يبالغ الكثير مِن الباحثين والإعلاميين في نقدهم لمواقف الجمهور والمواطن العراقي المغلوب على أمره
يبالغ الكثير مِن الباحثين والإعلاميين في نقدهم لمواقف الجمهور والمواطن العراقي المغلوب على أمره

يبالغ الكثير مِن الباحثين والإعلاميين في نقدهم لمواقف الجمهور والمواطن العراقي المغلوب على أمره، ويحاولون اختزال مشكلة مواقفهم السياسية في عبارة موجزة تليها «أزمة في الوعي السياسي». ويبدو أن هذا النقد هو مِن إحدى محاولات قراءة الأحداث من خلال منظورٍ فَوقي لا يريد أن يتعب نفسَه في حفريات تفكيرنا السياسي الذي تَشكّلَ في ظلّ نمطيةِ التفكير المحكوم بأطرِ المجتمعات التقليدية.

لو عُدنا إلى أطروحة المفكّر الإنجليزي "فرنسيس بيكون" في القرن السادس عشر، في كتابه (الأورغانون الجديد أو الوسيلة الجديدة لاكتساب المعرفة)، سنجده يعتقد بوجود أربعة أنواع من الأوهام التي تحجب الرؤية في عقول البشر، وأطلق عليها تسمية الأصنام الأربعة.

أوّل تلك الأصنام، "أصنام القَبيلة"، ويعني أن يسلّم الإنسان بالمعتقدات الزائفة التي تغرسها القبيلة أو العِرق أو الجماعة، والتي تشكّل تفكيرَه ووعيه العام. الصنم الثاني هو "أصنام الكهف"، إذ لِكلّ إنسان كهفه الخاص به الذي يقوم بعكس الضوء الذي يدخل إلى هذا الكهف ويحوّله إلى صورٍ بناءً على أفكاره وتجربته الشخصية التي تشكّلت في كهفهِ المعزول والمحدود، ومِن ثمَّ يتوهم أنها الحقيقة. في حين هو ظلٌّ لِلصورة وليس انعكاسا حقيقاً لها!

أمّا الصنم الثالث فهو "صنم السّوق" ويتحدد بما يتداوله النّاس في توصيف شؤونهم العامة في الأسواق والمقاهي ومناطق تجمّعهم، ويتم على أساسها تشكيل الآراء والمعتقدات المغلوطة الناتجة، وينتج عنه تبادل كلمات ومصطلحات عامّة يتم تَبنّيها رغم زيفها وعُموميتها؛ وفيما بعد تستقر بالأذهان كمجموعة من المغالطات المشوّهة. وأخير هذه الأصنام التي استقرّت في عقول البشر هو "صنم المسرح"، ويعني العوالم الزائفة والخيالية التي تشكلت بسبب تداول الأفكار المغلوطة التي شكّلتها النخبةُ والشخصيات ذات النفوذ والتأثير في المجتمع، ويتمّ تناقلها مِن دون تفكير. وهنا يتمّ تشبيه النّاس بالمتفرجين في عرضٍ مسرحي وهم يتلقّون تلك الأفكار مِن خشبة المسرح بصورةٍ زائفة بعيدة عن تجارب حياتهم الحقيقة.

تلك الأصنام أو الأوهام هي مَن يتحكّم بنمطية تفكيرنا بصورةٍ عامة، وباتت تتحكم بالخطاب السياسي، حتّى فرضت أصناماً أخرى على التفكير والحوار والنقاش، ويمكن أن نحدد أربعة اصنام رئيسة أصبحت حاضرة ومتحكّمة في السجالات السياسية، وهي: أصنام المكوّناتية، وأصنام الزعامات السياسية، وأصنام الشَّعبوية، وأصنام المؤامرة.

