الامين العام لحزب الله حسن نصرالله اثناء القائه للكلمة
نصرالله دأب على مهاجمة الولايات المتحدة ودول عربية.

الصورة التي يقدّمها حسن نصر الله للواقع في لبنان وجواره وما يتعداه واضحة وسهلة. الولايات المتحدة هي أصل الشر هنا وهنالك وفي كل مكان. شرّ الاحتلال والتشريد والاستيطان، إسرائيل هي التي مارسته، إنما بتمكين ودعم ودفع من الولايات المتحدة. فإسرائيل هي الأداة، والولايات المتحدة هي المحرّك والموجّه وصاحب القرار. شرّ الإرهاب والتشدد والعمليات الانتحارية الفتاكة، السعودية هي التي اقترفته، إنما بتشغيل وأمر وإصرار من الولايات المتحدة. فالسعودية هي "الشغّيل"، وفق عبارته الازدرائية، والولايات المتحدة هي المشغِّل والفاعل والمسؤول.

نصر الله يقول إن الولايات المتحدة هي التي أنشأت "داعش"، وهي التي موّلتها وهي التي جنّدتها للاعتداء على العراق ثم سوريا. والولايات المتحدة هي التي قتلت مئات الآلاف في سوريا والعراق وأفغانستان، والحرب في اليمن هي حرب أميركية بالوكالة، ومن دفع إلى استفحال الأزمة التي يعيشها لبنان، ومن صادر الانتفاضة الشعبية في لبنان لاستهداف المقاومة هي الولايات المتحدة.

الولايات المتحدة هي العدو، وأدواتها، ولا سيما السعودية، هي من يحتجز اللبنانيين رهائن في محاولة بائسة للتعويض عن الانتصارات الجلية للمقاومة والخسائر المخزية للولايات المتحدة من أفغانستان إلى اليمن مروراً بالعراق وسوريا ولبنان وفلسطين.

كل تفصيل من هذا التوصيف التسطيحي قابل للتفنيد والتفكيك والنقض. ليس هذا هو الغرض هنا. بعض ملاحظات وحسب حول خطورة المنهج المعتمد والمأزق الناتج عنه.

يريد حسن نصر الله لكلامه، والذي يبتدئ هادئاً، أن يكون متوازناً موضوعياً أخلاقياً. ولكنه ينفي هذه السمات الثلاث تلقائياً من خلال تغييبه للسياقات، ومن خلال انتقائية أهوائية في سرده للوقائع، وفي إدراجه ما لا يمكن أن يجهل كذبه على أنه حقائق.

يعود نصر الله في كلمته فعلياً إلى مقولة "الشيطان الأكبر" والتي اجترحها الإمام الخميني لتبسيط الصيغة التعبوية، بما يختزل العداء بالولايات المتحدة، ويجعل من سائر العداوات ملحقات ثانوية. لدى نصر الله كما لدى الخميني، تضيع الاعتبارات الواقعية والتعقيدات في السياسة صياغة وأداء، لتحل محلّها توصيفات ملائكية خالية من الشوائب للذات، وأخرى شيطانية لا تحوي إلا الشوائب للعدو.

على أرض الواقع بطبيعة الحال، ليس ثمة ملائكة ولا شياطين، بل أطراف مختلفة تسعى إلى موازنة الخوف والطمع من جهة، والمصالح والمبادئ من جهة أخرى. كل طرف من شأنه أن يزعم النجاح الكامل لنفسه، فهو الأخلاقي المقسط العادل، وأن يرمي عدوه بمطلق الشر والفساد.

على أن المستهدف من مضاعفة الشيطنة للولايات المتحدة في كلمة نصر الله هذه لا يقتصر على القوة العظمى، بل يتعداها علناً إلى كل من يتجرأ أن يتواصل معها. فهي العدو بقرار من نصر الله، ومن الخبث أو الجهل أو الغباء مد اليد إليها. أي أن كلمة نصر الله هي إشعار بأن الخبثاء من شأنهم أن يأدبوا، والجهلة من شأنهم أن يعلّموا، والأغبياء من شأنهم أن يردعوا.

