وزير الثقافة المصري السابق جابر عصفور
يحتل الهَمُّ/ الاهتمام التنويري محورا مركزيا في نشاط جابر عصفور الكتابي والإداري.

لم يَشأ عام 2021 توديعنا إلا بفاجعة ثقافية من نوعٍ خاص. ففي صباح يوم الجمعة 31 ديسمبر 2021 تناقلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل نبأ وفاة الناقد والمثقف العربي الكبير/ د. جابر عصفور؛ بعد أن "ملأ الدنيا وشغل الناس" لأكثر من ثلاثة عقود من الاشتغال الثقافي التنويري، المتواصل على مستويين مُتَكاملين: مستوى الكتابة والتدريس وإلقاء المحاضرات والمشاركة في الندوات والمؤتمرات، ومستوى الإدارة والاستشارة والإشراف على مؤسسات ثقافية فاعلة، بعضها تحوّل على يديه إلى مركز إشعاع ثقافي على امتداد العالم العربي.

مهما كان الرحيل مُتَوقَّعا، مهما كانت نهاية العمر تُخَاتِل أولئك الذين وصلوا المحطات الأخيرة من رحلة العمر؛ بعدما أصبحوا أنْضَاء سَفرٍ نِضالي طويل؛ فالصدمة برحيلهم مُرْبِكة بقدر ما هي مُوجِعة، على اعتبار أنها تحكي ـ لا شعوريا ـ الصدمةَ بتهاوي وَهْم الخلود. فالمبدعون الكبار، العظماء ـ في أي مجال ـ يمنحونك وَهْما ـ على مستوى اللاّشعور ـ بأنهم حاضرون بقوة، الآن وهنا، وسيبقون كذلك؛ حتى وإن كنت ـ على مستوى الشعور الواعي ـ تعرف أن الإنسان ـ أيا كان هذا الإنسان ـ مجرد وَهْمٍ عابر على صفحات هذه الحياة العابرة.

لا أحد يمنحني وَهْمَ الخلود ويُسْكِرني بنشوته الكاذبة؛ كما يفعل كَهنةُ الأوراق والأقلام والمَحابِر. هؤلاء، هم وحدهم ـ في نظري وفي تصوري العميق ـ العظماء بحق، هم الخالدون أبدا؛ لا من حيث أنهم كذلك فعلا، وإنما من حيث أنهم ـ افتراضا بطعم اليقين ـ لا بد أن يكونوا كذلك فعلا، لا خلودا على مستوى الورق والكَلِم المسطور فحسب، وإنما ـ أيضا ـ استتباعا تناسبيا لخلودٍ نابضٍ بأقصى طاقات الحياة على مستوى الروح والجسد والفعل الخَلاّق.

لا أنكر أنني مُنْحَاز ـ بأقصى درجات الانحياز الذاتي/ الوجداني ـ إلى هؤلاء المُتَرَهِّبين في محراب الكلمة المكتوبة. لا أحد يَعْدِلهم عندي ولا يَكاد؛ كائنا مَن كان. هُم ـ مع كل ما يَشوبهم مُدَنّسات ـ كائناتٌ مُقدّسة، لها الحق الأصيل في الاحترام وفي الاعتراف بالفضل قبل أي أحد، وبعد أي أحد، وربما ـ أحيانا ـ دون أحد. فجيعتي بهم لا تُشْبِهُها فَجيعة؛ ألمًا، وذكرى، وتَحسّرًا على ما فات من إنجاز/إبداع طواه الموت في رحم الغيب. ولهذا، إذْ يرحل المشاهيرُ من كل صنف ونوع، ومن كل الحقول، يبقى رحيلُ رهبان العلم/ المعرفة هو الذي يهزّني من الأعماق. 

هذا ليس مجرد اصطفاف مِهني مع شركاء الحقل الثقافي، بل هو تقدير موضوعي ـ رغم تحيّزاته الذاتية ! ـ لهؤلاء الذين منحوا الكلمات المقدسة الخالدة رحيقَ حياتهم؛ دون مقابل حياتي/ مادي مباشر. وما إطلاقي عليهم صفة " المُتَرَهِّبين " إلا لأنهم الأحق بهذه الصفة من كل أحد؛ حتى من رهبان الدين. فإذا كان رهبان الدين قد اعتزلوا الدنيا بملذّاتها تزَهّدا، فإنهم ـ على الأقل ـ قد احتفظوا لأنفسهم بمسافة فاصلة عن المجتمع، مسافة لا تحرمهم؛ بقدر ما تمنحهم الكثيرَ من السلام، كما تمنحهم الكثير، بل الكثير جدا، من الراحة والحياة الهادئة. بينما رهبان الكلمة/ رهبان الثقافة (وبالطبع، أقصد: المثقفين الحقيقيين الكبار، الرهبان بحق، وليس كل من ادّعى هذه الصفة "الثقافة" أو ادّعِيت له) عاشوا الحياة مترهّبين، لا على سبيل الانكفاء (كما هو حال رهبان الدين)، وإنما على سبيل التشارك والبذل/ العطاء في حدّه الأقصى، أي البذل اسْتِنفَادا للجهد المُستنزِف بأقصى طاقته ، والبذل وُقوفًا على حافة الخطر، أو وقوعًا في الخطر؛ حال الاضطلاع بمهمة التغيير على سبيل التنوير. 