- أصنام المكوّناتية: نجحت الطبقة السياسية بتحريف كلّ معاني وتطبيقات "الديمقراطية التوافقية"، وحوّلَت إلى تقاسم السلطة ومؤسسات الدولة والمناصب العليا فيها إلى مقاطعات تابعة لِلأحزاب أو الكيانات السياسية التي تقدّم نفسَها بعنوان التمثيل الطائفي أو القومي. ولذلك بعد ثمان عشر سنة بات من غير الممكن الحديث عن أطراف المعادلة السياسية إلا بعناوين بيوتات سنية وشيعية وكردية، وأصبح من الصعوبة التفكير بالعمل السياسي خارج دوائر الانتماء لهذه المكوّنات الثلاث. واليوم ننشغل بسجال سياسي عن شكل الحكومة القادمة، وهل ستكون حكومة أغلبية أم توافقية؟ لكننا لا نستطيع أن نغادر منطقة التفكير في مَن يكون شريكاً في حكومة الأغلبية مِن دون أن نستحضر التركيبة الطائفية والقومية. والمفارقة أن هذه التركيبة لا تستحضر في خدمة أبناء هذه المكونات، وإنما لِتقاسم غنائم السلطة. وأمّا المنتمين لهذه المكوّنات فهم أرقام انتخابية لا أكثر ولا أقل، وهم مجرّد زبائن لِأحزابٍ وزعامات السلطة. ولكن أغلبهم باتوا يعيشون بأوهام القبيلة، التي لا يمكن أن يغادروا ما فرضته عليهم مِن منطق التفكير. 

- أصنام الزعامات السياسية: الزعامة بالعراق، كما حالها في المجتمعات التقليدية، مرتبة برمزيات دينية أو عائلية أو شخصيات تأتي إلى السلطة، ومِن ثمَّ تستغلّ موارد الدولة لتشكيل زعامتها. وقد يتوهم الكثير مِن السياسيين بأنهم أصبحوا زعماء كونهم يتربّعون على عرش السلطة لفترةٍ معينة، وقد يتوهم البعض أنَّ شرعية زعامته تتأتى مِن خلال الاقتناع بخطابه ومواقفه التي يعبّر فيها عن نصرةٍ لطبقته الاجتماعية أو الطائفية. ومن ثمَّ تتحول هذه الزعامات في السجالات السياسية إلى "تيجان رؤوس" أو "خطوط حمراء" لا يمكن المساس برمزيتها ولا عنوانها، ويجب أن تكون هذه الزعامات خارج منطقة الانتقاد. وهنا تكمن مفارقة خطيرة في الوَعي السياسي؛ إذ كيف يكون لشخصٍ يحافظ على رمزيته التي يستمدّها مِن عنوان ديني أو عائلي وهو يردّ وضعه فوق اعتبارات النقد أو التشكيك وحتّى التهكم، في حين هو يمارس عملاً سياسياً لا يقيم بتلك العناوين ولا يمكن أن يُمنَح الثقة على أساسها؛ لأنَّ السياسة لا تعرف القدسية وإنما تقوم على أساس توازنات المصالح التي تخضع لِلمساومات والترضيات وتحقيق المكاسب، وتحقيق المنجز السياسي هو معيار التقييم لا الخطابات السياسية التي تُتاجر بالمبادئ والقيم والشعارات الدينية والطائفية والقومية. 

- أصنام الشَّعبَوية: الشَّعبَوية هي مرض العصر، وباتت مِن متطلبات الشهرة في مجالات السياسية والإعلام وحتّى مواقف النخب الثقافية، لاسيما بعد سيطرة مواقع التواصل الاجتماعي وتحكّمها في التسويق السياسي والإعلامي والثقافي. ولكنَّ المصيبة الكبرى عندما تكون الشَّعبوية هي الأساس في المواقف والسلوك والخطاب السياسي، فعندها سيكون لدينا تضخم في رجالات السلطة وفقر واضح وصريح في رجالات الدولة. وهذه الإشكالية هي التي تتحكّم في الكثير مِن مواقف الطبقة السياسية، إذ بدلاً من أن يكونوا رجال دولة يعملون وفق رؤية واسترايجيات واضحة تحسب حسابات التكلفة والربح والخسارة لبناء البلد، أصبحوا يعملون بناءً على ردود الأفعال وعاجزين عن الدفاع عن رؤيتهم ومواقفهم وسياساتهم العامة في إدارة الدولة. 

- أخيراً، أصنام نظرية المؤامرة. مِن مهازل العقل السياسي العراقي هو عجزه عن مغادرة التفكير بنظرية المؤامرة، وعلى العكس من ذلك استحضارها دائماً في جميع السجالات السياسية. ويشارك في ترسيخ هذه المهزلة الكثير مِن السياسيين بتسويقهم لها لتبرير الفشل والفوضى التي هي نتيجة لسيطرتهم على مواقع السلطة. ولا أعتقد أنَّ هناك مؤامرة يمكن لها أن تحقق أهدافها وغاياتها بأكملِ صورة مثلما تحقق الخراب والفساد والفشل والفوضى على يد هذه الطبقة السياسية التي حكمت العراق طوال أكثر من نصف قرن من تاريخه المعاصر.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.