سرير أم صبحي
"تتساوى هذه الفرضيات قباحةً مع مصطلح "الاندماج" الذي مقتُّه من اللحظة الأولى"

"يمكننا تقاسم السرير إن رغبتي"

أول جملة عربية سمعتها بعد خمس ساعات من وصولي إلى برلين. شقة "أم صبحي" كما اسميتها لاحقاً، بمساعدة صديق كنت أشكو له حينها مأساة السكن المشترك، تفصيلاً تفصيلاً. 

لفظها للكلمات ركيك، لكن استطاعت رغم ذلك رفع قلقي حد الهلع. فزع على شكل مكعبات من الثلج تراكمت شاقولياً داخل أحشائي. تلمست صوت سقوطها فوق بعضها الواحدة تلو الأخرى كما لو كُنت كأس بيرة. 

اتضح لاحقا أن الركاكة ليس فقط في العربية، الألمانية أيضاً، رغم وجودها 15 سنة في ألمانيا فهي لا تستطيع إلا الحديث ببضع كلمات والتعريف عن نفسها، اسمها للدقة، الأمر الذي أثار استغرابي في البداية، لكن الآن بعد خمس سنوات في برلين؟ أفهمها تماماً، وأتعاطف معها حتى. 

أعني أستطيع حالياً التحدث بالألمانية، لكن بلفظ يميل إلى الإنكليزية والعربية في بعض الأحيان. غالباً أفضل الانكليزية كسلاً، وباعتبارها لغتي المفضلة في التعبير عن نفسي بدرجة تفوق العربية، داعمةً ثقتي وحضوري في التعبير أضعافاً مضاعفة عن باقي اللغات التي تعلمتها. 

والأهم أنها لغة الجميع هنا، العابرون، الثابتون، محبي الليالي الواحدة…الجميع حرفياً، عدا داخل مباني المنظومة، ضمن هذه الجدران التحدث بالإنكليزية يستخلص عدة فرضيات، مثلاً، أنك في المدينة مؤقتاً، أو فشلت في "الاندماج" مع المجتمع كما يجب.

في جميع الأحوال، لن يتحدث أحد الانكليزية هناك إلا كان أحدهم ألطف من السائد أو من محبي اليوغا والبرغر النباتي. مراهنة على الحظ. 

تتساوى هذه الفرضيات قباحةً مع مصطلح "الاندماج" الذي مقتُّه من اللحظة الأولى لدى دخوله إلى أذني مسبباً نزيفاً لا متخثراً من السقم. 

كتذكير بأن العطب ليس نابعا مني فقط، أقولها دوماً لنفسي أولاً قبل التبجح بها لأحد، هناك خلل في المنظومة بأسرها، لا شيء جديد أو بديهي، أعلم ذلك، لكن طرق نفي ومحاربة العنصرية تشذ أحياناً وتتحول بذاتها إلى عنصرية مبطنة، يدعمها إحساس بالفوقية والنخبوية للتحدث بدلاً من المستضعفين والدراية بمصالحهم بدرجة تفوق أصحابها، والظهور لاحقاً بشكل نبيل وإنساني. 

غير مهم، يحدث يومياً. غالباً هذا العطب بدأ عندما أباد "الهوموسيبيان" فصيلا بشريا كاملا من "النياندرتال"، فقط لأن الفصيل الثاني كان يغلب على أسلوب حياته المسالمة والتعامل مع المحيط بدرجة عالية من اللطافة، مما أثار حنق واستفزاز أجدادنا وبدأت عملية السلخ إلى أن اختفى الفصيل بأكمله. 

الأسلوب غير العادل في الكوكب حالياً يؤكد فعل "الهوموسيبيان". من مفهوم الكولونيالية إلى الاحتلالات المختلفة. لم نتغير أبداً، الفارق الآن بأن أدوات الإقصاء والنفي مشعة وبراقة قابلة للشحن بالذرات النووية والكهرباء والنفط أو الطاقة الشمسية، طبعاً للحفاظ على البيئة أثناء عمليات التطهير على من تبقى من أشباح فصيلة "النياندرتال". 

"هناك خلل في المنظومة بأسرها"

السرير السحري

قضيت الليلة الأولى فاغرة عيني على اتساعهما نحو سقف الغرفة. نحيب "أم صبحي" يخترق جدار الحمام مباشرةً نحو رأسي. كل ليلة كان النحيب يعلو إلى درجة الندب. كل ليلة تتداعى إلى رأسي صور متقطعة من النساء النائحات واللطّامات في الجنائز قديماً، اللواتي كن يستثمرن الحزن والبكاء على شكل مهنة تتقاطع بجزئية منها مع التمثيل وفنون الأداء.

سميرة في أواخر الأربعينات، من عرب تركيا. لا أصدقاء أو أقارب لها إلا صديقة عربية واحدة تزورها أسبوعياً لمساعدتها في الطبخ وترجمة البريد، حسب قولها. زوجها توفي قبل عشرة أيام فقط من اقتحامي لبيتها، بعد معاناة دامت سبع سنوات بين الكرسي المتحرك والسرير. السرير نفسه التي رغبت مشاركتنا له لحظة وصولي. 

روضت السرير إلى قطعة أثاث سحرية متعددة الاستخدامات، تشبه التصاميم المنتشرة بكثرة تحديداً في الإعلانات اليابانية، سرير يظهر من الحائط وتخرج من جوفه طاولة وخزانة ومكتب. أحياناً مع عارضة أزياء، هكذا دون أي سياق. امرأة "بمعايير مثالية" تحاكي مثالية خفة خروج سرير من جدار اسمنتي. 

كنت "أمارس" فوقه كل شيء، حرفياً. أنام، أكتب، أتناول العشاء، أبكي، أضع المكياج و أزيله، أمارس اليوغا (اعترف نقطة سوداء في تاريخي). تحته؟ خبأت بعيداً عن أعين "أم صبحي" المتلصصة، رجلا، اثنين، ثلاثة متكدسين كصناديق التخزين.

اختصرت أثاث المنزل غير الموجود أساساً  إلى 200 بـ 200 سم. تدشيناً له، التقط سلسلة من الصور الذاتية وأنا أطفو فوقه، بلا تلامس، عكس الواقع تماماً.

تماهيت مع السرير شهرين، كائناً أفقياً، مستلقياً، ممدداً، راخياً ساقيه كأنهما أرجل اصطناعية. أصبح سرير "أم صبحي" نقطة إنتاج محورية خلال الـ 61 يوماً. 

سبع وقفات فوق رأسي بعد منتصف الليل بالتزامن مع تحديق "أم صبحي" نحوي وأنا نائمة كانت كفيلة بضب أغراضي والهروب إلى شقة أخرى دون أخذ النحيب والسرير السحري وما تحته بعين الاعتبار.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.