ميكروفونات وبيانو في استديو تسجيل موسيقى
من البدهي أن عالم الفنون لا يبنى ولا يتألق إلا بركيزة الحرية الرئيسة.

قبل عقدين من الزمن، فوجىء معجبو المغني اللبناني ربيع الخولي بقرار اعتزاله الغناء لأجل التفرغ للعبادة. الخولي الذي لمع نجمه في ثمانينات القرن الماضي، واسمه الحقيقي طوني الخولي، كان قد غادر عالم الفن، ووجهه لخدمة الكنيسة بعد أن كرس راهبا منذ  عام 2008، ومازال يقدم التراتيل الدينية بصوته، دون أن نسمع عنه تصريحا حول إثم ما كان يفعل، أو الخوض في قضية تحليل أو تحريم الفن.

الفنان صباح فخري الذي توفي قبل قرابة شهرين، وله يعود الفضل الكبير في إحياء التراث والقدود الحلبية التي أدرجتها منظمة اليونسكو في 16 ديسمبر الحالي على لائحة التراث الثقافي العالمي غير المادي، شكل حالة معاكسة، إذ غادر وظيفته الدينية كمؤذن في أحد جوامع حلب، وتفرغ للفن وخدمة التراث، دون أن يصدر عنه بالمثل أي تصريح يحلل ما بدأ به حياته أو يندم على ما انتهى إليه.

خلال السنوات الأربعين الفائتة، أعلن أكثر من فنان وفنانة اعتزالهم الفن لأسباب صحية أحيانا، أو بسبب الزهد وتفرغهم للعبادة في معظم الحالات. منهم النجمة المصرية شمس البارودي وزوجها النجم حسن يوسف الذي عاد وشارك بأعمال درامية ذات صبغة تاريخية ودينية، وسهير البابلي والمغنية شادية والنجمة مديحة كامل وياسمين الخيام ونورا وحنان ترك وحلا شيحا وفضل شاكر وغيرهم، بتأثير مباشر أو غير مباشر من المد السلفي الذي تنامى منذ الثمانينات.

معظم المعتزلين، صدرت عنهم تصريحات مباشرة أو مواربة تشير إلى ندم كامن في النفس مما كانوا يفعلونه، وكأن ما كانوا يفعلونه في عالم الفن لم يكن إلا ثقلا من الخطايا، وبدا الأمر أقرب إلى ظاهرة ملفتة تخص المشهد الفني العريق في مصر أكثر من غيره، الأمر الذي دفع بالمخرج العالمي يوسف شاهين، الذي عرف في حياته كواحد من أكثر المدافعين عن الحريات، للتعبير عن موقفه وموقف العديد من المناهضين لهذه الظاهرة عبر فيلم "المصير1997" الذي تضمن أغنية "علّي صوتك بالغنا" ورفض كافة أشكال الترهيب المتنامي ضد الفكر والفنون.

اليوم، تعود إشكالية تحليل وتحريم الفنون بإثارتها عبر الزوبعة التي تسبب بها المغني الأردني أدهم النابلسي قبل أيام حول قرار اعتزاله وتفرغه للعبادة، مع الإشارة الواضحة إلى ندمه لما كان يفعله كمغني وهداية الله له، وإعادة هذه القضية الجدلية إلى الواجهة بشكل أكثر صخبا في ظل التفاعل الكبير على وسائل التواصل الاجتماعي بين مؤيد للغاية أو رافض للغاية.

في واقع الأمر، يحق للفنان بالمطلق بصفته إنسانا حرّ الإرادة قبل أن يكون فنانا، أن يقرر ويختار ما يناسب فكره وهواه، والانتقال من حال إلى حال كما يشاء وحين يشاء، واحترام قراره بشكل مجرد. لكن لا يحق له الطعن، ولو جاء بالإيحاء، بمهنة صنعت مجده، واعتبار رغبته بالاعتزال هداية من عالم الضلال والحرام الذي كان مغشيا على عينيه فيه، بما يفسر ضمنيا أن كل من بقي مستمرا في هذا العالم، مسكين ويحتاج للهداية، غير واع للخطايا التي يغرق بها، أو باختصار مقصد القول بأن كل ما يمت للفن وأهله، حرام.

من البدهي أن عالم الفنون، لا يبنى ولا يتألق إلا بركيزة الحرية الرئيسة، وفي عالمنا العربي، ذي المجتمعات المتدينة والمحافظة، قُيم باستمرار أهل الفنون في العمق الاجتماعي كما لو أنهم خطاؤون حتى لو كانوا قديسين، ودارت حولهم الأقاويل والريبة والاتهامات المعلنة أو المبطنة وغرقهم في الضلال بسبب حرياتهم المعلنة وتسليط الأضواء المستمر على حيواتهم الشخصية والمهنية.

رقصهم حرام، وغناؤهم وشعرهم ورسمهم ونحتهم وتشخيصهم وموسيقاهم حرام. أي أننا أمام قائمة من المحرمات التي انغمس فيها الكثير من الضالين والضالات الذين سيحرقون في الجحيم. وكل من يهديه الله ويتنبه، وبخاصة إن كان في قمة الشهرة والمجد، مثل الأسماء المشار إليها، هم الناجون الذين سيصفق لقرارهم الملايين، التي كانت تصفق قبل وقت قليل لأدوارهم الدرامية أو تطرب لغنائهم وموسيقاهم، أو تتلصص سرا على رقصهم وتتمايل معهم.

وعليه، سيعتبر نجوم العالم من مثل أنجلينا جولي وجورج كلوني والمخرج مايكل مور وغيرهم ممن زاروا مخيمات اللاجئين لمساعدتهم وجلب المعونات لهم ومساندة قضايا الشعوب، من الضالين. وسيعتبر ياني وبوتشيلي وبافاروتي من المغضوب عليهم، وكل من يستمع إلى موسيقاهم مشارك في الحرام. وسيحاسب  سيد درويش ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وفيروز وغيرهم من كبار النجوم والفنانين حسابا عسيرا في يوم الدين لأنهم أسعدوا حياتنا وورطونا معهم في حب فنونهم.

أضف إلى ما تقدم، سيحاسب أشد الحساب النجم اللبناني رامي عياش بسبب أغنيته "دي قصة حب" التي ألهمت مصور المخيمات السوري محمد الهزاع وأرقص عليها أطفال اللجوء في مقطع الفيديو المبهج الذي نشره على صفحته  قبل أيام وحقق مشاهدات فاقت 6 مليون، وهدف إلى تسليط الضوء على معاناتهم وجمع تبرعات الشتاء لأجلهم بإحدى أجمل الأفكار الخلاقة والمبتكرة غير المباشرة.

وعلينا نحن إن أردنا أن ننجو، أن نغلق أعيننا عن جميع الفنون الحرام ونصم آذاننا عن سماع الغناء والموسيقى، حيث كل سبل الحياة والسعادة باتت مقفلة حولنا، وليست الفنون إلا ترفا شيطانيا مضافا ولا رجاء أبدي منها. دون أن ننسى بالتأكيد طرح سؤال عابر ما إن كانت الموسيقى والأغاني الوطنية ومن يؤديها ويلحنها ويرددها، تندرج في سياق التحليل والتحريم أيضا!!؟؟.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!