مقر للإخوان المسلمين في مصر. أرشيف
مقر للإخوان المسلمين في مصر. أرشيف

تُفضّل الجماعات الإخوانية أن ترى في "انهياراتها" المتتالية "سحابة صيف عمّا قريب تقشّع"، وأن "كبوتها" العابرة للإقليم، ليست سوى "خطوة للوراء من أجل عشر للأمام"، وباستثناء اعترافات محدودة و"غير مترابطة" عن أخطاء قارفتها الجماعة هنا وهناك، فإن تحليلها لأسباب التراجع أو قل "الانهيار"، يميل لردها إلى "عوامل موضوعية"، كامنة في رحم الحملات "المكارثية" التي داهمتها في العشرية الفائتة، من دون الدخول في عمق "الأسباب الذاتية" عن تشكل مأزقها، أو قُل "انهياراتها" الممتدة.

من تونس إلى مصر، مروراً بالأردن وعدة ساحات وأقطار، تضيق عباءة الإخوان بخلافاتهم الداخلية، ويُؤْثِرُ "المختلفون" مع نهج الجماعة وقيادتها، الأخذ بواحدٍ من خيارين: الانسحاب من المشهد والانزواء داخل الجماعة أو خارجها، أو الانشقاق الصاخب، المصحوب بحرب اتهامات متبادلة ونشوء كيانات جديدة موازية ومنافسة... انسداد أفق الحوار والإصلاح من الداخل، ترك الجماعة لسيناريو "النزف" المتدرج أو "الجراحة" و"الولادات القيصرية".

لسنا نختلف مع الجماعة وأنصارها، بأن خصومها من محليين وخارجيين، لم يتركوا وسيلة إلا ولجأوا إليها في مسعى منهم لاحتوائها أو اجتثاثها، ولسنا نقلل من الأثر الفاعل الذي لعبه محور إقليمي قوي وممتد، ناهض الربيع العربي بثوراته وانتفاضاته، في إضعاف الجماعة في ساحات شتى، وشنّ ضدها، ما يشبه "حروب التطويق والإبادة"، ونعترف كما يعترفون، بأن هذه "المكارثية"، المستمرة إلى الآن على أية حال، لم تنته بلا أثر، وأنها كانت من بين عوامل أخرى، سبباً رئيساً من أسباب تفاقم مأزق الجماعة وانهياراتها اللاحقة.

لكن ونحن نرى إحجام قيادة الجماعة عن "المراجعة" الجادة والجدية، لتجربتها التاريخية، وتحديداً في عشرية الربيع العربي، وبعد أن ملأت الأرض والفضاء، وإصرارها على تشويه سلاح "النقد الذاتي" ومسخه إلى مجرد تسجيل ملاحظات عابرة هنا وهناك، نجد أنفسنا من القائلين بأولوية "الأسباب الذاتية" على "العوامل الموضوعية" في تشكيل مأزق الجماعة وتفاقمه.

فالفرصة التي سنحت للجماعة في مفتتح العشرية الثانية من القرن الحالي، لم تتوفر لغيرها من الحركات السياسية والفكرية في العالم العربي... "مبدأ الدومينو" أسقط في زمن قياسي، جملة من الأنظمة والحكومات العربية، ليتوج "الإخوان" على رأسها... الجماعة نالت تأييد قطاعات من الجماهير، من خارج جمهورها وحاضنتها التاريخية، على اعتبار أنها الجهة الأكثر تنظيماً، والمرشح الأوفر حظاً للحلول محل "الفلول" و"الدولة العميقة"، ولقد تُرجم ذلك في صناديق الاقتراع غير مرة، وفي أكثر من بلد… والجماعة حظيت برعاية عربية (قطر) وإقليمية (تركيا)، كانت كافية لتعطيل مفاعيل المعسكر المناوئ لها، أو إضعافه على أقل تقدير... ولأول مرة في تاريخها، حظيت الجماعة بضوء أخضر غربي لتجريب حظوظها في الحكم، حتى لا نقول بـ"إجازة" لفعل ذلك.

لكن الجماعة التي أتقنت تاريخياً، مختلف فنون المعارضة، وأهمها "ورقة المظلومية"، وتوظيف رسالة السماء للتمكّن في الأرض، كما لم يفعل غيرها، وجدت نفسها تلج عتبات مرحلة جديدة، من دون أن تتوفر على أدواتها وخبراتها، فحسابات الحكم والإدارة وممارسة السياسة والعلاقات الدولية، بحاجة لما هو أبعد وأعمق من الخطاب التبسيطي المعتمد لكسب قلوب (وليس عقول بالضرورة) المواطنين البسطاء.

وبالإضافة إلى عجزها عن تطوير خطاب يليق بالمرحلة الجديدة في تجربتها، ويجيب على أسئلة الأوطان والمواطنين، ستكتشف الجماعة، أن لديها نقصاً مروعاً في الخبرات والكفاءات القادرة على تدبير الشأن العام، وإدارة ملفات الأمن والسياسة في منطقة شديدة التعقيد… تاريخياً، لم تسجل الجماعة نفوذاً لافتاً بين هذه الفئات والشرائح الاجتماعية.

