حرب روسيا مع أوكرانيا قد يكون النزاع الأبرز في 2022
أزمة روسيا مع أوكرانيا قد تكون النزاع الأبرز في 2022

تشير أحداث عام 2021 إلى أن ثلاث قضايا تقف خلفها إيران وروسيا والصين ستشغل العالم خلال عام 2022، وأن الدول الثلاث ستتبع خلال هذا العام سياسة حافة الهاوية لتحقيق أهدافها مما قد يؤدي إلى تصعيد يصل إلى حد المواجهة العسكرية، فالحكومة الجديدة في إيران تتبع منذ وصولها إلى السلطة نهجا متشددا في مفاوضات الإتفاق النووي تظاهر في رفع درجة تخصيب اليورانيوم وتعطيل أجهزة المراقبة داخل المنشآت النووية والعمل على إضاعة الوقت والمماطلة في المفاوضات لتطوير برنامجها النووي إلى أبعد مدى ممكن. 

وتعتمد الحكومة الإيرانية في سياستها هذه على القناعة بأن العالم غير قادر على التعامل عسكريا مع مشروعها النووي، لأنه موزع على كامل مساحة إيران وتتركز منشآته الرئيسية في أنفاق حصينه في أعماق الجبال بحيث من الصعب تدميره اعتمادا على ضربات صاروخية أو غارات جوية، وتهدف إيران من إتباع هذا النهج المتشدد إلى أن تقتصر المطالب الغربية على العودة إلى إتفاق عام 2015 نفسه من دون أي تعديل أو إضافات عليه، مع أن الكثير من بنود هذا الإتفاق ستنتهي في عام 2025 أي بعد ثلاث سنوات فقط، وحينها ستتحرر إيران من الكثير من إلتزامات هذا الإتفاق. 

وكذلك لأن إيران لا تريد أن تشمل المفاوضات أي مواضيع أخرى خارج الاتفاق النووي كالصواريخ الباليستية أو السلوك الإقليمي، ومن الصعب على الإدارة الأميركية القبول بالمطالب الإيرانية لأنها تعهدت بمشاركة الكونغرس والتشاور مع الدول الإقليمية في أي اتفاق جديد مع إيران وهذه الأطراف من الصعب إقناعها بمجرد العودة للاتفاق السابق، ولذلك ستشهد الأسابيع الأولى من عام 2022 عدة جولات من لعبة عض الأصابع بين إيران ودول الغرب. 

كما تراهن الحكومة الإيرانية في تشددها على أن الحزب الديمقراطي الذي يتولى السلطة حاليا في الولايات المتحدة غير متحمس لأي تصعيد أو لاتخاذ قرارات حاسمة مثل المواجهة العسكرية أو تطبيق عقوبات اقتصادية جادة وقاسية بحق إيران، ولكن في المقابل هناك طرف إقليمي لا يمكن إهماله وهو إسرائيل التي قد لا تنتظر الضوء الأخضر من أحد لمواجهة ما تراه تهديدا وجوديا لها، ورغم صعوبة قرار المواجهة العسكرية، لكن إسرائيل قامت خلال الفترة الماضية بعدة عمليات داخل إيران، وإذا وجد قادتها أن هناك سيناريو قابل للتحقيق لضربة تعيق البرنامج النووي الإيراني فقد تقوم به. 

والدولة الثانية التي ستتبع خلال هذا العام سياسة حافة الهاوية هي روسيا وبشكل خاص في موقفها من أوكرانيا، فخلال الأسابيع الماضية حشدت روسيا عشرات آلاف الجنود ومئات الدبابات على الحدود الأوكرانية مما دفع الإعلام العالمي للحديث عن اقتراب عملية غزو روسي لهذا البلد، وكانت بعض وسائل الإعلام العربي أكثر حماسا لترديد البروباغاندا الروسية بأن الجيش الأوكراني سينهار بمجرد بدء الهجوم الروسي أو حتى مع أول غارة جوية روسية. 

من دون أن يعرف أحد على ماذا استند هذا الإعلام في استنتاجاته تلك، فخلال السنوات الماضية لم تحقق القوات الروسية أي انتصار على قوة عسكرية ذات شأن، ففي عام 2015 عند بداية التدخل الروسي في سوريا أسقطت تركيا طائرة سوخوي 24 روسية، ولم تستطع روسيا الرد عسكريا، فلجأت لمنع السياح الروس من الذهاب إلى تركيا، وأوقفت استيراد البضائع التركية ثم بدأت سياسة المقايضة مع تركيا عبر السماح لها باحتلال مناطق في الشمال السوري مقابل تسليم بعض مناطق المعارضة للروس. 

