اقتحم أنصار ترامب مبنى الكابيتول في يناير 2020
اقتحم أنصار ترامب مبنى الكابيتول في يناير 2020

يصادف يوم الخميس، السادس من يناير الذكرى الأولى لاجتياح مبنى الكابيتول من قبل مئات المتطرفين والعنصريين المؤيدين للرئيس السابق دونالد ترامب، في أخطر تحد سافر للديمقراطية الأميركية ومفهوم الانتخابات النزيهة منذ الحرب الأهلية قبل أكثر من قرن ونصف.

وسوف ينظم الديمقراطيون وقفات احتجاجية يحملون فيها الشموع، بينما سيعقد ترامب مؤتمرا صحفيا في فندقه في مارا لاغو، فلوريدا حيث سيدافع عن أنصاره، ويكرر ادعاءاته و"الكذبة الكبرى" بأن الرئيس بايدن والديمقراطيين قد "سرقوا" منه الانتخابات.

وتأتي الذكرى الأولى على خلفية اقتراب لجنة التحقيق التي نظمها مجلس النواب في شهر يونيو الماضي، لتنظر في خلفية وملابسات وأبعاد الاجتياح، من البدء في وضع تقريرها وتنظيم جلسات استماع علنية. وكانت اللجنة قد حققت مع أكثر من 300 شخص وأصدرت أكثر من 40 شهادة استدعاء لأفراد معنيين بالاجتياح ومطالبتها – وحصولها – على آلاف الوثائق الرسمية وغير الرسمية بما فيها الرسائل الإلكترونية وسجلات الاتصالات الهاتفية بين مشرّعين جمهوريين والرئيس السابق ترامب، ومدير البيت الأبيض آنذاك مارك ميدوز، خلال الساعات التي جرى فيها الاجتياح. 

ولا تزال الاستقطابات السياسية والجروح الثقافية والاجتماعية التي أوصلت البلاد إلى ذلك اليوم العصيب قبل سنة، مفتوحة وعميقة كما كانت في ذلك اليوم البارد، لا بل يرى بعض المحللين أنها ازدادت عمقا وتعقيدا وهي مرشحة لتصعيد نوعي أخطر مع اقتراب معركة الانتخابات النصفية في شهر نوفمبر المقبل، التي يسعى ترامب إلى تحويلها إلى استفتاء حول مستقبله السياسي كمرشح محتمل لمنصب الرئاسة في 2024.

وخلال السنة الماضية نجح ترامب وقادة الحزب الجمهوري في معظم الولايات التي يسيطر الجمهوريون على مجالسها التشريعية المحلية إلى تعديل أو تغيير قوانين الانتخابات لصالح الجمهوريين من خلال إعادة رسم حدود المقاطعات الانتخابية، وخلق العقبات الإدارية والتنظيمية ضد مشاركة الشرائح الاجتماعية والأقليات التي تصوّت تقليديا للمرشحين الديمقراطيين. 

استطلاعات الرأي التي أجريت في الأيام والأسابيع الماضية رسمت صورة داكنة للانقسامات السياسية في المجتمع الأميركي ليس فقط حول مستقبل البلاد، بل حول هويتها وكيف تنظر إلى نفسها وإلى دورها في العالم. وأظهر استطلاع لصحيفة "واشنطن بوست" أن 34 بالمئة من جمهوريين ومستقلين يقولون إن استخدام العنف ضد الحكومة يمكن في بعض الحالات أن يكون مبررا، وهذه النسبة أعلى من كل النسب التي أظهرتها استطلاعات الرأي في العقدين الماضيين.

وفي استطلاع لشبكة التلفزيون "سي بي أس"، يرى 68 بالمئة من الأميركيين  أن اجتياح الكابيتول هو "مؤشر حول ازدياد العنف السياسي، وليس حدثا معزولا".

وهذا التقويم يعكس مخاوف العديد من الأميركيين الذين ينظرون بقلق إلى المعارك الانتخابية المقبلة والخطر المتزايد الذي تواجهه الديمقراطية الأميركية.

ويرى 12 بالمئة من الأميركيين أن على ترامب أن يعمل على استعادة منصبه الرئاسي الآن، وأن لا ينتظر إلى سنة 2024، ويدعو ثلث هؤلاء إلى استخدام القوة لتحقيق هذا الهدف.

