عامه الأول أعاد الاتزان لعلاقات واشنطن في المنطقة وأعاد تعريف حدود تدخلها في الاقليم وهو على الأرجح سيمضي بعقيدة المصالح والمصالحة أولا وعدم كسر إناء هو غير قادر على إصلاحه.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!