إن بذل الجهد المُستنزِف في القراءة والكتابة، وفي تفعيل المؤسسات الثقافية لتنهض بدورها التنويري الحاسم، يحتاج لتضحيات استثنائية. كما أن الوقوف حال الاضطلاع بكل ذلك على حافة الخطر، يحتاج أيضا لتضحيات استثنائية، تضحيات قد تكون الحياة ذاتها واسطة عقدها. فالكتابة عن التنوير وفي التنوير، وخاصة في الأزمنة الصعبة التي شهدت صعود الأصوليات الدينية وهيمنتها على المشهد في العالم العربي، يحتاج لـ"فدائي ثقافي"؛ بقدر ما يحتاج ـ كضرورة معرفية ـ لـ"راهب ثقافي".

الراحل/ جابر عصفور من هذا النوع النادر من المثقفين الاستثنائيين؛ سعةً في الاطلاع، وبذلًا للجهد، ووقوفا على حافة الخطر. إنه استمرار للتقليد التنويري الذي أرسى معالِمَه رائدُ التنوير الأكبر في العالم العربي/ طه حسين. وفي تقديري، لم تُنجب مصر بعد طه حسين من اضطلع بذلك الدور "الطه حسيني"؛ إلا مؤخرا؛ عندما ظهر جابر عصفور فاعلا ثقافيا تنويريا بداية الثمانينيات، وترسّخ دوره التنويري هذا منتصفَ التسعينيات من القرن الميلادي المنصرم.  

يحتل الهَمُّ/ الاهتمام التنويري محورا مركزيا في نشاط جابر عصفور الكتابي والإداري/ المؤسساتي. فهو منذ بداياته الأولى التي افتتحها بالدراسات الأدبية والنقدية الأكاديمية بحكم التخصص، انحاز إلى التنوير ممثلا في الاهتمام بدراسة رمزه الأكبر/ طه حسين. فظهرت دراسته المُوسّعة عن طه حسين بداية الثمانينيات بعنوان (المرايا المتجاورة، دراسة في نقد طه حسين)، ومن ثَمَّ عَقَد وشارك في عددٍ من المؤتمرات والندوات والدوريات عن تراث طه حسين. 

وعلى الرغم من أن جابر عصفور ناقد أدبي بحكم التخصص الأكاديمي، وعلى الرغم من أن اهتمامه النقدي/ الأدبي الخالص لم ينقطع حتى السنوات الأخيرة من حياته، وعلى الرغم من تميزه اللافت في هذا المجال، إلا أن إلحاح المسألة التنويرية جعله ـ وبالدرجة الأولى ـ مثقفا تنويريا موسوعيا قبل أن يكون ناقدا أدبيا. وهذا ما تدل عليه عناوين كتبه التي جمع فيها ما كان ينشره في الدوريات والصحف على امتداد أربعة عقود. فمن أشهر كتبه في هذا المجال: "محنة التنوير"، "دفاعاً عن التنوير"، "هوامش على دفاتر التنوير"، "أنوار العقل"، "ضد التعصب"، "نقد ثقافة التخلف"، "الرواية والاستنارة"، "للتنوير والدولة المدنية"، "الرهان على المستقل"، "نحو ثقافة مغايرة"، "مواجهة الإرهاب"...إلخ. فهو حتى عندما يكتب عن الأدب والأدباء يستحضر الهم التنويري كمسار عام للاشتغال.

لقد كان جابر عصفور من المؤمنين بالانفتاح الثقافي إلى أقصى مدى؛ رغم كونه مثقفا تراثيا بامتياز. فالبدايات الأولى له أكاديميا ـ رسالتي الماجستير والدكتوراه ـ كانت من داخل الحقل التراثي ("الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي" و "مفهوم الشعر: دراسة في التراث النقدي"). وهو وإن استمر مشتغلا بالتراث؛ إلا أن اشتغاله به لم يكن انغلاقا عليه، بل استثمارا حداثيا له، وتأصيلا هُويَّاتيًا لإمكانية التواصل التفاعلي مع الآخر؛ ليكون تواصلا إبداعيا خلاّقًا يُنتج/ يُبدع الجديدَ، عوضَ أن يستبدل التقليد التراثي بتقليد آخر.