كذلك وجدت الجماعة نفسها، مجردة من أسلحة الثقافة والمثقفين، فمعظم النخب الثقافية والفنية والإعلامية في مجتمعاتنا، نشأت من خارج رحمها، وغالباً بالصدام معها، جراء التحجر الذي ميّز مواقفها من الثقافة والمثقفين، ومن الفنون والفنانين، ويخطئ من يقلل من أثر هذه الفئات في تشكيل الرأي العام وصياغة توجهاته.

كان بالإمكان تعويض هذا النقص بالانفتاح على مختلف مكونات وشرائح المجتمعات العربية، وإنشاء أوسع الائتلافات والشراكات لتدبير مرحلة الانتقال السياسي على أقل تقدير، لكن يبدو أن مفاعيل نظرية "التمكين" الراسخة، كانت أقوى من قدرة الجماعة على الانفتاح على الآخر والثقة به وبناء الشراكات والائتلافات... يبدو أن "أولوية الجماعة على الدولة"، كانت حاكمة لسلوك الجماعة ومتحكمة بصياغة توجهاتها وسياساتها، فكانت النتيجة، أن كل يوم مضى على وجودها في "السلطة"، أدى إلى انفضاض المزيد من مؤيديها وأنصارها عنها، ووفر لخصومها، فرصاً لطالما انتظروها، للانقضاض عليها.

من بين ما يمكن اعتباره سبباً "ذاتياً" لإخفاق الجماعة (وربما عودتها لاحقاً)، تلك المفارقة الكامنة في نجاحها بإنتاج وفرة من القيادات المحلية، وغالباً على هوامش المساجد ولجان الزكاة والخدمة الاجتماعية والتربوية والإغاثة، مقابل عجزها البيّن عن إنتاج قيادات على المستوى الوطني أو القومي... لدى الجماعة في مختلف البلدان، جيوشاً من رجال الدين والشيوخ وأئمة المساجد والدعويين والناشطين الاجتماعيين، مكنتها من إدارة معارضتها للأنظمة والحكومات، في مختلف الظروف وأشدها قسوة، بيد أنها قلما نجحت في إنتاج قيادات سياسية وإدارية واقتصادية ومالية وقامات فنية وثقافية وإعلامية على المستوى الوطني، تمكنها من تدبير شؤون الدولة والحكم، حين تجد نفسها في موقع السلطة أو الشريك فيها.

هل انتهى عصر الإخوان؟

يصعب الجزم بالمصائر التي ستنتهي إليها واحدة من أقدم الحركات السياسية – الإيديولوجية في العالم العربي، تقف اليوم على مشارف "مئويتها الثانية"، وفي ظني أن الاحتفالات المبكرة بطي صفحة الإخوان، سابقة لأوانها، ولا تسندها الوقائع العنيدة، وأهمها اثنتان:

الأولى؛ أن الجماعة متجذرة في تاريخ هذه المنطقة وجغرافيتها واجتماعها البشري، وهي تتوفر على "بنية تحتية" يصعب اجتثاثها، وتجارب المئة عام الفائتة، برهنت أن إلحاق الهزيمة بالإخوان أمر ممكن، لكن اقتلاع جذورها، وتجفيف التربة التي تحمل بذورها، أمر متعذر.

والثانية؛ وربما هي الأهم من الأولى، أن المجتمعات العربية، عجزت إلى الآن على الأقل، وربما حتى إشعار آخر، عن إنتاج بدائل عن الجماعة، أو عن "الإسلام السياسي" بعامة، فالتيارات المدنية والعلمانية، أظهرت ضعفاً مروعاً، وبددت بانقساماتها وتعدد مرجعياتها و"اغترابها" أحياناً، فرصاً ثمينة لشق "طريق ثالث" ينهي تَحكّم ثنائية "العسكر والإخوان"، أو "الإسلام السياسي والدولة العميقة"، حتى الحراكات الشبابية التي شكلت ظاهرة استثنائية على ساحات العمل السياسي والوطني، وكانت بمثابة العمود الفقري للتيار المدني – الديمقراطي، تعجز بدورها عن توفير شرطي "الاستدامة" و"التنظيم"، واستتباعاً التأهل لقيادة مراحل ما بعد الثورات والانتفاضات.

وكلما امتد أمد عجز التيارات المدنية وفشلها، وطالما ظلت "العفوية" و"الموسمية" سمات ملازمة للحراكات الشبابية، فإن الفرصة أمام عودة "الإسلام السياسي" ويقظة الجماعة الإخوانية بخاصة، ستظل قائمة، بل ومرجحة، سيما إن قُيّض لهما ما يمكنهما من المراجعة والنقد الذاتي، وأخذ العبرة من دروس المرحلة السابقة، فمستقبل دول المنطقة وشعوبها، لا يمكن أن يزدهر في ظل أنظمة الفساد والاستبداد، عسكرية كانت أم سلالية، وستتعاظم فرص الإسلام السياسي (الإخواني بخاصة)، مع استمرار غياب "بديل ثالث"، يوفر لشعوب المنطقة ومجتمعاتها، فرصة الخلاص وخشبته.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.