احتفالات العالم بعام 2022
احتفالات العالم بعام 2022

تخطو البشرية اليوم أولى خطواتها في العام الميلادي الجديد. تعبر في الزمن مثقلةٌ بحمولتها من الخيبات الكثيرة والنذر القليل من الأفراح الهامشية، ووافر من الهزائم وما تيسر من بعض الأحلام والآمال المرجوة. تعبر بما أُنجز وما دُمر، وبما استُهلك وما ادُخِّر.

قد يبدو هذا العبور مجرد رقم مضاف للتاريخ لا يختلف في طبيعة قطبيه عن أي عبور مضى، لكنه في واقع الأمر مغاير ومختلف، حيوات أفراده أكثر هشاشّة وارتعاشاً، أنفاسهم أكثر ضيقاً، وسلامهم الداخلي شبه مفتقد.

عبورٌ يتّسم بأحمال كثر، تبرز بينها ثلاث هي الأشد وطأة على الجميع دون استثناء، يتقدمها الفقر وجائحة فيروس كورونا المستجد ومتحوراته الشرسة المتتالية، وأهوال التغير المناخي وما شهدناه وتلمسناه من آثاره الكارثية المتزايدة خلال العام المنصرم.

أحمال ثلاث تزداد عبئاً وثقلاً، متشابكة في عمقها وآثارها التبادلية، يتحمل الأفراد بقلة وعيهم واستهتارهم وعدم اكتراثهم نصيباً كبيراً من مسؤولياتها، فيما يتحمل ساسة العالم كامل المسؤولية عن سوء إدارة الأزمات أو العبث بها بشكل أو بآخر.

من عمق هذه الحقائق وفظائعية نتائجها، يتدخل الفن هذه المرة بشكل أكثر وعياً وجسارة عبر فيلم "Don't look up"  "لا تنظر إلى السماء" ليضع البشرية في مواجهة مع وجودها، في محاولة جادة أشبه بصرخة تنطلق من وجدان حريص، قد تفلح بها السينما في محاولة إيصال رسالتها التحذيرية، بعد أن قوبلت كل رسائل الحكماء ودراسات العلماء والندوات والمؤتمرات الطارئة باللاجدية المطلوبة إن لم نقل بالاستخفاف المفرط.

الفيلم الذي أطلق قبل أسبوع على منصة "Netflix" من إخراج آدم مكاي وبطولة ليوناردو دي كابريو بدور عالم الفلك دكتور ميندي، وجينيفر لورنس بدور كيت طالبة الدراسات العليا في علم الفلك، وميريل ستريب في دور رئيسة الولايات المتحدة الأميركية، يعرف عن محتواه بملخص قصير يتحدث عن عالمي فلك يكتشفان اقتراب نيزك هائل من كوكب الأرض ويحاولان تحذير الرئاسة والناس حول اقتراب النهاية بعد أقل من ستة أشهر. 

لكنه في الحقيقة أكثر من فيلم ترفيهي يتمحور حول خطر نيزك ويقدم بأسلوب ساخر  بعض الشيء. فالفيلم تضمن كمّاً كبيراً من مشاكل البشرية الحقيقية والجدية آنفة الذكر، مستعيراً حكاية النيزك كذريعة ليتحدث بشكل مباشر أحياناً أو غير مباشر حول قضايا معاصرة شديدة الخطورة، تتقدمها قضية التهديد المتمثل بالتغير المناخي الذي تسبب به استهتار البشرية وبعض ساستها. حيث يمكن تفسير الدور العبثي الذي أدته النجمة العالمية ميريل ستريب في الفيلم وسخريتها من النيزك هي وابنها، بالدور الذي لعبه الرئيس السابق دونالد ترمب إزاء قضايا المناخ. 