لهذا، عندما تولى منصب "الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة" بمصر عام 1993 واستمر فيه حتى عام 2007 (= 14 سنة)، كان قادرا على التواصل مع كل أطياف الثقافة، لا في مصر وحدها، بل في العالم العربي من محيطه إلى خليجه. فلو أنه كان حداثيا فقط، أو ـ بتعبير أدق ـ حداثيا مَحدودا/ محصورا (لأن الحداثي بحق هو تراثي بالضرورة)، لما استطاع التواصل مع قطاعات كبيرة من الباحثين. وكذلك لو كان تراثيا صِرْفًا لَتَعَذَّر تَواصُله مع أهم مُحَرِّكي الثقافة في العالم العربي. لكن، ولأنه كان مثقفا متعدد الأبعاد، ومتنوع الاهتمامات، استطاع استقطاب أهم الفاعلين الثقافيين في العالم العربي للمشاركة في المؤتمرات والندوات والإصدارات المطبوعة في مصر، كما كان قادرا على الاستجابة للدعوات التي تَطلب منه المشاركةَ في كل أقطار العالم العربي. وكل ذلك التفاعل الحيوي، استضافة وضيافة، نابع من إيمانه بأن الثقافة العربية مهما تنوعت ثقافيا وتباينت جغرافيا، فهي ـ بحكم وحدة اللغة و وحدة المرجعية التراثية ـ ذات قَدَر واحد/ مصير واحد.

وحقا؛ لم تكن الثقافة الموسوعية المتنوعة هي وحدها ما كَفَلت لعصفور هذا التواصل الحيوي مع المثقفين العرب ومع المؤسسات الثقافية العربية، وإنما أيضا تلك المميزات الأخلاقية ذات الأفق الإنساني. فالتواصل الإنساني المُضَمَّخ بالاحترام والتقدير كان حاضرا على الدوام في مسيرة حراكه الثقافي، بشهادة كلُّ الذين تعاموا معه من مصريين وغير مصريين. وهي أخلاق إنسانية تواصلية رافقته منذ بدايات انخراطه في المشهد الأدبي/ الثقافي. وأذكر عندما كنت أقرأ عن حياة وشعر الشاعر المصري/ أمل دنقل، وعن مأساة مرضه الذي أودى بحياته، أنني وجدت المثقف والناقد/ عصفور حاضرا مع دنقل كرفيق، بل ولفت انتباهي أن دنقل كان يوصيه بما يود أن تكون عليه جنازته بعد موته، وكأنه أحد أفراد عائلته المقربين، بينما عصفور لم يكن آنذاك إلا ناقدا أدبيا لامعا واعدا في منتصف الثلاثينيات من عمره تقريبا. 

إنك عندما تقرأ مسيرة جابر عصفور الثقافية تُدرك الفرق الكبير بين مثقف ومثقف، تُدرك الأثر الكبيرَ الذي يُمكن أن يُحْدثه منصبٌ ثقافي ما، إذا تولّاه مثقفٌ موسوعي مهمومٌ ـ حَدَّ الهوس ـ بالثقافة وشجونها، تدرك أن المثقف (المثقف الذي يستحق هذه الصفة) يُمكن أن يُحدث متغيراتٍ كبيرة في مجريات الثقافة، وأن تطبع على يديه آلاف الكتب وتترجم الآلاف، وتفتتح عشرات الحقول الثقافية البِكر؛ بعد أن كانت مستنقعات آسنة، تدرك أن المثقفين كثير، ولكن ـ كما قال ابن دريد قديما ـ: "والـناسُ ألـفٌ مـنهم كَـواحِدٍ  * وَوَاحِـدٌ كـالألف إنْ أمْرٌ عَنى". وقد كان عصفور ـ في مساره الثقافي التنويري ـ واحدا كالألف من المثقفين؛ فضلا عن غيرهم من المتمسحين بالثقافة والمثقفين.  

على أي حال، الكلام عن عصفور يطول، ولا يوفيه حقه مقال، بل ولا كتاب، ولو أننا بدأنا باستعراض دوره الريادي منذ إنشاء مجلة "فصول" التي كانت حدثا استثنائيا في مسيرة النقد الأدبي والدراسات الثقافية، وما تلاها من إصدارات شارك فيها بصور شتى، ثم دوره المحوري في المجلس الأعلى للثقافة بكل فروعه، فضلا عن مؤلفاته، لاحتجنا لعدة مؤلفات متخصصة، كل منها في مجال. 

لكن، ربما يختصر كل ذلك ـ على سبيل الإجمال ـ تغريدةُ الناقد الأدبي الكبير/ د. صالح زيّاد التي نعى بها عصفور قائلا: "رحم الله #جابر_عصفور الناقد والأكاديمي الذي أثرى بمؤلفاته الثرة وعي الدارسين، وفَتَح مسارات وجبهات فكرية ومنهجية عديدة. والدارسون الذين قرأوا جابر عصفور بالجدية التي يتطلبها، لابد أن يزهدوا في الادعاء والسطحية والثرثرة والتجميع واللغة الفقيرة…ولابد أن يتواضعوا". وبلا شك، الجملة الأخيرة أشد ما تكون دلالة على الواقع/ الواقع الثقافي، كما هي دالة على استثنائية جابر عصفور كحالة ثقافية، فقراءة عصفور تحتاج لمستوى من الجديّة التي تستعصي على كثيرين، كما أنها ترفع سقف الطموح الثقافي المنشود إلى ما يتجاوز الوضع الثقافي البائس. 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.