Lebanese Christian opposition leader Michel Aoun (L) waves as leaves Beirut International Airport with his politcial advisor…
ميشال عون وجبران باسيل

لا أحد في لبنان يصدّق أنّ "تحرّش" حزب رئيس الجمهورية ميشال عون بـ"حزب الله" يمكن أن يمهّد لإغلاق حساب تبادل الخدمات بين الطرفين. الجميع يعتقد بأنّ "الطلقة" التي سدّدها رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل إلى الحزب، هي "خُلّبية"، مثلها مثل تلك الطلقات الصوتية التي يتم استعمالها في التلفزيون والسينما والمسرح. 

وينطلق هذا الاعتقاد من أنّ تيّار رئيس الجمهورية يحتاج، في هذه المرحلة، إلى خصم "متفهِّم" يعينه على استقطاب رأي عام خسره، وعواصم قرار ابتعد بعضها عنه وعاقبه بعضها الآخر. 

ومخاصمة "حزب الله" تؤدّي الغرض لأنّ الوقوف في وجهه ليس مربحاً شعبياً وله انعكاسات انتخابية إيجابية في البيئة التي تعني "التيار الوطني الحر"، فحسب بل لأنّه، أيضاً، يمهّد للخطة الدبلوماسية الهادفة إلى تعويم هذا "التيار"، قبيل حلول الاستحقاق الرئاسي اللبناني، في عدد من الدول تتقدّمها الولايات المتحدة الأميركية التي سبق أن أنزلت عقوبات بـ "الفاسد" جبران باسيل. 

ولكن هذه الخصومة يجب أن تكون "منضبطة"، بحيث لا تتجاوز "الخط الأحمر" الذي يرسمه الحزب، وهذا ما هو حاصل فعلاً، إذ إنّ العناوين التي يعتمدها "العونيون" في "التحرّش" ب"حزب الله" هي "بلدية" بامتياز وغير سيادية مطلقاً، أي أنّها محصورة بالنزاع على السلطة ومكتسباتها "الأنانية"، ولا تتطرّق، لا من قريب أو من بعيد، لجوهر مشكلة اللبنانيين مع "حزب الله" لجهة سلاحه غير الشرعي والأدوار المؤذية للبنان التي يؤدّيها حيث يطلب منه ذلك "الحرس الثوري الإيراني". 

ولكن، على الرغم من أنّ "الخدع البصرية والسمعية" تنفع في السياسة، كما في عالم الأفلام والمسرحيات، إلّا أنّها مع "التيار الوطني الحر" لا تجدي نفعاً، بل تنعكس عليه سلباً. 

لماذا؟ 

إنّ "التحرّش العوني" الأحدث بـ"حزب الله" جاء بمناسبة رد المجلس الدستوري الضمني لمراجعة الطعن التي تقدّم بها نواب "حزب رئيس الجمهورية" ضد تعديلات قانون الانتخابات النيابية. 

ولم يستطع المجلس الدستوري ضمن المهلة المحدّدة له، اتخاذ قرار لمصلحة هذه المراجعة أو ضدّها، بسبب عدم حصوله على العدد اللازم من الأصوات، ممّا أسقط المراجعة وثبّت التعديلات المطعون فيها. 

وقد اعتبر رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل أنّ "الثنائي الشيعي"، أي تحالف "حزب الله" و"حركة أمل" تعاون مع أفرقاء آخرين في المجلس الدستوري، ممّا حال دون إصدار قرار لمصلحة المراجعة التي تهدف، أولاً وأخيراً، إلى حصر انتخاب المغتربين بدائرة خاصة بهم، وتمنعهم من الاقتراع للمرشحين في الدوائر اللبنانية التقليدية. 

ويرى "التيار الوطني الحر" أنّ غالبية المغتربين اللبنانيين الذين تسجّلوا بكثافة، هذه السنة، لممارسة حق الاقتراع، هم "معادون" له، وتالياً فإنّ أصواتهم سوف تصب لمصلحة منافسيهم، وترفع من نسبة الخسارة التي يمكن أن تلحقها الانتخابات النيابية به. 