لا حاجة لتبرئة الولايات المتحدة من شيطنة نصر الله لها. ليس أن الولايات المتحدة لم ترتكب على مدى تاريخها التجاوزات الميدانية التنفيذية المخالفة لالتزاماتها الذاتية والدولية. وليس أنها لم تتخذ السياسات الخاطئة المتعارضة مع الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. ولا أن تصورّها لهذه الأهداف ينسجم دوماً مع مصالح الآخرين. غير أنه، عند التزام الموضوعية القائمة على المعطيات والسياقات، لا مجرد المزاعم البيانية الأهوائية، وإن مع تغليب الارتياب، فأن هذه التجاوزات والأخطاء والاختلافات، بمجموعها، تبقى ضمن هامش ضيّق ولا تنفي البتة الأسس المبدئية لسلوكيات القوة الأميركية، ولا الفوائد المتبادلة للولايات المتحدة وحلفائها وشركائها وأصدقائها فيما تنتهجه من سياسات، ولا إمكانية الخوض معها ومناقشتها بمواطن الخلاف والاختلاف سعياً إلى التوازن في المصالح.

وكذلك فإن هذه التجاوزات والأخطاء والاختلافات تبقى مادة للمساءلة والمراجعة والبحث وإعادة النظر في الولايات المتحدة نفسها، ونقدها والسعي إلى تصويبها هو واجب وطني في القناعة العامة، بل إن بروز الحديث عنها عائد أساساً إلى أنها بالفعل مطروحة على الملأ للتشخيص والتصحيح.

يغيب هذا الميزان عن كلمة نصر الله لصالح المبالغة والإفراط واستدعاء الاتهامات الجزافية لإقرار ضمني لمقولة "الشيطان الأكبر".

الشفافية في المساءلة، رغم التجاذب الدائم بين من يسعى إلى توسيعها ومن يعمل على تجنّبها، هي ما يميّز الدول ذات النظم التمثيلية الصادقة عن الدول الاستبدادية، والتي يريدها حسن نصر الله جهاراً نهاراً بديلاً للتعامل والتفاعل معها. حيث الاستبداد، تمنع المعلومة التي تتجرأ على نقد النظام ويعاقب من يتداولها. إيران نصر الله، وصينه وروسياه، ترتكب من المخازي ما شاءت وتطمسها، ويصمت حكماً عنها نصر الله. بل لا حاجة للخروج إلى هذه الدول.

نصر الله يصعّد ويرفع الصوت عند الحديث عن ضحايا سقطوا نتيجة اعتبارات سيئة وأخطاء من جانب الولايات المتحدة، ولكنه صامت صمت القبور إزاء مئات الآلاف الذي فتك بهم نظام حليفه في دمشق. بل المأساة السورية تمسي في التوصيف المستهتر لحسن نصر الله تجييشاً أميركياً لتنظيم متطرف بغية التضييق على محور المقاومة.

في كلام حسن نصر الله، ثمة قراءة انتقائية للتاريخ، حتى في مراحله القريبة التي يتذكرها الجميع. صاحب الكلام عن الأخلاق هنا هو أمين عام حزب مدان في محكمة دولية بقتل رئيس حكومة بلاده، والإدانة صريحة رغم التورية والتعمية التي أرادتها القيود الموضوعة على أصول المحاكمة. بل تستتبعها إدانات متعددة لسلسلة طويلة من الاغتيالات التي طالت خصوم هذا الحزب.

سبق لحسن نصر الله بأمسه أن عفا عن نفسه وحزبه، لاختطاف الصحافيين والأساتذة وغيرهم من الأجانب وأسرهم وتعذيبهم وقتل بعضهم ومقايضة البعض الآخر بالسلاح لصالح إيران، على اعتبار أن الأمر كان من مقتضيات مرحلة غابرة. وقد يأتي يوماً يتحدث به عن الاغتيالات التي بدّلت وجه لبنان على أنها بدورها صفحة قد طويت.

