احتفالات العام الجديد 2022 في دبي
احتفالات العام الجديد 2022 في دبي

(لكنها تدور..).
عبارة تم نسبتها إلى غاليليو غالي، العالم الإيطالي الذي أكد "علميا" دوران الأرض حول الشمس، مخالفا السائد في زمانه بأن الأرض هي مركز الكون!
العبارة قالها الرجل بعد محاكمته وإدانته وإجباره على سحب قناعاته العلمية فتمتم بعد ذلك بتلك العبارة التي يؤكد فيها أن الأرض تدور حول الشمس.

هذا الدوران هو الذي نسميه مع كل اكتمال له برأس السنة، لنودع سنة ونستقبل عاما جديدا في تقويمنا الميلادي.

الدوران تحصيل حاصل في سياق حركة كونية أكبر بكثير من مجموعتنا الشمسية كلها، لكننا بشر في النهاية، ونتميز عن باقي المخلوقات "التي نعرفها" بأننا محملون بالأمنيات، ومحكومون دوما بالأمل.

ولعل أكثر أمنية رومانسية متكررة كل عام عند بني البشر، هو أن يعم السلام في عالمنا!! لكننا كبشر أيضا ننسى أن الدوران المستمر للأرض حول الشمس وكل تلك الحركة الكونية ليس لها أي علاقة بسلامنا "العالمي" فنحن - كبشر- من نصنع أزماتنا وحروبنا وكوارثنا.

من وجهة نظر الطبيعة، فلا فرق بين كوكبنا الساخن بأحداثنا وكوكب غير مأهول وبارد مثل المشتري، ورأس السنة الميلادية تقويم زمني وضعناه ضمن عدة فهارس تقويمية للقياس حسب معاييرنا نحن لا معايير الكون.
--
في السياسة، يتمنى الجميع - حتى بعض السياسيين- عاما مليئا بالحلول الجديدة ليعم ذلك السلام الذي نبحث عنه منذ أول حرب في التاريخ! 

في بقعة تم تسميتها بالشرق الأوسط، وهو شرق أخذ موقعه الأوسط على كوكب كروي حسب رؤية بشرية في المقاييس، وفي تلك البقعة هناك إعادة نظر جديدة بمقاييس بشرية أيضا بأن التسمية يجب أن تتغير إلى "شرق المتوسط"، نسبة إلى بحر تم تسميته بلون أبيض وتوسيطه بين بحار الكوكب الكروي ذاته.

في تلك البقعة "شرق المتوسط" أو أوسط الشرق، تتوالد الأزمات منذ بداية التاريخ البشري المعروف، كما توالدت الآلهة التي يفترض أنها خلقت الكون الأكبر كله، والمفارقة انها آلهة متنازع عليها، وتتنازع فيما بينها لإثبات حضورها السيادي وأيضا ضمن مقاييس بشرية بحتة.

لقد تم ابتكار "المقدس" أول مرة في تلك البقعة.

واليوم، مع رحيل عام ٢٠٢١، ودخولنا بالتقويم الذي ابتكرناه بمقاييسنا إلى عام ٢٠٢٢، لا نزال نحمل مع تلك الأرقام المفهرسة والمجدولة بنظام حسابي مدهش أمنياتنا بسلام يعم المنطقة.

عام ٢٠٢٢ افتراض مجدول لتنظيم الزمن، ولا يملك حاسة السمع ولا الإدراك، لكن الجيد أن أمنياتنا تحمل إرادة ما "بالحد الأدنى" بالتغيير، وهي إرادة متكررة مع كل دورة شمسية في نظام كوني لا يتدخل بكل حماقاتنا الإنسانية.

في شرق المتوسط - قيد التشكيل- انتهت البشرية من استخدام النفط، ودخلت عصر ثورة تكنولوجيا المعلومات، واكتشفت أنها قادرة على تطويع الغاز كطاقة بديلة عن النفط، غير أنواع ومصادر أخرى لطاقة متجددة من بينها الشمس، التي ندور حولها بانتظام.

في شرق المتوسط، ومع بداية دورة شمسية جديدة، تعيد العلاقات الدولية إعادة تموضعها من جديد حسب معطيات الغاز والثورة المعلوماتية، مما يعني إعادة رؤية للأزمات من زوايا جديدة مختلفة عن كل ما سبق فيما كنا نعرفه بالشرق الأوسط.

حسنا، فلنضع الأمنيات على جدول أعمال حقيقي وعملي وواقعي، ولا بأس أن نستخدم مقاييس دوران الأرض حول الشمس كنقطة بداية جديدة لرؤى جديدة ونبحث عن حلول لعلنا نجد بعضا من السلام الذي لم نجده يوما في كوكبنا عموما وفي ذلك الشرق البائس حيث توالدت الآلهة وتناسلت المقدسات.

نحن أمام استحقاقات متراكمة من الحلول التي وضعناها ولم تعش طويلا. هل يعقل ألا نجد حلا نهائيا على الأقل في ذلك المشرق البائس وقد دخلنا عصرا خرافي التصديق في تكنولوجيا المعلومات.

لقد تلقت البشرية في ذروة تقدمها العلمي والمعرفي الأخيرة صفعة مؤلمة عبر فيروس متناهي الصغر يتماهى مع عصر النانو الذي نعيشه، وقمنا بتسميته عدة تسميات : كورونا، كوفيد، دلتا، أوميكرون إلخ.

وهي تسميات لا يكترث لها الفيروس نفسه، لكنه موجود ويهدد كل البشرية التي تقاومه بالمعرفة والعلم.

أليس من العبث أن نستمر في تكرار التمنيات لعالم يعمه السلام ونطلق الألعاب النارية في خلفية المشهد ثم نعود بعد الاحتفال "بدوران الأرض حول الشمس" إلى ارتكاب كل حماقاتنا ونخلق لها المبررات "المقدسة" و "الوطنية".

ببساطة..ورغم كل شيء: فهي لا تزال تدور.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.