احتفالات أعياد الميلاد في السعودية لأول مرة
احتفالات أعياد الميلاد في السعودية لأول مرة

قيل في الأيام القليلة الماضية بأن روح عيد الميلاد بدأت تتسرب إلى السعودية، بعد أن نشرت صحف أميركية بينها وول ستريت جورنال ونيويورك تايمز تقارير تتحدث عن مظاهر خجولة لأجواء عيد الميلاد في السعودية لأول مرة في تاريخ المملكة.

والأصح ربما القول بدلا من ذلك أن روح العصر هي التي بدأت تتسرب إلى السعودية. وهذا لا يعني أن السعوديين ليسوا معاصرين. الحقيقة أن الكثير من السعوديين وعلى غير ما يعتقد باقي العرب، هم متنورون وعصريون، وربما أكثر من غيرهم، ولكن أن تظهر مظاهر العصر على أرض الواقع وأن تسمح السلطات للمواطنين بممارسة حرياتهم الطبيعية فهذا هو الجديد.

في السابق كانت عصا "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" حاضرة دوما في كل مفصل من مفاصل حياة السعوديين. وكانت تنغص عليهم معيشتهم، بل وتتسبب في إيقاع الأذى والضرر بهم وبصورتهم في العالم. 

اليوم وبعد أن كسرت هذه العصا وألقيت جانبا حان للسعودي والسعودية أن يمارسا حياتهما مثل باقي البشر.

مع ذلك يبقى من المثير أن تكون الحريات العادية والسلوكيات الطبيعية مثل الاحتفال والموسيقى وخروج النساء للأماكن العامة والارتياد الجماعي للمنتزهات أمور تستحق الإشارة إليها بوصفها مكاسب وأحداث غير مسبوقة!

وهذا يظهر إلى أي حد حوّل التزمت والانغلاق الديني مجتمعاتنا إلى مجتمعات منكوبة، لاتزال تنشغل بقصص وقضايا لا أحد غيرنا في هذا العالم يتحدث فيها أو عنها. وأحد الأمثلة على ذلك ما جرى في الأيام الماضية حين تحدث مستشار مفتي الجمهورية وأمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية مجدي عاشور إيجابا عن الصداقة بين المرأة والرجل قبل الزواج. وهو الحديث الذي أثار جدلا واسعا واستنكارا غير مسبوق، الأمر الذي دفع دار الإفتاء إلى إصدار بيان توضح فيه موقفها من هذه القضية وبصورة تتنصل فيها بشكل غير مباشر من حديث مجدي عاشور.

فهل تحتاج الصداقة بين المرأة والرجل إلى فتوى من الأساس أو أن يكون للدين دورا فيها أو أن تصبح قضية مثيرة للجدل؟

طبعا هذه القضية ليست منفردة، بل هي تضاف إلى عشرات القصص الغريبة والعجيبة التي تحفل بها وسائل الإعلام كل يوم، والتي تدور في معظمها حول فتاوى ومواقف رجال الدين أو قضايا يكون للدين فيها دورا رئيسيا. من ذلك إعلان الفنان الأردني أدهم النابلسي مؤخرا اعتزاله الغناء، بسبب أنه ارتأى أن الفن "لا يتماشى مع إرضاء رب العالمين"، كما قال في فيديو نشره على مختلف حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرا أن "على الإنسان أن يختار هدفا مهنيا له يتماشى مع هذه الغاية"!

وهذا الموقف الغريب من الفن لا نجده سوى عند المسلمين، ولا سيما في العقود الأخيرة، حيث تتكرر ظاهرة اعتزال الفن لأسباب دينية، كما لو أن الفن هو عمل سيء وضد الأخلاق وضد القيم الإنسانية! ولكن إذا كان هؤلاء ومن يؤيدهم، وهم كثيرون مع الأسف، يعتبرون أن الفن أو الغناء يتعارض مع الدين فلماذا إذن لا يطالبون بمنع الغناء تماما في بلدانهم وغلق الكليات والمعاهد الفنية وفرض الرقابة على التلفزيون والإذاعة والسير على خطى طالبان؟ لماذا هذه الازدواجية والتنطع؟

الواقع أن هذه الازدواجية هي تعبير عن الصراع النفسي والعقلي بين الدخول في الحداثة والبقاء خارجها في الوقت نفسه، وهذا الصراع يضغط بشدة على المجتمعات العربية والإسلامية، على النحو الذي يشل طاقتها وقدرتها على التحرك إلى الأمام.

الأسوأ أنه يجعل هذه المجتمعات أمكنة مثالية لتفريخ جماعات ماضوية وميليشيات إرهابية تنشر الكراهية والعنف وتقاتل باسم الإسلام. وهو الأمر الذي دفع موقع "ترافل ريسك ماب" مؤخرا إلى وضع 15 دولة عربية وإسلامية على قائمة الدول الأكثر خطورة كليا أو جزئيا بحسب مؤشر "المخاطر الأمنية" لعام 2022.

ولو دققنا النظر في هذه الدول وبينها اليمن وسوريا وليبيا ومالي والصومال وأجزاء من باكستان والعراق ومصر، سنجد أنها إما دول فاشلة أو تقترب من الفشل. وأن جميعها تعاني من هذا الصراع النفسي والعقلي.

يبقى القول بأن محاولات دولة مثل السعودية الخروج من هذ الصراع والانحياز إلى قيم الحداثة والانفتاح هو أمر مشجع وإن كان يتم بصورة بطيئة وغير حاسمة (كما هو الحال مع الاستمرار المؤسف لاعتقال صديقنا رائف بدوي)، لكنه مع ذلك يقدم دليلا على أنه لا يمكن لهذه الدول أن تأمل في حل مشاكلها أو تكون جزءا من اقتصاد المستقبل من دون حل مشكلة الدين وعلاقته بالدولة والفرد. حتى الآن هذه العلاقة تسمم هذه المجتمعات وتمنعها من الحركة. ولا ينبغي التسامح مع ذلك فترة أطول.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!