العراق-تظاهرات
مشهد من تظاهرات سياسية في العراق انطلقت منذ عام 2019

قبل عدة أسابيع، توفي أحد أعمام كاتب هذه السطور، كان في العقد التاسع من عُمره. طوال أيام مجلس العزاء، كان عدد من رفاق الراحل من أعضاء الحزب الشيوعي السوري الأكثر حزنا على الإطلاق، كانوا يستعيدون أحداثا وذكريات ومآسي كثيرة كانت جمعتهم في العمل السياسي مع الراحل، من المواجهات التي خاضوها كـ"قبضايات المُدن" في مؤازرة فلاحي القرى في مواجهة زعماء العشائر وكبار الملاكين، إلى معاندتهم للملالي وشيوخ الطرق الدينية في اللمات الاجتماعية الكبرى، وصولا للصمود سوية في مواجهة سجون عبد الناصر وما تلاها من أنظمة حكمت سوريا في عقد الستينات، وليس انتهاء بمغادرة الحزب الشيوعي في نهاية السبعينات، وما عانوه في محاولتهم لتأسيس أحزاب أخرى بديلة، بعد خضوع الحزب الشيوعي لشروط حزب البعث ونظام حافظ الأسد. 

لم يكن أي من الرواة في ذلك المشهد دون السبعين من عمره، فيما كان المستمعون الأصغر سنا مندهشين لتلك المرويات، إذ بالنسبة لهؤلاء الأخيرين: كيف لهؤلاء الأناس المنحدرين من أديان وجماعات وطوائف ومرجعيات اجتماعية مختلفة، كيف لهم أن يعملوا سوية بهذا التراص وتلك المثابرة، موزعين على مستويات متينة من الانتظام، ويسعون سوية لتحقيق ما يعتبرونا أهدافا سامية عُليا مشتركة، أهدافا قد لا يحققوا منها إلا جزء يسيرا طوال حيواتهم. 

الأجيال الأصغر سنا هؤلاء، يملكون من القضايا والمنغصات وأشكال الخراب والقسوة في مختلف مستويات حياتهم أضعاف ما كانت عليه الأحوال العامة في العقود السابقة، زمن هؤلاء الأكبر عُمرا بعقود. لكنهم مع ذلك لا يملكون أية مؤسسات للعمل الجماعي، ذات تراتبية تنظيمية وأعراف داخلية ورؤى عقلية ورموز وجدانية، يستطيعون من خلال مواجهة ما يعترض حياتهم المشتركة من تحديات، تلك التي لا يُمكن مواجهتها إلا بشكل جمعي. 

فما كان متوفرا بزخم شديد منذ أربعينات القرن المنصر وحتى أواخر السبعينات منه، تناثر بالتقادم حتى أصبح مُفتقدا تماما. فاليوم، وفي مختلف دول المنطقة، يبدو الفضاء العام خاليا تماما من أية أحزاب السياسية أو اتحادات مهنية أو اتحادات حرفية أو نقابات قطاعية، أو أي شكل آخر للعمل الجمعي المُنتظم، يستطيع المنخرطون والمنتمون إليه تحقيق آمل أو برامج مشتركة. 

تبدو تلك الظاهرة منتشرة تفصيلا في كل أشكال الحياة السياسية والعامة لبلدان منطقتنا، بحيث يُمكن الاستدلال عليها بعدد لا نهائي من الأمثلة والنماذج التي لا تنتهي. 

ففي الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة مثلا، لم يحصل أي حزب سياسي منظم على مقاعد برلمانية تُذكر. فالتيار الصدري والحزب الديمقراطي الكُردستاني زعامتان عائليتان مكرستان في مناطق نفوذهما، وباقي التنظيمات الشيعية الفائزة هي فقط واجهات سياسية لاجنحة مُسلحة واستطالات اقتصادية في المشهد العراقي، أما التياران السُنيان الفائزان فهما تفصيلا مجموع نجاح رجلي أعمال يملكان علاقات زبائنية مع دولتين خليجيتين. 

في لبنان ليس من أي حزب أو تنظيم عمومي غير قائم على عصبية طائفية هوياتية، إذ لا يؤمن ولا يستطيع أي من المنخرطين في هذه التشكيلات التنظيمية أن يعمل أو حتى يتضامن مع شخص آخر يملك قضية أو مأساة مشتركة، ما لم يكن واحدا من أعضاء عصبيته الطائفية تلك. صحيح أن لبنان على الدوام كان به شيء من ذلك، لكن دوما كان ثمة إلى جانب ذلك تنظيمات سياسية ومهنية وقطاعية عابرة لتلك العصبيات، وتستطيع أن تجمع أناس مختلفين للدفاع والعمل على قضية واحدة، لكنها راهنا خلاء تماما من ذلك. 

في مصر، ثمة مئة مليون مواطن من دون أي تنظيم ذو مضمون ودور، في سوريا يفشل ملايين المعذبين من العثور على أية أداة للعمل المشترك للتعامل مع أشكال الوحشية التي تداهم حياتهم، في الجزائر حدثت ثورة عارمة، لم تستطع أن تفرز تيارا أو تنظيما عموميا واحدا، وهكذا تقريبا في كُل مكان. 

