في الخامس عشر من شهر ديسمبر الجاري، وافق مجلس النواب الأميركي على قانون قدمته النائبة الديمقراطية المسلمة إلهان عمر
في الخامس عشر من شهر ديسمبر الجاري، وافق مجلس النواب الأميركي على قانون قدمته النائبة الديمقراطية المسلمة إلهان عمر

في الخامس عشر من شهر ديسمبر الجاري، وافق مجلس النواب الأميركي بأغلبية بسيطة على قانون قدمته النائبة الديمقراطية المسلمة عن ولاية منيسوتا، الصومالية الأصل إلهان عمر ويقترح إنشاء مكتب خاص بوزارة الخارجية وتعيين مبعوث خاص لمراقبة ما يسمى بـ"الإسلاموفوبيا" ليس فقط في الولايات المتحدة وإنما في كل أنحاء العالم.

للوهلة الإولى، قد يظن القارئ المسلم العادي بأن المقترح فكرة جيدة للتصدي لظاهرة العداء ضد المسلمين وقد يرى البعض في تبنيه فرصة للولايات المتحدة تستطيع من خلالها تحسين صورتها في أعين المسلمين حول العالم وترسيخ فكرة اهتمامها بحقوق المستضعفين وتلطيف المناخ العام داخليا بعد فترة الرئيس السابق دونالد ترامب التي تفشت فيها مظاهر العداء والكراهية للأقليات وخاصة المسلمين من قبل العنصريين من مناصريه والجماعات المتطرفة التي تدعمه. 

لكن معارضي المقترح يرون أنه فكرة سيئة لا يستفيد منها سوى المتطرفون نسبة إلى عدة عوامل أهمها أن "الإسلاموفوبيا" مصطلح فضفاض ابتكره الإسلامويون لاستهداف كل من يطرحون آراء وتصورات تختلف عن توجهاتهم وفهمهم المتشدد للإسلام. 

أبرز معارضي هذا المشروع هو رئيس المنتدى الإسلامي الأميركي للديمقراطية الطبيب السوري الأصل زهدي جاسر الذي اعتبر أن استحداث منصب المبعوث الخاص لمكافحة "الإسلاموفوبيا" هو بمثابة تعيين "مفتي عام أميركي" لتقرير الأقوال والأفعال التي تتوافق مع الإسلام وتلك التي تتعارض معه. 

وشدد جاسر في مقال له حمل عنوان "مشروع قانون الإسلاموفوبيا الذي قدمته إلهان عمر سيمتدحه المتطرفون الإسلاميون في كل أنحاء العالم" على أن "كل أميركي مسلم وتحديدا من يعارضون الإسلامويين سيتعرضون للتهميش على يد هذا القاضي الأميركي الجديد المختص بالشؤون الإسلامية." 

ويختصر جاسر "الإسلاموفوبيا" في أنها "مصطلح يُستخدم من أجل إقصاء كل من يعارضون الاستبداد الذي تجسده الشريعة الإسلامية الذين يوصفون بالمجدفين" في الدول الإسلامية. أما في البلدان الغربية، بحسب جاسر، فإن تهمة "الإسلاموفوبيا" تطلق على أي شخص ينتقد الإسلام أو الإسلامويين أو الجهاديين وبالتالي فإن جرائم الإرهابيين الإسلامويين ومن يدعمونهم يتم التغاضي عنها حول العالم والتشويش عليها لمصلحة أنصار الصوابية السياسية "Political Correctness" .

وتساءل جاسر عما سيفعله المبعوث الخاص بـ"الإسلاموفوبيا" حين "يواجه الحقيقة المزعجة المتمثلة في أن الغالبية العظمى من الاعتداءات التي يتعرض لها المسلمون حول العالم تُرتكب على يد مسلمين." واختتم جاسر مقاله بالاعتراف بأن هناك خطابا معاديا للمسلمين حقيقة إلا أنه شدد على أن "الإسلاموفوبيا" "فضيلة مصطنعة تعمل على إظهار البعض على أنهم مدافعون عن العدالة الاجتماعية." 

من جانبها، اعتبرت الإعلامية الأميركية من أصل عراقي داليا العقيدي أن مشروع القرار هو جزء من محاولات الإسلامويين لـ"اختراق النظام السياسي في الغرب وتطويعه ليتلاءم مع أجنداتهم السياسية التي لا علاقة لها بالدين الإسلامي." كما طالبت الأميركيين باستيعاب أن الإسلامويين هم من يضطهدون الآخرين في بلدانهم وأنهم على استعداد لعمل أي شيء من أجل خداع المواطن الأميركي العادي المجبول على حب الخير والذي يحترم الحريات الدينية ويتوقع من الآخرين احترامها." 

ودافعت العقيدي عن النواب الجمهوريين الذين عارضوا مشروع القرار ونفت عنهم تهمة "الإسلاموفوبيا" قائلة: "على العكس، لقد اتخذوا هذا القرار الشجاع للدفاع عن أمثالي من المسلمين الذين يؤمنون بالدستور الأميركي ويتم استهدافهم من قبل الأسلامويين الأميركيين بسبب ذلك. لقد قاموا بذلك لحماية التعديل الدستوري الأول الذي يكفل حرية التعبير ومن أجل منع الكونغرس من تقييد الصحافة أو الأفراد من التعبير بحرية." 

وخلاصة القول فإن القانون الأميركي يكفل حقوق الأفراد سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهودا أو غير ذلك ويحميهم من التعرض للتمييز بسبب معتقداتهم الدينية، أما الدين الإسلامي الذي يحاول الإسلامويين حمايته من النقد فإنه كغيره من الأديان لا ولن يحظى بأي استثناء في القانون الأميركي وستطاله أقلام وألسنة النقاد والباحثين والمفكرين سواء شاء الإسلامويين ذلك أم أبوا.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.