كما تذكرنا هذه العبثية ورد الفعل الرئاسي المستهتر من تهديد النيزك، بالشهرين الأولين اللذين أعقبا بدء انتشار جائحة كورونا والتصاريح الرئاسية المتتالية التي ركزت سياسياً على اتهام الصين على حساب مخاطر الفيروس وبدء انتشاره، ثم عدم أهمية ارتداء الكمامة ومن ثم التصريحات المتناقضة حول اللقاح، إلى أن أفضى الأمر بكارثة وطنية أدت إلى موت الآلاف بسبب التأثير السلبي الإعلامي، والتماهي مع ادعاء القوة الطرزانية الخارقة لأعلى سلطة أميركية.

يدين الفيلم الفساد السياسي والمالي شاملاً معه فساد بعض الجهات الإعلامية العالمية وسطحية مقاربتها للعديد من القضايا الجادة والاستهزاء بها، كما في قضية النيزك في الفيلم، والسعي لتحقيق المكاسب عبر التركيز على مواضيع ذات أثار فارغة وممارسة الكثير من الأكاذيب والتضليل على حساب الحقائق.

كما يبرز الدور الخطير والهدام الذي يمكن أن تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي كواحدة من أقوى المؤثرات الحديثة، وعبودية البشرية الجديدة لها، واستلاب وعيهم عبر مشاركتهم في نشر التضليل وتكذيب الحقائق، واستخدامها كوسيلة عنف معنوي ونفسي ضد بعض الشخصيات، وبكامل الرضا والموافقة من صناع هذه التقنيات الحديثة وجشعهم اللامحدود، بحسب الفيلم.

حيث سيكون المستر بيتر الرأسمالي الأكثر توحشاً، هو المنتصر الأكبر، بصفته أحد أهم المستثمرين في علوم التقنيات والفضاء والثروات وأحد أبرز مصنعي الهواتف الذكية، وصاحب الحظوة الأكبر عند صناع القرار في الرئاسة المتواطئة معه بوضوح، والذي سيعتبر توصيفه بأنه رجل أعمال، إهانة وتحجيماً لدوره الوجودي الحقيقي فوق العادي، بل سيقولها صراحة إنه يمتلك العالم والمستقبل، ويعلم عبر خوارزمياته إن كان المرء مصاباً بآلام في الأمعاء، ويتوقع له بثقة مطلقة كيف سيموت.

عند هذه النقطة تحديداً، تتألق رسالة الفيلم التي تدعو إلى الحب كمخلص مساعد للبشرية، سواء كانت هذه البشرية تقترب حقيقة من فنائها بسبب نيزك، أو بسبب كوارث المناخ أو الأوبئة، أو أي من قضاياها الشائكة الكثيرة، رغم أن الحب والتسامح والعائلة والصداقات وغيرها من الركائز الإنسانية الحقيقية، بضاعة غير رائجة في حسابات الجشع والمال، لكنها قد تجدي نفعاً وتنبه وعي الناس وتساعدهم على البقاء في ظل كوكب يتداعى من هول أشراره وشرورهم.            

حكاية النيزك التي يتحدث عنها الفيلم، وإن بدت صناعة سينمائية متخيلة وشديدة الاتقان والحبكة المؤثرة والمقنعة، أبدع في تبني محتواها النجم العالمي ليوناردو دي كابريو، صاحب الأفضال الكثيرة في المساعدة على إيقاف بعض التدهور البيئي العالمي وسفير الأمم المتحدة للسلام وقضايا المناخ، إلا أنها تبقى حكاية محتملة، لا أحد يجرؤ أن ينفي احتمال حدوثها في أي وقت من الأوقات.

فيلم مؤثر لأنه يترافق مع هذه الأيام الحساسة، يناشد صناعه البشرية التحرر من كافة أشكال الهيمنة الفكرية والنظر إلى السماء الرحبة حيث تبدو الحقيقة ساطعة بوضوح لالبس فيه، والتحرر من كل ما يساهم في تغييب الوعي ومناهضة الدعوة المضادة بعدم النظر إلى السماء التي يتحكم بها اللاعبون الكبار أصحاب السياسات التي تقتضي تبعية القطيع وإبقائه مدجناً لايخرج عن خط سيره، غارقاً في مشاكله ونكباته المتتالية.
وكل عام وأرضنا الجميلة ومن عليها بخير.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!