تعامل الأجهزة الأمنية السودانية مع المعتقلين كثيرا ما يثير الاعتراضات الحقوقية - أرشيفية
"هذه الرؤية الأميركية يجب أن تتطور وفقا للتطورات التي شهدتها الساحة السياسية بعد الانقلاب العسكري"

يمرُّ المشهد السياسي السوداني بتعقيدات غير مسبوقة في أعقاب الانقلاب العسكري الذي قام به قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، في 25 أكتوبر الماضي، وأطاح فيه بالإعلان الدستوري الذي يحكم الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام الطاغية المخلوع الجنرال، عمر البشير، في 11 أبريل 2019. 

وكان رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، قد استعاد منصبه بعد أن تم حل حكومته من قبل قادة الانقلاب، وذلك في أعقاب توقيعه اتفاقا ثنائيا مع قائد الجيش، في 21 نوفمبر 2021، استبعد منه الحاضنة السياسية التي أتت به للمنصب (قوى الحرية والتغيير), وقد وجد الاتفاق رفضا كاسحا من قبل قوى الثورة التي استمرت في المطالبة بإسقاط الانقلاب. 

ومع تواصل الحشد الثوري والمواكب الرافضة للانقلاب وما أسفر عنه من قرارات، أعلن حمدوك في خطاب وجهه للشعب السوداني، في 2 يناير الجاري، استقالته من منصب رئيس الوزراء، وهو الأمر الذي يعني عمليا انتهاء الاتفاق الثنائي الذي وقعه مع قائد الجيش. 

قد وضعت استقالة حمدوك الجيش أمام خيارين، أولهما المضي قدما في تثبيت أركان الانقلاب عبر تعيين رئيس وزراء جديد وتشكيل وزارة من طرف واحد دون مراعاة للرفض الشعبي أو الدولي، مما يعني عودة البلد لمربع الحكم الشمولي الكامل والعزلة الدولية، وثانيهما العمل على إيجاد حل ينبني على المطلب الشعبي بتشكيل سلطة انتقالية مدنية حقيقية.  

ومن نافلة القول إن العامل الأهم والحاسم في عملية إكمال أهداف الثورة السودانية و استعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي من جديد يستند على ضرورة ترجيح كفة ميزان القوة لصالح القوى الثورية المناهضة للانقلاب عبر مختلف أساليب العمل الجماهيري (البيئة الداخلية).  

وعلى الجانب الآخر، فإن دور المجتمع الدولي (البيئة الخارجية) يكتسب أهمية بائنة في عملية ترجيح كفة ميزان القوة لصالح أحد طرفي الصراع، المدنيين أو العسكريين. وتقف الولايات المتحدة الأميركية على رأس اللاعبين الدوليين الذين استثمروا في عملية الانتقال الديمقراطي منذ اندلاع الثورة في ديسمبر 2018. 

وعندما انخرط المدنيون والعسكريون في المفاوضات التي أعقبت سقوط الجنرال البشير، في أبريل 2019، عملت الولايات المتحدة على حشد الدعم  الإقليمي والدولي للمفاوضات وطالبت بضرورة وجود "حكومة يقودها مدنيون" اعتبرت أنها ستكون الطريقة المثلى لضمان الاستقرار والتحول المدني في البلد. 

ومن المعلوم أن تلك المفاوضات أثمرت عن اتفاق سياسي ووثيقة دستورية نشأت بموجبهما حكومة تنفيذية تخضع لرئيس الوزراء ومجلس سيادة يتناوب على رئاسته المدنيين والعسكريين وتم توصيف العلاقة بين الطرفين بأنها "شراكة" تهدف لإنجاز مهام المرحلة الانتقالية ووضع الأساس للتحول المدني الديمقراطي.  

وعندما أطاح قائد الجيش بالإعلان الدستوري رفضت الحكومة الأميركية الخطوة ووصفتها بأنها "استيلاء عسكري على السلطة" وأعلنت وقف مساعداتها المالية للحكومة الانتقالية, ثم أبدت ترحيبا حذرا بالاتفاق الثنائي باعتباره خطوة نحو استعادة مسار الانتقال السياسي يجب أن تتبعها خطوات أخرى. 

وبعد استقالة حمدوك قال مكتب الشؤون الأفريقية في الخارجية الأميركية إن "رئيس وزراء السودان القادم والحكومة يجب أن يتم تعيينهما وفقا للإعلان الدستوري", مما يعني استمرار الإدارة الأميركية في رؤيتها القائلة بضرورة وجود حكومة يقودها مدنيون ضمن الشراكة التي أقرها الإعلان الدستوري. 

هذه الرؤية الأميركية يجب أن تتطور وفقا للتطورات التي شهدتها الساحة السياسية بعد الانقلاب العسكري، ويقف على رأس تلك التطورات عدم صلاحية الوثيقة كأساس دستوري لإكمال مرحلة الانتقال، وهو الأمر الذي عكسه الحراك الثوري الواسع فضلاً عن انعدام الثقة الذي لا يسمح باستمرار الشراكة بين المكونين المدني والعسكري. 

قد التقطت مديرة برنامج أفريقيا في معهد السلام الأميركي، سوزان ستيجنت، في ورقتها الموسومة بـ "إعادة عملية الانتقال السياسي في السودان إلى مسارها الصحيح" المنشورة يوم 17 ديسمبر 2021، جوهر التطورات التي طرأت على العملية السياسية في السودان بعد الانقلاب العسكري عندما أكدت أنه "لا بد أن تتوافق الإجراءات التي تتخذها الولايات المتحدة في السودان مع أفكار التجديد الديمقراطي". 

إن التوصية المهمة التي أشارت إليها ستيجنت في ورقتها تتمثل في قولها إنه "يمكن للولايات المتحدة أن تتشارك مع الدول المجاورة والمنظمات متعددة الأطراف في التفاوض من أجل الخروج من الانقلاب وصياغة اتفاق على الدور المناسب للمؤسسة العسكرية". 

من الجلي أن ستيجنت تعني في إشارتها لضرورة "صياغة اتفاق على الدور المناسب للمؤسسة العسكرية" التغيرات التي طرأت على المشهد السياسي بعد الانقلاب والتي لم يعد فيها مفهوم الشراكة التي تضمنها الإعلان الدستوري مجديا، ولذا من الأسلم التفاوض على دور جديد للجيش في المشهد الحالي يسمح باستكمال المرحلة الانتقالية بحكومة مدنية حقيقية. 

قد أشار وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، في كلمته التي وجهها للشعب السوداني بمناسبة الذكرى 66 للاستقلال إلى أنه يتطلع للعمل مع السودان من أجل تحقيق "تحول ديمقراطي حقيقي يعكس رغبة الشعب" وهو الأمر الذي يعني إدراك الإدارة الأميركية لضرورة التفاوض حول اتفاق جديد يضع في الاعتبار مطالب الحراك الثوري بعد الانقلاب ويحدد دورا مناسبا للجيش في بقية الفترة الانتقالية.  

منذ سقوط الجنرال البشير في عام 2019، بدا واضحا أن الولايات المتحدة حريصة على مستقبل الانتقال المدني الديمقراطي حيث استثمرت كثيرا من الجهد السياسي والأموال والمساعدات الإنسانية من أجل تأكيد حضورها في البلد الذي غابت عنه طويلا، ولا شك أنها ستعمل على عدم ضياع تلك الجهود سدى وستنخرط بجدية في أي تفاوض يهدف إلى استعادة عملية الانتقال السياسي في السودان. 

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.