A girl carries her school bag as she walks in the Nahr Bin Omar village, across from the eponymous oil field and facility in…
النفط يشكّل أكثر من 90 في المئة من إيرادات العراق

انشغل العراقيون في نهاية عام 2021 بنتائج الانتخابات وسجالات الاعتراض ودعاوي التزوير، لذلك لم تحظَ تصريحات وتقارير صحفية بالاهتمام الكافي، لاسيما أنها تناقش فرضيات الانهيار السياسي والاقتصادي في العراق.

على المستوى السياسي، حذَّرَ الباحثُ الأميركي مايكل روبن وفي مقاله بمجلّة "ناشونال إنترست" (The National Interest) من أن عجز العراق عن إجراء إصلاحات جوهرية في نظامه السياسي واقتصاده سينتهي بثورةٍ لا تُبقي ولا تَذَر،

وتوقَّعَ أن تتسم الثورة القادمة بالعنف، وألا تفرّق كثيراً بين الأحزاب، وستؤدّي إلى الإطاحة بالقادة السياسيين الحاليين بالجملة، "إمّا إلى القبور مبكّراً أو المنفى".

ويرى روبن أن حكومة الكاظمي خلال فترة سنة ونصف أخفقت في تحقيق الإصلاحات الجوهرية، وإن ما ينقذ الكاظمي اليوم وينقذ النظام الذي يشرف عليه ليس نجاح الإصلاحات، بل ارتفاع أسعار النفط.

ارتفاع أسعار النفط الذي أنقذ حكومة الكاظمي، كان محور تصريحات وزير المالية الدكتور علي عبد الأمير علّاوي، الذي توقع في آخر تصريح له في نهاية العام الماضي "انهيار النفط لِلأبد بعد 10 سنوات، وسيقوم العراق بتسريح موظفيه، بسبب استمرار الاعتماد على النفط الذي يشكّل أكثر من 90 في المئة من إيرادات الدولة".

ورغم أننا في العراق قد تعوّدنا على أن يتحدَّث المسؤولُ بخطابٍ توصيفي بوصفه باحثاً وليس رجلاً سياسياً يتحمّل مسؤوليةَ رسم السياسات العامّة واتخاذ القرار، إلا أن تصريحات وزير المالية تعبّر عن عمق الأزمة في تفكير مَن يتصدّى لِلمسؤولية. لأنَّ ما تحدَّث به الدكتور علّاوي يشير إليه التقرير الصحفي لمايكل روبن، وبدلاً مِن أن يُحدّثنا الوزير عن الاستراتيجيات والخطط العَمَليّة التي يجب اتباعها بوصفه مسؤولاً عن إدارة موارد الدولة، يكتفي بالتصريحات العمومية والإشارة إلى ورقة الإصلاح البيضاء التي قدّمتها الحكومة، الورقة التي يبدو أنها لم تنفذ شيئاً مِن بنودها إلا خفض قيمة الدينار مقابل الدولار بنسبة 23.6%، وما لحقه من ارتفاع أسعار سلع المستهلكين الأساسية، وما ترتّب على ذلك من ارتفاع كبير في معدّلات التضخم، والتي يستعرضها دائماً الخبراء الاقتصاديون في العراق. 

المشكلة أن هذه التوقعات المتشائمة واقعيةٌ، لا بل واقعية جدّاً! وقد لا نختلف على توصيفها. لكنَّ معضلتنا الحقيقية تكمن في أننا مقبلين على تشكيل حكومة جديدة، والسجالات بشأن تشكيلها وملامحها ووظيفتها الأساس لا تنشغل بعمق الأزمات التي تعصف بالبلاد ويدفع ضريبتَها المواطن والأجيال اللاحقة. 

الخلاف الآن بين الفرقاء السياسيين ينحصر في شكل الحكومة؛ الصدريون يريدونها "حكومة أغلبية وطنية" والفرقاء الآخرون يردونها "حكومة توافقية" يشترك فيها الجميع. والخلاف في حقيقته هو تخوّف مِن استئثار طرف سياسي وإقصاء آخرين، وهذا يعني خسارة لِلسلطة والنفوذ لقوى سياسية لم تعد تستطيع التفكير في أن تكون خارج دائرة السلطة وما توفّره مِن ملذات وغنائم. ومشكلة هذه الخلافات أنها لا تنشغل بالقضايا الكبرى والمصيرية التي تتعلق بمصير الدولة وهيبتها وإدارة مواردها، وإنما تنشغل بالحديث عن القضايا التي تبدو أنها صغرى وتفصيلية تدور بشأن ضمان صفقات تقاسم السلطة ومؤسسات الدولة.  

