الأسقف ديزموند توتو الحائز على نوبل للسلام توفي الأحد عن عمر يناهز 90 عاما
الأسقف ديزموند توتو الحائز على نوبل للسلام توفي الأحد عن عمر يناهز 90 عاما

غيّب الموت يوم الأحد الماضي ديزموند توتو، رجل الدين الأفريقي الجنوبي، والمرجعية العالمية البارزة في الدفاع عن حقوق الإنسان. مع رحيله، تخسر الأسرة الدولية أحد كبارها. لها أن تتعزّى بإنجازاته، ولها أن تستلهم منهجيته. غير أن ذهابه يصادف أحد أدق الفصول في التاريخ المعاصر، إذ تندر الوجوه الجامعة وتكثر دعوات التفرقة. ورغم أن ديزموند توتو كان اضطر أخيراً إلى قدر من الانكفاء، بفعل المرض والتقدم بالسن، فإن مساهماته في التأسيس لغدٍ أفضل لم تنقطع حتى في أعوامه الصعبة. عسى أن يبقى نتاجه عبرة، وعلم نافع، وصدقة جارية.

مسار ديزموند توتو ابتدأ مختلفاً عن ذاك الذي ارتاده رفيق نضاله نيلسون مانديلا، قبل أن يلتقيا، ليحققا مع رفاقهما وشركائهما قبل زهاء ثلاثة عقود إنجازاً غير مسبوق أنهى النظام العنصري في أفريقيا الجنوبية دون إراقة الدماء التي كانت متوقعة لنهايته.

ديزموند توتو في نشأته شهد وعايش وعاش البؤس والبأس. بؤس الأكثرية المفصولة والمهانة، والبأس الذي اعتنقته السلطة باسم الأقلية المميِّزة والمميَّزة.

تتداخل في تاريخ أفريقيا الجنوبية الهجرات. المفارقة هي أنها من أقدم النواحي في العالم التي سكنها لإنسان، ومن أواخر الأقطار في تشكّل تركيبتها البشرية والثقافية. سكانها "الأصليون"، في حال الإصرار على تبيّن التراتبية رغم عبثية المسعى، ليسوا "الأفارقة السود" كما اعتادت الثقافة المعاصرة على التصنيف. هم أفارقة طبعاً، وهم "سود" في عيون "البيض"، ولكنهم على مسافة في الخلفية النسلية من «السود» تضاهي وتزيد عن تلك التي بين "السود" و "البيض". هم "الكويسان"، أصحاب الملامح الفريدة واللغات الأكثر فرادة، اقتربوا بالأمس من الانقراض، ولكنهم يعودون اليوم إلى قليل من الازدهار، في أحضان أفريقيا جنوبية مرتبكة، ولكن فاعلة.

أما السود "الاعتياديون"، وهم بالتأكيد أكثرية السكان، فهم أحفاد إحدى أعظم موجات الهجرة والفتوح في تاريخ البشرية، انطلقت قبل زهاء ألف عام من تخوم الساحل إلى الجنوب من صحراء المغرب، لتنتشر شرقاً وجنوباً وكادت أن تجعل من مساحات شاسعة من القارة داراً حصرية لشعوب "البانتو"» (والتسمية ليست ذاتية بل مشتقة من الشراكة اللغوية)، في ملحمة لم تحظَ بالتدوين، ففاتها ما تستحقه من التقدير.

الأوروبيون، ولا سيما الهولنديون، وصلوا سواحل أفريقيا الجنوبية قبل مئات السنين، وبعض مناطقها قليلة السكان. بل الواقع، مهما كانت الكثافة، أن اللاهوت العرقي، الصريح لدى بعضهم والضمني لدى عديدهم، جعل من الإنسان الأسود سليل "حام" ابن "نوح"، نزيل كتبهم المقدسة، وفعل من سواد بشرته عقاباً إلهياً يشمل أيضاً خفض إنسانيته وتسخيره لخدمة الشعب المختار، وهو هنا "الأبيض". 

على أن ما شهدته أفريقيا الجنوبية لم يكن بهذه السهولة، فشعوبها البانتو المحاربة، وإن تناطحت بأكثر من داحس وغبراء، لم تكن طيّعة وقابلة للإخضاع. بل تطلّب الأمر داحس وغبراء إضافية بين القبائل الأوروبية، قبل أن يتمكن البريطانيون من نيل السلطان، وأن يستقدموا الهنود والمالاي وغيرهم، ليكتمل التجاور الثقافي الفريد في هذه البلاد، ثم ليعمد "البيض" المتحدون إلى تقنين نظام الفصل، والذي سعى إلى تفتيت "السود" وإيداعهم بمناطق حكم ذاتي، لا سبيل للحكم فيها، بل هي أشبه بالسجون.

كان جلياً لديزموند توتو، الطالب ثم الناشط ثم الأسقف، التناقض بين مبادئ الأخوة الإنسانية في المقولات الدينية والأخلاقية التي يعتنقها "البيض" وبين ممارسات هؤلاء البعيدة عنها كل البعد. اختار العلم والدين والأخلاق سبيلاً للتصحيح. وفشل. ولكنه بقي صوتاً صارخاً في البرية، يحذّر وينبّه.

قبل حوادث سويتو التي وقعت عام ١٩٧٦، توجّه توتو، وكان عندها قد بلغ من المقام ما يفرض الاستماع إليه، إلى المجتمع والدولة في أفريقيا الجنوبية، منبهاً من أن الأوضاع في المقاطعات العرقية سيئة ابتداءاً وتزداد سوءاً ولا بد من معالجة صادقة لها، وإلا كان الانفجار.

