توترات على الحدود الأوكرانية الروسية
توترات على الحدود الأوكرانية الروسية

ما سبق الاتصالين الهاتفيين بين الرئيسين الأميركي جو بايدن، والروسي فلاديمير بوتين، وما أعلن من مواقف بعدهما، يجعل الرهان على الدبلوماسية الدولية في حل الأزمة الأوكرانية شبه مستحيل، فما طالبت به موسكو قبل الاتصال الأول بين الرئيسين تحول إلى مسودة رسمية أو شروط علنية بعد الاتصال الثاني، حيث من الصعب الفصل بين مطالبها السياسية وما تكشفه من نوايا عسكرية تمثل الخيار الأنسب لمجموعة القوة العسكرية والأمنية المعروفة "بالسيلافيكي".

صناع القرار الاستراتيجي في الكرملين أو مجموعة "السيلافيكي" التي فرضت إرادتها على مجموعة الأعمال والاقتصاد المعروفة "بالأوليغارشيا" في أزمة القرم، ولم تعر اهتماما للضغوط الاقتصادية وما تسببت به العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا على روسيا، تستعد الآن لتكرار ذات المغامرة مراهنة على ضعف الإرادة الأميركية الأوروبية في مواجهتها والاكتفاء بالعقوبات الاقتصادية والمالية من أجل زيادة الضغط على النظام الروسي.

في موسكو هناك من يرى أن المباحثات المفترضة الشهر الحالي مع واشنطن لن تصل إلى  الأهداف الروسية المرجوة، خصوصا أن هناك تحديا كبيرا سيواجه دول الناتو المتناقضة في موقفها والولايات المتحدة المترددة في كيفية التعاطي مع المطالب الروسية التي تحولت إلى شروط مسبقة، لذلك يتعزز الرهان على اعتبارات واشنطن الخاصة ومصالحها في علاقاتها مع موسكو بأنها لا ترغب خوض معركة كسر عظم معها من أجل كييف، لكنها لا تستطيع أن تعطي موسكو ما تريده او حتى تتوازن في الحل حتى لو كان هناك ليونة أوروبية؛ لأن هذا سيمس مبدأ علاقاتها مع حلفائها الجدد.

بالنسبة للنخب الروسية فإن الأزمة الأوكرانية فضحت التباينات الأوروبية الداخلية وقد تؤدي إلى زعزعة الثقة بين الدول الأوروبية الكبرى مثل (فرنسا وألمانيا) ذات العلاقة التاريخية مع الولايات المتحدة، والتي لها مصالح تجارية واقتصادية مع روسيا أيضا وهي تميل أكثر نحو التسوية وتراعي إلى حد معين مصالح روسيا، وبين  دول المعسكر الاشتراكي السابق التي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي والناتو بعد نهاية الحرب الباردة مثل دول البلطيق وبولندا وتشيكيا، التي تستفزها بعض الليونة الأوروبية مع موسكو وهي تمثل الآن التيار الأوروبي المتشدد تجاه أزمة أوكرانيا وقلقة من أي تراجع أميركي غربي لأن ذلك سيجبرها على مقاربة جديدة في علاقتها مع موسكو.

آلة الدعاية الروسية تركز على أزمة الغرب في التعاطي مع روسيا، وتظهر تخبطه في التعاطي مع موسكو وبأنه لم يعد قادر على إنكار الوقائع الجيواستراتيجية وعودة روسيا إلى فضائها السوفياتي وما يجبره على مراجعة توازنات ما بعد 1991، خصوصا أن روسيا تخيره ما بين المواجهة في أوكرانيا والعودة إلى توازنات ما بعد 1945، وبمعنى أخر أن موسكو تطمح إلى علاقة متوازنة كما كانت ما بعد الحرب العالمية الثانية تنهي مفاعيل هزيمتها في الحرب الباردة، وهذا ما يلخصه الباحث والكاتب السياسي الروسي "غيفورغ ميرزايان" بقوله "تكمن المشكلة في نفسية القادة الغربيين بالذات. فلا يمكن التوصل إلى حل وسط مع موسكو إلا إذا تخلت النخب الغربية عن منظور أيديولوجي يكررونه منذ 30 عاما، أنهم مع المساواة، ولكن أن يكون للبعض أفضلية في هذه المساواة".

من هنا ينطلق موقف التشكيك لبعض مراكز القوة في روسيا من منطق أن هذه المفاوضات إضاعة للوقت وأن لا مسار النورماندي ولا اتفاقية مينسك ولا المفاوضات الثنائية مع واشنطن بعيدا عن الأوروبيين ستحمي حدود روسيا وتردع الناتو، لذلك يبقى الرهان على القوة التي من خلالها ستجبر الأعداء على التراجع مهما كبرت الخسائر الجانبية، وستكشف مدى حماية واشنطن لحلفائها القدامى والجدد.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.