مشكلة أحاديث السياسيين أنها تنحصر في أوهامهم بنظريةِ المؤامرة، وتعبّر عن عمق أزمة عدم الثقة بينهم، ولا تهتم بإعادة ترتيب الأولويات التي تحدد ما هو مهم وما هو أهم، وما هو تحد حقيقي يمكن اختباره حياتياً، وما هو تحد وهمي يعتاش على المخاوف والأوهام والأحلام. ومعضلتنا الحقيقة أنَّ علينا التسليم بأنَّ هذه الطبقة السياسية هي مَن تدير البلادَ وتتحكَّم بمصيره! 
نحتاج في السنة القادمة تجاوز شعارات الانتصارات الموهومة، وخنادق صراع المحاور الإقليمية، والبدء بمواجهة أزماتنا بشجاعةٍ وصراحة، وليس بالهروب إلى الأَمام ولا التغنّي بخطابات ماضوية. ولا يحتاج العراقيون إلى أحاديث السادة الوزراء والمسؤولين عن توقعات الانهيار؛ لأنّها لم تعد تخيفهم؛ فمَن عاشوا ويلات الحصار الاقتصادي في أيّام النظام الدكتاتوري السابق، يشاهدون اليوم ثرواتهم تُنهَب على يد طبقة سياسية تعتقد أن تكليفها الشَّرعي يوجب عليها أن تتولى الحكم! ولا يمكن أن يكون خطاب التحذير مقنعاً إذا كان صادراً مِن شخصيات سياسية لا تعرف عن العراق إلا المناصب والامتيازات وعوائلهم تعيش حياة مترفة في بلدان أمريكا وأوروبا، فعندئذ يكون خطاب المترفين غير مقنع لِطبقات مجتمع تصنَّف ثلثها تحت خط الفقر!

لقد آن أوان مغادرة خطاب "سوف نعمل" و"ندعو.." ، لم يعد الزمن يتحمل مزيداً من الاستذكاء والتعالي على الجمهور بخطابات بائسة والمرور البارد على آلام الناس ومعاناتهم والوعود الفارغة.. المواطنُ العراقي يريد أن تكون الكهرباء حاضرة وأن لا تصبح همّه الشاغل، ويريد مستشفيات توفّر له الرعاية الصحية، لا أن يدخل إليها يبحث عن الشفاء ويغادرها على سدية الموت، ومدارس لأطفاله تكون مراكز لِلتعليم لا مقرات تؤشر الفوضى والخراب في قطاع التربية، ويريد ضماناً لِلعيش بكرامة، وشوارع نظيفة وصالحة للسير فيها. ويبحث الشاب العراقي عن فرصة عمل تؤمّن له قوت يومه وضماناً لمستقبله، بدلاً من التفكير بمغامرة الهجرة بقوارب الموت. هذه الأمنيات ليست بالمستحيلة في بلد تبلغ وارداته 7 مليار دولار من عائدات النفط لشهر واحد في أواخر عام 2021، ولكن سوء الإدارة والفساد والمافيات السياسية تجعلها صعبة التحقق.

صحيح أن التحديات التي يواجها العراق في السنوات القادمة هي أشد خطراً كونها تستهدف الدولة وتحاول استلاب وظيفتها وسيادتها، لكنَّ طوال 18 عاماً تجاوزنا الكثير مِن التوقعات المتشائمة، والتي كان أخطرها انهيار العراق أمام تحدي الهجمات الإرهابية وجماعات داعش، وتفكك العراق بانفصال إقليم كردستان. بيد أن التحديات المستقبلية لم تعد بحاجة إلى توقعات ولا تشخيص وثرثرة سياسية، وإنما تحتاج إلى رجال دولة حقيقين يملكون رؤية ومشروعاً لإدارة الأزمات وليس مراهقين سياسيين ينحصر جلّ طموحهم بعنوان رئيس حكومة أو ووزير. 

يا ساسة العراق، نحن بحاجة إلى الشروع في نقاش جديد لا يقوم على استغفال الناس ومداعبة غرائزهم الوجدانية بحقوق المكونات والعودة إلى خطاب المظلومية، نقاش يبتعد عن ثنائية التشاؤم والتفاؤل واستعراض قدرات السادة الوزراء و"التكنوقراط" في استعراض المخاطر التي تحدق بالعراق، ويتواضع فيه "السياسيون المفكرون" وتجّار "القضايا الكبرى" ويقبلون الحديث حول الخطط والبرامج المستقبلية بالأرقام التي تحترم جداول التوقيتات الزمنية، بدلاً من ثرثرة "الخبراء" التي صدعت رؤوسنا بالتشاؤم ومِن دون طرح الحلول الواقعية التي تتلاءم مع خصوصية العراق. 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!