صحيح أن هذه الظاهرة ذات أبعاد عالمية، ففي كل بقعة من العالم ثمة تراجع لأدوار وتأثيرات القوى والتنظيمات السياسية والقطاعية على الحياة العامة، لكنها في منطقتنا أشد ضراوة بما لا يُقاس. 

فالحياة السياسية والشؤون العامة في البلدان الديمقراطية هي أقرب ما تكون لنشاط نخبوي اختصاصي، لا تحتاج إلى الكثير من روح التآزر والتضامن الداخلية لإنجاز موضوعة ما. إلى جانب الدور الفعال الذي تلعبها المؤسسات الراسخة نيابة عن التنظيمات. هذه التفاصيل غير المتوفرة بأي شكل في بلداننا، وتاليا تنهار أية إمكانية لمراكمة الفاعلية الجمعية في مواجهة التحديات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. 

عوامل عدة ساعدت في الوصول إلى هذه النقطة من فقدان الثقة والقابلية للولاء والانخراط في هذه التنظيمات العمومية، السياسية والمهنية والقطاعية على حد سواء. 

فما كان موجودا في خمسينات وستينات القرن المنصرم كانت نتيجة انعكاسية لشكل الحياة العامة وقتئذ، مزيج من الحريات العامة والآمال العالية في مرحلة ما بعد الحقبة الاستعمارية ونهاية الحرب العالمية الأولى، حيث كان الفضاء العام تواقا لصناعة مجالات وطنية حداثوية أكثر رحابة. 

طرأ تغير جذري على ذلك في أوائل العهود الانقلابية، إذ مع التجربة الناصرية وما شابهها في البلدان الأخرى، صارت بنية الأحزاب وباقي التنظيمات أشبه ما تكون بـ"الأجهزة"، تنفذ للسلطات الحاكمة مجموعة من المتطلبات، من ضبط سياسي وربط عقائدي للملايين من المنخرطين فيها لصالح الحاكمين، مرورا بالتحول إلى عيون رقابة بوليسية على كامل القواعد الاجتماعية، وليس انتهاء بممارستها لطقوس احتفال حاشدة لصالح الحاكمين. 

في ذلك المناخ، اختفت المسافة المفترضة بين الأحزاب السياسية والتنظيمات المهنية والقطاعية من طرف، وبين الأجهزة الأمنية والعسكرية من طرف آخر، حتى أن انتماء شخص ما لحزب سياسي، إنما كان أشبه بـ"وصمة" في الأوساط الاجتماعي. وقد ترافق ذلك مع تحطيم كافة الأحزاب التي رفضت أن تتحول إلى أجهزة تابعة لرأس الحُكم، حيث تكفلت الأحكام العُرفية المديدة والسجون التي كانت مزدحمة بمعتقلين قضوا عشرات السنوات من أعمارهم من دون أية محاكمات بذلك. 

أفقدت تلك السيرة من نكوص صورة وحقيقة التنظيمات السياسية ثقة الناس بإمكانية تحقيق أي حزب أو تنظيم لأية قضية عامة، إذا غدت هذه التشكيلات في الضمير العام ربيبة للأنظمة ومختلف أشكال السُلطات الحاكمة والمهيمنة، وفي مواجهة المجتمعات، وحيث أنه من المفترض أن يكون العكس تماماً هو هوية الأحزاب والتنظيمات. 

أخيرا، فأن تلاشي التنظيمات بكل أنواعها هو واحد من النتائج الجانبية لهذا التهافت الكلي نحو العزلة والفردانية بسبب وسائل التواصل الاجتماعية وكثافة المُتع المُقدمة بشكل فردي، فالناس صاروا ذوو خبرات وقدرات اجتماعية أقل، حيث اختفت تقريبا مختلف أشكال الفضاءات الاجتماعية الفيزيائية الحقيقية، بعدما صار كُل شيء قابلا لأن يكون افتراضيا، بما في ذلك العلاقات العاطفية ومجالات العمل وأشكال التضامن وطرائق التعبير.

في ظلال هذه النمط التواصل، يغدو شخص/يوتيوبر أكثر جاذبية ومتابعة من زعيم سياسي، ويأخذ مقطع مصور واحد من الاهتمام أكثر مما قد يحظى به برنامج حزب سياسي كبير، وهكذا. 

فعلت وتسببت الأحزاب السياسية بالكثير من المآسي في منطقتنا، فالكثير منها كانت محملة بأيديولوجيات شمولية وغالبها كان ذا نزعة إقصائية وغير قليل منها شرعت الحروب وأشكال العنف. لكنها، ومع كل ذلك، كانت الفاعل الأكثر أهمية بما حققته المجتمعات من تغيرات، منذ زمن السلطان العثماني عبد الحميد وحتى الآن. وغيابها سيمسح بحدوث كل المآسي المتوقعة، ودون أي إمكانية لتطوير أو تغيير أي شيء.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!