الأزمة الأوكرانية - روسيا - الحياة اليومية
"ظهرت ذروة الانزعاج الروسي في الكلام الحاسم الذي أطلقه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يوم الخميس الفائت"

بين الثابت الجغرافي والمتحول التاريخي، تعيد الإمبراطوريات الصاعدة أو المتوهمة إنتاج ذات الوقائع الجيوسياسية في عملية تبرير ممنهج لأهدافها الجديدة القديمة التي يعاد تعويمها إما في لحظة استشعار لضعف أو خطر محاذ في معناه الجغرافي (الأمن القومي) أو في مشروع التوسع والهيمنة الخارجية (النفوذ الإقليمية والدولية ).

وفي طبيعة النظام الروسي الحالي فإنه دائما يخوض حرب ثغور كلما شعر بتهديد مباشر في محيطه الجغرافي أو "الإمبراطوري".

معضلة موسكو الجديدة مع الأزمة الأوكرانية أنه بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتراجع هيمنتها على المجال الحيوي السوفيتي، وتوسع الناتو شرقا، أصبحت دولة مثل أوكرانيا لها ارتباط إثني وثقافي وروحي مع روسيا أحد أخطر الثغور المتقدمة لأعداء روسيا التاريخيين.

وباتت موسكو تتعامل معها كقاعدة متقدمة لجيوش "إمبراطورية " الناتو، التي بنظرها أو حتى في يقينها السياسي، تخطط لحصارها وعزلها عن فضائها العام ولقطع الطريق الواصل ما بين حواضرها الأوراسية التي تعتبرها موسكو حدائقها الخلفية.

من هنا، لا يمكن لموسكو تحمل المراوغة الأميركية الأوروبية حيال أزمة انعدام الثقة ما بينها وبين الناتو بالعام، وحيال الأزمة الأوكرانية بالخاص، وقد ظهرت ذروة الانزعاج الروسي في الكلام الحاسم الذي أطلقه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يوم الخميس الفائت، عندما اتهم حلف شمال الأطلسي بـ "خداع" روسيا بموجات متتالية من التوسع، وقال إن موسكو تحتاج إلى رد فوري بهذا الشأن، لكن الأبرز في كلامه عندما قال: "يتعين عليكم منحنا ضمانات وفوراً... الآن".

الهفوة الكبيرة في موقف بوتين وتشديده على فكرة " الآن" تكشف محاولاته الواضحة انتزاع تسوية سريعة وفورية، وذلك بسبب ريبته من المماطلة التي قد تستخدمها واشنطن في مفاوضات قد تصبح ماراثونية بين موسكو والناتو، قد يستغلها الأخير في فرض متغيرات أساسية في أوكرانيا تصعّب قدرة موسكو على الحل وتغلق بوجهها أغلب النوافذ الدبلوماسية، ما قد يدفعها إلى خيار الحرب الذي تتجنبه بشتى السبل.

في الواقعة الأوكرانية وضعت موسكو شروطها واشترطت عدم الشروط الأميركية، وهذا ما جاء على لسان نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، الذي أكد أن "موسكو لن تكون في وارد القبول بأي شروط مسبقة للإدارة الأميركية تتضمن إلزام روسيا تنفيذ أجندة على أراضيها ترضي واشنطن والناتو".

لكن الإشكالية في تفسير كلام ريباكوف، تتضمن تساؤلات حول اعتباره أوكرانيا أو دول الفضاء السوفيتي أراض روسية، إضافة إلى مطالبته بتنفيذ ورقة الضمانات "التعجيزية" التي قدمتها موسكو إلى واشنطن وهي في المفهوم الاستراتيجي أشبه بورقة رضوخ من حلف شمال الأطلسي لشروط "حلف وارسو" والمعسكر الاشتراكي، إذ قد تصل المطالب الروسية إلى عودة الناتو لما قبل عام 1997.

الثابت الروسي في الأزمة الأوكرانية ألا تتحول أوكرانيا إلى إحدى ثغور الناتو، ولذلك يجب ألا تكون تحت أي شكل من الأشكال داخل المؤسسات الأوروبية أو ضمن استراتيجية  الناتو العسكرية، وأن تقوم بتطبيق اتفاقية مينسك وفقا للقراءة الروسية المختلفة تماما عن القراءة الأميركية  الأوكرانية.

وهذا الأمر قد يوسع الهوة بين الطرفين ويجعل من ورقة الضمانات الروسية حجة لمزيد من التدهور في العلاقة ولدفع موسكو المتوترة أصلا إلى القيام بخطوات غير محسوبة.  

الواضح أن إمكانية الوصول إلى تسوية ما في المديين القريب والمتوسط صعبة، والأخطر، إذا تعاملت واشنطن بتجاهل كامل مع ورقة الضمانات الأمنية الروسية وما تضمنته من شروط، فالعقدة أن موسكو ليست في الموقع الذي يستطيع أن يملي شروطه، كما أنها في ظروف داخلية لا تسمح لها بالتراجع، فالنبرة العالية من النخب السياسية تكشف ألا خيارات سهلة أمامها، لذلك لجأت إلى التصعيد لإرباك المعسكر الغربي، إذ تراهن موسكو على التباين في موقفه.

وإذا كان رهانها قد يساعدها على الحد من اندفاعة الناتو شرقا مؤقتا، لكنه من المستحيل أن يساعدها على  استعادة أوكرانيا أو حتى تحديها بعد أن تحولت إلى أبرز الثغور التي تؤرق صناع القرار الروسي.  

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!