تحركات دبلوماسية كثيفة في لبنان ـ صورة تعبيرية ـ فرانس برس
"سرعان ما أفسد عون تفاؤل المروّجين له"

عندما جرى "انتخاب" العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية اللبنانية، في نهاية أكتوبر 2016، كان يمكنه أن يقود حواراً وطنياً منتجاً. 

حينها، وعلى الرغم من أنّ "انتخابه" كان نتاج "خضوع" لإرادة فرضها "حزب الله" على الخصوم كما على الحلفاء، إلا أنّ ميشال عون "جمع" كبار اللاعبين السياسيين اللبنانيين حوله، وكادت المعارضة تغيب نهائياً عن المشهد الوطني. 

وراح كلّ طرف شارك في إيصاله إلى القصر الجمهوري يروّج للإيجابيات المحتملة: الرئيس سعد الحريري كان مقتنعاً بأنّه معه يمكن أن يبني دولة قوية، ورئيس "حزب القوات اللبنانية" سمير جعجع كان على ثقة بأنّه سيعمل على "لبننة" حزب الله. 

ولكن سرعان ما أفسد عون تفاؤل المروّجين له، فتعاطى مع نفسه على قاعدة أنّه "القويّ المستحق"، ومع "حزب الله" على أنّه "الشريك المميّز" فيما اكتفى، في تعاطيه مع سائر القوى الأخرى، بعملية "توزيع المغانم"، وفق معادلة "النسبية" التي كانت تعطيه "حصّة الأسد". 

وباتباعه هذا النهج، اتّضح لكثير من اللبنانيين أنّه في عهد ميشال عون أضحى لبنان قسمين: القسم الأوّل يترأّسه هو، وحدوده الاعتناء بالشؤون الداخلية، أمّا القسم الثاني فيترأّسه الأمين العام لـ "حزب الله"، حسن نصرالله، ويُعنى بتنسيق شؤون لبنان الإستراتيجية بما يتلاءم و"أجندة" الحرس الثوري الإيراني. 

وبما أنّ "كلّ مملكة تنقسم على نفسها تخرب" دبّت الفوضى في لبنان، فتعملق الفساد، بكل أبعاده، إلى مستويات مخيفة وتدهورت علاقات لبنان مع المجتمع الدولي عموماً، ودول مجلس التعاون الخليجي خصوصاً، إلى دركات غير مسبوقة تاريخياً. 

وفي عهد ميشال عون اجتمعت، للمرة الأولى، كارثتان معاً: المال المنهوب سار جنباً إلى جنب مع المال المحجوب. 

وأنتجت هذه السابقة المأساة اللبنانية التي تتفاقم، يوماً بعد يوم، في ظل خزينة فارغة واستثمارات هاربة ومساعدات محظورة. 

وهكذا انقلبت الآمال بميشال عون إلى وبال، فخاصمه من انتخبوه وابتعد عنه من والوه، وكاد العشب ينبت على عتبة القصر الجمهوري في بعبدا، لولا السياسيون "العونيون". 

عملياً، لم يعد أحد يتعاطى مع عون على أساس أنّه "مصدر ثقة". وجده الجميع يُجيّر مركزه لصهره جبران باسيل الذي أورثه رئاسة حزبه المسمّى "التيّار الوطني الحر"، وضبطوه يترك شؤون لبنان الإستراتيجية التي جرّت الويلات على البلاد لـ "حزب الله". 

ووصل عون وتيّاره، في الأشهر القليلة التي تفصل لبنان، مبدئياً، عن الانتخابات النيابية التي سيليها حلول زمن الاستحقاق الرئاسي، وهما في حالة ضعف ووهن شديدين. 

وفي محاولة منه لقلب هذا المسار الانحداري، أراد عون أن يستعيد "قوّة" البداية، ففعل ما كان عليه أن يفعله، فور وصوله إلى القصر الجمهوري، فدعا إلى "حوار وطني" حول ثلاثة مواضيع: الإستراتيجية الدفاعية التي يقصد بها إيجاد إطار وطني وشرعي للتعاطي مع سلاح "حزب الله" المتفلّت من كل الضوابط، وإقامة نظام اللامركزية الإدارية والمالية الذي يعني ضمناً إعطاء المجموعات الطائفية اللبنانية كامل الحرية في إدارة شؤونها المحلية، ووضع خطة إنقاذ مالي واقتصادي، في ظل الانهيار المأساوي الذي يعاني لبنان منه. 

ولكنّ دعوة عون هذه قوبلت ببرودة هنا وبسخرية هناك، لأنّه، في واقع الحال وعلى الرغم من موقعه الدستوري، فقدَ دور المرجعية، إذ أنّ كثيرين بدؤوا العدّ العكسي لنهاية ولايته، ويرفضون أن يضعوا بين يديه ثقة سبق أن فرّط بها.

في حين أنّ الآخرين يتذكّرون أنّ عون دشّن عهده، إرضاء لـ "حزب الله"، بحرق "إعلان بعبدا" الذي كانت طاولة الحوار الوطني في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان قد توصّلت إليه واعتمدته الأمم المتحدة وثيقة من وثائق التعاطي مع "بلاد الأرز". 

ولو جرى احترام "إعلان بعبدا" لما كانت وضعية لبنان راهناً على ما هي عليه إطلاقاً، إذ أنّ ما يطالب به عون حالياً ورئيس الحكومة، نجيب ميقاتي، ورؤساء الجمهورية والحكومة السابقين والمجتمع الدولي ودول مجلس التعاون الخليجي، كان هذا الإعلان قد دعا إليه في العام 2012، الذي كان باختصار كلّي يهدف إلى النأي بلبنان عن حروب المنطقة وصراعات محاورها واحترام القرارات الدولية وترسيخ علاقات لبنان العربية والدولية. 

ولم يعد سوى بعض المكابرين الذين يقودهم "حزب الله" يتجاهلون أنّ ذهاب "حزب الله" إلى حيث أراده "الحرس الثوري الإيراني" أن يذهب، قد أفقد لبنان كل مميّزاته الجاذبة وعزله وأفقره وجعل الهجرة حلماً شعبياً عامراً. 

وليس تفصيلاً أنّ الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، بعد "إعلان جدة" وبيان "المجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي"، قد دعا في كلمته الأخيرة جميع القيادات اللبنانية إلى "إيقاف هيمنة حزب الله الإرهابي على مفاصل الدولة". 

وتتّهم الرياض "حزب الله" بالتورط في الاعتداءات التي يشنّها "حوثيو اليمن" على الأهداف المدنية في المملكة العربية السعودية، في وقت تعالت أصوات لبنانية رسمية، من ضمنها عون وميقاتي، تندّد بمشاركة "حزب الله" في حرب اليمن. 

إنّ الرئيس ميشال عون، في الأشهر الأخيرة من ولايته، يريد، بدعوته إلى حوار وطني مع قيادات اختلف معها وفقدت ثقته بمرجعيه، أن يُجدّد شبابه، ولكنّ كما يقول المثل: "ما فات مات". 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.