التوقيع على اتفاقية "الكهرباء مقابل المياه" بين إسرائيل والإمارات والأردن
التوقيع على اتفاقية "الكهرباء مقابل المياه" بين إسرائيل والإمارات والأردن | Source: social media

إعلان النوايا الذي وقع بين الأردن وإسرائيل، أو ما سُميّ "الكهرباء مقابل الماء" ما زال يُثير الحنق والجدل في عمان، وهو مثل كرة الثلج تتدحرج وتكبُر، وتزداد كل يوم بسببه حاله الغضب.

المطالبات البرلمانية بحجب الثقة عن حكومة د. بشر الخصاونة، وطرد وزير المياه محمد النجار من تحت قبة البرلمان لأنه لوّث يديه بمصافحة الوزير الإسرائيلي لم تكن سوى بداية صدام في البرلمان، وفي الشارع، ابتدأ بانسحاب النواب من الجلسة وتعليق عملها، واستمر باحتجاجات ومظاهرات شعبية.

الجلسة الرقابية التي خصصها البرلمان لمناقشة واستجواب الحكومة حول إعلان النوايا كانت مسرحا لمساجلات واتهامات غير مسبوقة، وقابلها حالة من الهياج الحكومي انتهى بانسحاب رئيس الوزراء من الجلسة.

أكثر ما كان مُثيرا في تبادل الاتهامات ما قاله النائب محمد الظهراوي "الدم صار ميّ في حكومة بشر الخصاونة"، مُتهما إياها بالتنكر لدماء الشهداء.

تساءل الظهراوي في مستهل مداخلته "الله حين قال أنصرنا على القوم الكافرين، هل كان يقصد سوريا أم إسرائيل؟".

إعلان النوايا كُتب بالعبرية، هذا ما قاله الظهراوي، مُطالبا وزير الأوقاف بسؤال مفتي المملكة "إن كان يُجيز شراء المياه من إسرائيل؟".

كلام الظهراوي استفز رئيس الحكومة بشر الخصاونة، واعتبره من قبيل المزاودة على الأردن فيما يخص فلسطين مكتفيا بالقول "الدم عنا ما بصير مي، ونحن لا نرتهن لأحد، ولا ندفع ثمن مواقفنا"، قبل أن ينسحب ويُغادر قبة البرلمان.

مجلس النواب لا يحمل بالتأكيد موقفا موحدا، ومثلما كان هناك مناوئين، فإن هناك مؤيدين لتوجهات الحكومة، فالنائب فواز الزعبي خرق كل السقوف المتوقعة في مناصرته، مُعلنا أنه سيتحالف مع الشيطان من أجل الأردن، وأكمل النائب ناجح العدوان حملة المؤازرة للحكومة بالاستشهاد أن الرسول تعامل مع اليهود.

لم تُفلح المعارضة البرلمانية في إسقاط اتفاقية إعلان النوايا في الجلسة الرقابية، وقرر المجلس إحالتها إلى لجنة الزراعة والمياه لدراستها، وتقديم التوصيات بشأنها، وهذا السيناريو غالبا ما يحدث لامتصاص الغضب البرلماني والشعبي، ثم تمريرها بهدوء دون ضجيج.

المُكاسرة لم تتوقف بعد إحالة اتفاق النوايا إلى لجنة الزراعة والمياه، أول المواجهات الصاعقة كانت بعد الاستماع لرأي وشهادة وزير المياه الأسبق، منذر حدادين حين اعترف أن لدى الأردن مياه من طبقات الحجر الرملي العميقة تكفي سكانه 5290 سنة لغايات الصناعة والشرب، وإذا أضيفت أغراض الغذاء والزراعة فتكفيه مدة 684 عاما، هذا الكلام من وزير للمياه عُرف بأنه كان من قيادات الأردن في مفاوضات السلام، زاد من حالة الشك والريبة بمبررات إعلان النوايا، وتعالت الأصوات التي تُطالب الحكومة بالبحث عن البدائل، وأولها كما قالت النائب صفاء المومني "أوقفوا لصوص المياه والطاقة"، ويتبعها فتح ملف فاقد المياه في الشبكات والذي يقارب 50 بالمئة، واستذكار المطالبة بحقوق الأردن المائية من إسرائيل وسوريا، والأهم المضي في تنفيذ مشروع الناقل الوطني لتحلية المياه من مياه العقبة على البحر الأحمر.

الحكومة مًتهمة في الشارع بإيهام الناس أنهم سيواجهون العطش إن لم يقبلوا باتفاق النوايا، وتزايد حديثها في الآونة الأخيرة وعلى لسان وزير المياه أن العجز المائي في مياه الشرب سيصل إلى 60 مليون متر مكعب العام القادم.

وقُرأت تصريحات رئيس لجنة الزراعة والمياه، محمد العلاقمة وكأنها تبرير وتمهيد استباقي لإعلان النوايا، فهو يصفه بالمصلحة الأردنية، ويتحدث عن جفاف السدود، وأن الناقل الوطني سيحتاج لسنوات لإنجازه، وما يربط الدول المصالح، في إشارة واضحة إلى ضرورة النظر وتقديم المصالح مع إسرائيل.

ما كان لافتا دخول الولايات المتحدة الأميركية عبر سفيرها في عمّان، ومديرة بعثة الوكالة الأمريكية للتنمية USAID على خط النقاش العام حول اتفاق النوايا.

فالسفير هنري ووستر لم يكتفِ بالقول إن الاتفاق مشروع تجاري وليس أمرا سياديا، وإنما تصدى للدفاع، والقول إنه ليس مؤامرة من المخابرات الأميركية، وأنهى مرافعته بالتأكيد أنه لا يوجد مشروع واحد يحل معضلة المياه في الأردن، وأعلنت مديرة USAID، شيري كارلين، أن الأردن بحاجة إلى 8 مليارات دولار لإنجاز البنى التحتية لسد العجز المائي، وأنهم يعملون مع الحكومة لبناء خط لنقل المياه الإضافية من إسرائيل، وكأنها تقول إن كل شيء سيمضي.

حتى الآن يخرج الأردنيون في احتجاجات ومسيرات معارضة لإعلان النوايا، وخشيتهم أن يُصبح إعلان النوايا اتفاقا وحقيقة واقعة، كما حدث في اتفاق الغاز مع إسرائيل قبل سنوات، والحكومة رغم تأكيدها أنه ليس أكثر من إعلان نوايا سيخضع لدراسة جدواه الاقتصادية، فإن السوابق التي درجت عليها الحكومات بتغييب الحقائق عن الناس، وإسقاط أو تجاهل الموقف الشعبي من أولوياتها وأجندتها، والاهتمام في السياق والسيناريوهات والمتطلبات الدولية، والإقليمية خاصة ما يتعلق بإسرائيل، وأنه يتقدم على اعتبارات وشعارات الشارع أن التطبيع خيانة، ولا تُصغي لمن يُذكّرهم "أن الدم ما بصير ميّ".

الأزمة تتفاقم في الأردن اليوم، والشتائم والعراك بالأيدي بين النواب تحت قبة البرلمان مع بدء مناقشة التعديلات الدستورية مهزلة، وتشي بحالة الخراب التي آلت إليها الأوضاع في البلاد.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.