يعترض حسن نصر الله في كلمته على الأسلوب الترويجي الدعائي القائم على "أكذب، أكذب، أكذب، إلى أن يصدقك الناس". بالتأكيد فإنه في شيطنته المستمرة للولايات المتحدة صنفاً من هذا الأسلوب. على أنه يبدو أن التوجه الغالب في كلامه بشأن العديد من الأمور، من سجلّ حزبه إلى جرائم حليفه في دمشق ومرشده في طهران، هو أسلوب "اصمت، اصمت، اصمت عن الشناعات، إلى أن يتوهم الناس أن عدم الحديث عنها دليل على انعدام حدوثها".

على أنه، بناء على مواقف متكررة، مثل ذاك العفو الذاتي، لا حاجة لاتهام حسن نصر الله بالتدليس. بل ربما أن المسألة ليست تعمداً للصمت عن شناعات بقدر ما هو تقليل لمقدار الأذى وتغليب الحاجة إليه والفائدة منه. هل كان من الأفضل ألا تقدم قوات نظام دمشق على جرائمها من القتل والسحل والتعذيب والإذلال؟ من وجهة نظر حزب الله واعتزازه بمناقبيته، الجواب هو إلى حد ما بالإيجاب، والتحفظ عن مطلق الإيجاب هو لأنه لا يمكن إنكار التشفي الفئوي، وإن الخجول، في الانتقام من جماعات قامت الصورة الذاتية على استعدائها. هل تنفي هذه الممارسات التحالف مع النظام المجرم؟ من وجهة نظر حزب الله والتزامه بأولوية الغلبة لمحور المقاومة، الجواب هو طبعاً بالنفي.

كلمة حسن نصر الله تعبوية، الغرض العملي منها شدّ عزم الجمهور الذي يرى المبدئية في مواقف حزب الله، أو الذي ينتسب عضوياً وطائفياً إلى الحزب، أو الذي اعتنق عقد المحاباة الثابت مع شخص حسن نصر الله. لا يبدو حسن نصر الله لنفسه ولجمهوره متصنّعاً أو منافقاً، بل هو يخاطب مؤيديه من موقع الشهيد الحيّ الذي يعيش مبدئيته، متخفياً تحت الأرض، متحدياً القرار بقتله، متابعاً لتفاصيل الأمور، مقدّماً لها القراءات المنسجمة مع قناعاته.

في هذه القناعات، لا يتساوى الجميع على أساس إنسانيتهم وإن استدعيت العبارات المنسوبة إلى الأئمة لتأكيد خلاف ذلك. بل ثمة أرواح ثمينة يحتدّ الرجل عن الإشارة إليها، وثمة أرواح رخيصة جداً لا يشير إليها ابتداء. وثمة جمهور شريف، بل الأشرف، وثمة جماهير هي بالتالي دون ذلك. هي التراتبية التي تعتبر أن الأخلاق منّة، وإن منحها يتمّ بمجرد الكلام والإطراء على الذات لفعله. وفي هذه القناعات، ليس من يعترض، بل جمهور أمام الشاشة يرفع القبضة تأييداً. وليس من ينوّه، بل أقلام تزعم الفكر والثقافة تغدق على الرجل ما يرتقي به إلى ما يتجاوز القداسة.

الاستماع إلى كلمة نصر الله مؤلم. ليس لأن الرجل كاذب ومدلّس ومنافق كما قد يتهمه خصومه، بل لأنه، إذا صحّت القراءة، صادق مع ذاته ومخلص لجمهوره، ولأنه ومؤيديه على قناعة ناسخة لما خالفها بأنهم على الحق والمبدأ، وأن من خالفهم يعتنق الشر ويتبع الشرير. فإن عوقب، نال جزاء يستحقه، وإن أمهل عقابه، فهي منّة يستحق لها السيد التقدير.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.