وهذه المسألة التي أثارها جبران باسيل ضد "حزب الله" لا تلحق ضرراً شعبياً بالحزب وحده، بل بـ "التيار الوطني الحر" بادئ ذي بدء، لأنّ كلام باسيل، لهذه الجهة، يُظهر أنّ عهد الرئيس ميشال عون تعمّد ضرب المؤسسات الدستورية في البلاد، فهيئة المجلس الدستوري الحالية ليست موروثة من عهد آخر، بل هي معيّنة ومنتخبة في هذا العهد، وتالياً، فإنّ تفسير "اللا قرار" في المجلس على قاعدة اتفاق سياسي معاد للعهد، يعني أنّ رئاسة عون التي يديرها باسيل سهرت على مراعاة محاصصة سياسية في تشكيل هيئة دستورية، وكانت تراهن على تفاهمات سياسية من أجل أن تحصل على نتائج لمصلحتها من المجلس الدستوري الذي يفترض به أن يكون مستقلاً ومكوّناً من حكماء وليس من أقنعة حزبية. 

ويوضح هذا الموقف من المجلس الدستوري أنّ "التيار الوطني الحر" المسؤول الرئيس عن "تسييس" المؤسسات الدستورية، يريد أن يحقق مكتسبات في لبنان، بواسطة الصفقات، ولذلك كان هناك عرض مطروح على الطبقة الحاكمة في لبنان: أعطونا في المجلس الدستوري نعطِكم في مسار التحقيق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت. 

إنّ "التيار الوطني الحر" لم يرفع صوته في وجه "حزب الله" لأنّ تبعيته لـ"الحرس الثوري الإيراني" تلحق أضراراً فادحة بلبنان، بل لأنّ هذا الحزب بدأ في مسائل الصراع على السلطة يتّخذ مواقف لا تناسب طموحات جبران باسيل. 

بالنسبة لـ"التيار الوطني الحر" فإنّ وقوف "حزب الله" إلى جانب رئيس مجلس النواب نبيه برّي ضده، ستكون له تبعات كثيرة لاحقة، ليس لما لذلك من تأثيرات لمصلحة تضخيم خسارة "العونيين" في الانتخابات النيابية المتوقعة في مايو المقبل، فحسب بل للمنحى الذي يمكن أن يسلكه الاستحقاق الرئاسي، المقرر في أكتوبر المقبل، أيضاً. 

وإذا استمرّ "حزب الله" في الأخذ بآراء برّي، فهذا يعني أنّ حظوظ التمديد للرئيس ميشال عون أو لانتخاب جبران باسيل خليفة له، تصبح مستحيلة، ذلك أنّ برّي يميل إلى خيار رئيس "تيار المردة" سليمان فرنجية الذي مدحه الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، في 18 أكتوبر الأخير، "مديحاً رئاسياً". 

من الواضح أنّ "التيار الوطني الحر" يمر بمأزق حقيقي، فهو يدفع، اليوم ثمناً غالياً لتسليمه الجمهورية لـ"حزب الله" في مقابل حصول عون على رئاسة الجمهورية. 

وقد أدّى هذا "العقد" الذي ما كان ممكناً أن يستقيم بلا صفقات وسمسرات ومحاصصة وفساد وسرقة و"زبائنية" و"تسليع" لبنان في حروب المنطقة وصراعات محاورها، إلى دفع البلاد الى جهنّم. 

ومهما كانت "الخدع" التي يمكن أن يستعملها "التيار الوطني الحر" فلن تعفيه من مسؤولية هذه المأساة اللبنانية، لذلك، فهو يسعى، في مرحلة "تسديد الحساب" إلى تحقيق هدف من اثنين: التفتيش عن معارك علّها تعينه على نقل النقاش من مكان إلى آخر، أو استعادة "حزب الله" ليكون، مجدّداً، رافعة " لطموحاته السلطوية. 

على أيّ حال، إنّ أكثر ما يجب أن يعني "حزب الله" في "التحرّش" العوني به، ليس الاشتباك السياسي وتداعياته وحسناته وسيّئاته، إنّما التفكير ملياً بوضعيته الوطنية، فليس مسألة بسيطة أنّ كلّ طرف لبناني يطمح إلى تعويم نفسه، يلجأ، أوّل ما يلجأ، إلى إبعاد نفسه عن هذا الحزب.  

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.