لم تكن ثمة معالجة، لا صادقة ولا كاذبة، فكان الانفجار. بل كان القمع. والقتل. وسقط في انتفاضة سويتو أكثر من سبعمئة قتيل، وآلاف الجرحى، ما شكّل تحولاً نوعياً في الحراك الوطني المطالب بالمساواة والعدالة.

كان ذلك في خضمّ الحركة الثورية العالمية، سواء بشقّها المتماهي مع المعسكر الاشتراكي أو بشقّها المزايد عليه. وكان من شأن النضال الأفريقي الجنوبي أن يجنح إلى مطلق العنف الثوري. ليس أن هذا النضال غاب عنه العنف، ولا أن العنف بطبيعة الحال كان شحيحاً في مساعي قمعه وإخماده. إلا أن زخمه سار باتجاه آخر، معتمداً على حركة مقاطعة عالمية لنظام الفصل العنصري، وعلى وجود مسؤولين ضمن الأقلية الحاكمة مدركين لاستحالة الاستمرار. من أدار الدفة، وجعل انتقال أفريقيا الجنوبية من نظام قائم على التمييز إلى آخر يسعى إلى المساواة هو بكل جدارة نيلسون مانديلا. غير أن ديزموند توتو، بدوره وتأثيره، وتواضعه، لا بد أن يُذكر فضله.

إذا صحّ اختزال رسالة ديزموند توتو بكلمة واحدة فهي «الغفران». لا شك بأن الدعوة للغفران المتبادل كأساس للاجتماع بين الناس ابتدأت مع ديزموند توتو من إيمانه المسيحي، ولكنها بالنسبة له لم تكن مثالاً أعلى وحسب، بل ممارسة تطبيقية يومية، دعا إليها يوم كان وأهله مغبونين مظلومين مضطهدين، وثابر على الدعوة إليها يوم انقلبت الأدوار ليصبح وأهله ورفاقه غالبين متمكنين.

ليس من باب الصدفة أن يكون ديزموند توتو، مع نهاية نظام الفصل العنصري في بلاده، هو من ترأس هيئة المصارحة والمصالحة والتي أتاحت لبعض من شارك بالقمع تجاوز أعباء أفعاله من خلال الاعتراف بها، وسمحت لمن تعرّض للأذى الارتقاء فوق جراحه عبر الإقرار المطلق العام بحقّه وكرامته. كان فعلاً طوعياً وليس بديلاً عن المطالبة بالعدالة، وإن رأى العديد من الناشطين في أنحاء العالم في تجربة الهيئة التي ترأسها توتو بديلاً فعالاً وقدوة في المسعى الصعب دوماً والخائب عادة لاستحصال العدالة الانتقالية.

الغفران بالنسبة لديزموند توتو مقام لا يقتضي النسيان. هو تحاور مع الدالاي لاما، الأب الروحي للبوذيين التيبتيين، ولكنه لم يدعُ يوماً إلى ما تشير إليه القناعة البوذية القائلة "أغفر وكن حراً، اِنسَ وكن أكثر حرية"، بل جعل المحافظة على الذكرى صنواً للغفران. غير أن حدود الاستجابة لدعوته ظهرت جلية يوم جاهر من القدس، خلال زيارة له لإسرائيل وفلسطين عام ١٩٨٩، بنية الغفران لمن ارتكب جريمة الإبادة بحق اليهود خلال الحرب العالمية الثانية "نصلّي لأجل من أرتكب هذه الفظائع، عسانا نتمكن من أن نغفر لهم، وأن لا نتسبب بالأذى بدورنا".

قوله هذا استدعى ردود فعل غاضبة من مفكرين يهود بارزين، بل رأى بعضهم فيها فوقية مسيحية إزاء مأساة يهودية. ربما فات هذا البعض أن إنسانية توتو تغلب مسيحيته، وإن مسيحيته ليست وريثة الصليبية التي رموه بها، بل هي التفاني في خدمة الإنسان، الغريب قبل القريب.

آلم ديزموند توتو، كما نيلسون مانديلا، أن يرى سمات عديدة من نظام الفصل العنصري الذي عاشته أفريقيا الجنوبية تتكرر بحق الفلسطينيين. وموقف مانديلا كان ثابتاً وصريحاً بأن نضال أفريقيا الجنوبية لا يكتمل ما لم يتحرر الفلسطينيون. توتو أضاف أن الحرية للفلسطينيين هي أيضاً الحرية للإسرائيليين. وبناءً على هذه القناعة ساند حملات مقاطعة إسرائيل عساها تأتي بنتيجة موازية لتلك التي استفاد منها النضال في أفريقيا الجنوبية.

طبعاً الظروف مختلفة، وأولها وأهمها أنه ليس بين الفلسطينيين من يحاكي توتو في الدعوة الصادقة إلى الغفران، والتي من شأنها أن تستدعي الاطمئنان والخير من قلوب الإسرائيليين. ثم أن الكثير ممن يشيرون إلى مواقف توتو حول الحقوق الفلسطينية ومقاطعة إسرائيل يهملون الشق الآخر من كلامه، إذ هو ثابر على التأكيد على حق إسرائيل بالاستقرار والسلام والحدود الآمنة، وتصدّى بحزم وإصرار لكل كلام يستهدف اليهود كشعب واليهودية كدين.

رحل ديزموند توتو لينضم إلى قلة، فيها نيلسون مانديلا والمهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ، دعت بصدق، ومن موقع القدرة، إلى التسامح والمغفرة والعفو إزاء الأذى والإهانة والتعسف. هي دعوة صعبة، ليس الجميع في موقع الاستجابة لها، ولكنها من صلب المسعى الإنساني إلى الارتقاء. طابت ذكرى ديزموند توتو، الذي أراد الخير لنا جميعاً، وإن لم نتمكن دوماً من الركون إلى مراده.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!