"نافورة الزثبق"عمل نحتي  لألكسندر كالدر
"نافورة الزثبق"عمل نحتي لألكسندر كالدر | Source: MBN

في أحد العراكات اللامنتهية، وصفني أحدهم شاتما بأني "Mad as a hatter" بترجمة أدركتها لاحقا إلى العربية: (مجنونة كـ صانع قبعات). لم افهم المعنى على الإطلاق لكن انقلب العراك من جهتي حينها إلى عملية بحث افتراضية عن أصل نحت الجملة، متجاهلة تماما وجوده، سادة أذناي عن سيل الشتائم الخارج من شفتيه الممتلئتين. 

كما توقعت، كان يستخدمها لغوا دون الإلمام التام عن ماهية نحتها، جذرها أو مصدرها، بعيدا عن إدراك غرابتها على مسامع متحدثين اللغة الإنجليزية كلغة ثانية أو ثالثة. تستخدم هذه الجملة العامية في الإنجليزية لوصف شخص مُصاب بالجنون ولكن بشكل فكاهي، بحسب قوله. 

في الفصل السابع المعنون تحت اسم "حفل الشاي المجنون" من رواية "مغامرات أليس في بلاد العجائب" للكاتب "لويس كارول" تظهر شخصية تدعى هاتر "hatter"، يكتسي رأسها شعر برتقاليا، عين خضراء، الأخرى صفراء، قبعة ضخمة، وجه مغبر بطبقات من المسحوق الأبيض. يتفقد الساعة دون توقف بارتباك مزمن. شخصية غير متزنة وفقا للمعايير السائدة، تقول الشعر والجمل القصيرة على شكل مانفيستو ثوري وخلاصات فكرية غير متسقة. يتحرك بين كراسي المائدة لهوا، شاربا الفراغ، اللاشيء من أكواب الشاي المحطمة إلا من مسكتها وما تبقى من حوافها. تتخلل الجلسة ضحكات قصيرة على تعليقات "هاتر" من قبل أرنب آذار/مارس المختل. 

بعد دعوة هاتر أليس إلى حفل الشاي الأبدي الممتد على مائدة أنيقة مشاركةً مع الأرنب والفأر "الحكيم" مقارنة معهم، تعترف أليس لـ "هاتر" لدى جلوسها على الكرسي بأن "الشعور بالزمن في الأحلام غريب جداً"  إشارة غير مباشرة إلى خديعة مفهوم حفل الشاي الذي هو ضمنياً عقوبة من الملكة المتسلطة في السردية أنزلته بهم بعد أن فشل في تقديم عرض أداء غنائي متهمة إياهما بـ "قتل الوقت" الأمر الذي حال بهم إلى تجميدهم بحفل شاي أبدي متكرر الأحداث والعناصر متحولا من حلم إلى كابوس. 

المثير للاهتمام الاستلهام الذي قاد "كارول" في خلق شخصية "هاتر".

يقال بأن الجملة خرجت للمرة الأولى من إنجلترا في القرن التاسع عشر، تحديدا من المعامل المسؤولة عن تصنيع القبعات، للدقة من هستيريا وهلوسات والجمل المتقطعة البادية على أسلوب وتصرفات العاملين في هذه المصانع والرعشات المرافقة لأجسادهم واختلال عقولهم بعد فترة زمنية من الاستنشاق اليومي لمادة الزئبق، المادة المستخدمة حينها في تصنيع القبعات والمساعدة في فصل فراء وجلود الحيوانات عن أجسادها وتحويلها لاحقا إلى قبعات بشرية. 

الفن المميت 

تتشارك شخصية "ماد هاتر" في بعض أجزائها مع شخصية الفنان الإيطالي "فيتوريو كارباتشيو"، الفارق بينهما، امتصاص الأول جنونه وعبثه من ارتداء القبعات والثاني من اللون القرمزي المشع على أصابعه المنتهية أخيراً في لوحاته ورئتيه وجلده. 

وفقا للكثير من تكهنات مؤرخي الفن حول الأسلوب غير الشائع في تصرفات العديد من فناني عصر النهضة وما بعده كذلك من بينهم "كارباتشيو" وتصرفاته البعيدة عن الاتزان مقارنة بالمعايير السائدة حينها، يرجح  مؤرخ الفن أندرو غراهام ديكسون، بأن  "كارباتشيو" استنشق كميات كبيرة من المذيبات وأكاسيد الحديد،  وتعامل مع أنواع معينة من الأصباغ و ألوان الطلاء المصنوعة من الزئبق والرصاص والكبريتيدات كلها مجتمعة بشكل يومي، مسببا تلفا وخللا ملحوظا في وظائف الدماغ، وبالتالي سلوكه العنيف سيئ السمعة آنذاك. 

ترجح ذات النظرية على الفنان الهولندي "فينسنت فان كوخ" والقلق المزمن تجاه الأشياء من حوله التي ظهرت بشكل مبطن بإحدى مراسلاته ضمن جملة مكتوبة من قبل أخيه عندما نصحه بالابتعاد عن ألوانه وأدوات الطلاء إذا كان يشعر بالتهديد والخطر منهم على صحته العقلية واستبدالهم لفترة قصيرة بالرسم مستخدمة المواد الجافة. 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.