صحيح أن هذا يعني الحديث عن بضعة ملايين أميركيين فقط، ولكن الذين اجتاحوا مبنى الكابيتول واستخدموا العنف وزعزعوا أسس الديمقراطية الأميركية كانوا أقلية عددية لم تتجاوز المئات. 

وحتى تسمية ما حدث لمبنى الكابيتول قبل سنة هو موضع خلاف عميق. وبينما يصف 85 بالمئة من الديموقراطيين اجتياح الكابيتول على أنه "عصيان" من قبل متمردين حاولوا "الإطاحة بالحكومة"، يصف 21 بالمئة فقط من الجمهوريين الاجتياح بأنه "عصيان"، كما ترى أكثرية من الجمهوريين (56 بالمئة) أن الذين اقتحموا الكابيتول كانوا مدفوعين بمشاعر "الدفاع عن الحرية"، بينما رأى 47 بالمئة منهم أن دافعهم الأساسي كان إيمانهم "بالوطنية".

وبينما رأى 59 بالمئة من الأميركيين أن دونالد ترامب كان مسؤولا بالدرجة الأولى أو إلى حد ما عن اجتياح الكابيتول، إلا أن استطلاعات الرأي تبين أيضا أن 59 بالمئة من الأميركيين وجهوا اللوم إلى وسائل الإعلام التقليدية، بينما رأى 66 بالمئة منهم أن المسؤولية تقع على وسائل الاتصال الاجتماعي، في مؤشر حول الأثر الكبير لوسائل الاتصال الاجتماعي على اتجاهات الناخب الأميركي. 

تبين معظم الدورات الانتخابية في العقود الاخيرة أن الحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض يخسر أول انتخابات نصفية يواجهها، وهذا "التقليد" والتغييرات التي فرضها الجمهوريون على القوانين الانتخابية في الولايات التي يسيطرون على مجالسها التشريعية، تفسر توقعات العديد من المراقبين باستعادة الحزب الجمهوري السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس وربما المجلسين معا في انتخابات نوفمبر المقبلة.

مثل هذا النجاح سوف يشجع دونالد ترامب على ترشيح نفسه مرة أخرى لمنصب الرئاسة. هذه الاحتمالات تفسر القلق العميق الذي يساور ليس فقط قادة الحزب الديمقراطي، ولكن أيضا جميع الأميركيين المعنيين بمستقبل النظام الديمقراطي الأميركي، الذي صمد، ولكن بصعوبة في وجه التحدي الخطير الذي فرضه ترامب وظاهرته السياسية على البلاد في السنوات الخمسة أو الستة السابقة. 

ويرى المتخوفون على مستقبل الديمقراطية في أميركا أن نجاح الجمهوريين في التشكيك بنزاهة وشرعية الانتخابات سوف يعمق أكثر من الشكوك الموجودة أصلا في أوساط عدد متزايد من الأميركيين بأن الديمقراطية ليست النظام الأمثل والأفضل للولايات المتحدة.

هذه النظرة المشككة بجوهر وجدوى النظام الديمقراطي تفسر الإعجاب المتزايد في أوساط الجمهوريين الأميركيين بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين "القوي" كما يصفه هؤلاء.

هؤلاء يصفون دونالد ترامب أيضا بأنه كان رئيسا "قويا" بعكس الرئيس بايدن، وقبله الرئيس الأسبق باراك اوباما. وكانت استطلاعات الرأي قبل القمة التي عقدها بايدن مع بوتين في الصيف الماضي قد أظهرت أن نسبة متزايدة من الجمهوريين – وأيضا في وسائل الإعلام المحافظة – تنظر بإيجابية إلى بوتين وإلى دور روسيا في العالم، وهذا الموقف يتناقض كليا مع مواقف الحكومات والقادة الجمهوريين في الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

هذا الإعجاب الجمهوري بالنموذج "الأوتوقراطي" للرئيس، يعود إلى حد كبير لتأثير ونفوذ ترامب على قاعدة الحزب الجمهوري مع ما يعنيه ذلك من تحد سياسي وفكري جدي لنظام الحزبين وللتبادل السلمي للسلطة في أعقاب انتخابات نزيهة وحرة. 

هذا بعض من التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة وهي تستحضر ذكرى اجتياح الكابيتول قبل سنة، وتنظر بقلق وتخوف إلى الانتخابات النصفية بعد أقل من سنة، وكأن أميركا تنظر إلى ماضي الأيام الآتية.       

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.