وفي فبراير 2018 قتلت القوات الأميركية عشرات المقاتلين الموالين للحكومة السورية بينهم مجموعة كاملة من ميليشيا فاغنر الروسية حاولت مهاجمة قوات سوريا الديمقراطية شرق الفرات، وفي ليبيا خسرت القوات المدعومة من روسيا وأجبرت على الإنسحاب من طرابلس بعد تدخل تركيا ودعمها لحكومة السراج وقتها، وفي الحرب بين أذربيجان وأرمينيا أيضا خسر الطرف المدعوم من روسيا، ففي كل اختبارات السنوات الماضية كان السلاح الروسي يخسر معركته مع السلاح المماثل الغربي وحتى التركي. 

ولذلك يبدو التصعيد الروسي ضد أوكرانيا ذو طبيعة إعلامية فقط لأن أوكرانيا بلد غير صغير فعدد سكانه قريب من 45 مليون ولدى الشعب الإرادة للقتال دفاعا عن أرضه واستقلاله، بل تبدو التهديدات الروسية استبافية لمنع هجوم أوكراني على منطقة دونباس شرق أوكرانيا التي تحتلها ميليشيات مدعومة من روسيا بعد حصول أوكرانيا على أسلحة متطورة مثل مضادات دبابات فرنسية وطائرات بيرقدار بدون طيار تركية، وكذلك لتحقيق أهداف سياسية أهمها منع انضمام أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي، وفوق ذلك يجب عدم إهمال أن الثمن الاقتصادي لأي هجوم روسي لن يكون بسيطا نتيجة وجود تعاطف شعبي أوروبي واسع مع أوكرانيا. 

أما المشكلة الثالثة والأكثر أهمية وخطورة والتي قد تتطور إلى مواجهة عالمية فهي المحاولات الصينية المتواصلة للتوسع في بحر الصين الجنوبي وخاصة الرغبة المعلنة في احتلال تايوان عسكريا، وفي الوقت الذي يعرف العالم حدود القوة الإيرانية والروسية فإن الصين ودرجة تطور أسلحتها مازال غامضا حيث لم يتم اختبارها في مواجهة عسكرية حقيقية بعد، ولكن من المتوقع أن الأسلحة الصينية أكثر تطورا خاصة في التكنولوجيا الدقيقة من الأسلحة الروسية. 

ولذلك تبدو سياسة حافة الهاوية الصينية عام 2022 أكثر تهديدا للأمن والسلم الدوليين، وتأخذ الولايات المتحدة التهديدات الصينية على محمل الجد وتعمل على إنشاء تحالفات كبيرة في تلك المنطقة لاحتواء الصين وكان آخرها وأكثرها أهمية تحالف الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا والذي قد يشمل في مرحلة لاحقة كندا ونيوزيلندا لأن هذه الدول ذات تركيبة سكانية وثقافية متشابهة، وكذلك من غير المستبعد انضمام الهند أو اليابان إلى مثل هذا التحالف نتيجة معاناتهما من الاستفزازات الصينية، مما يعني تشكيل قوة عسكرية واقتصادية وبشرية هائلة على الصين التفكير مليا قبل مواجهتها. 

وستتركز جهود الصين خلال العام الحالي على معرفة إلى أي حد ستكون الولايات المتحدة جادة في التورط في نزاع معها من أجل تايوان، ومن الصعب معرفة ذلك من دون دفع الأمور نحو حافة مواجهة عسكرية، أي ستستمر تحركات الطيران العسكري الصيني فوق تايوان بإنتظار حدوث إطلاق نار غير مقصود من الدفاع الجوي التايواني، وستستمر محاولات قضم المياه الإقليمية المحيطة بتايوان وبقية دول بحر الصين الجنوبي على طريقة النفس الطويل الصينية المعهودة والتي لا تعطي أحدا ذريعة لفرض عقوبات عليها لأن الوضع الإقتصادي الصيني ليس بأفضل حالاته هذه الأيام 

تعتمد إيران وروسيا والصين في تصعيدها العسكري على الطبيعة الديكتاتورية لأنظمتها وعلى غياب رأي عام داخلي يضغط على حكوماتها، لذلك لا تقيم وزنا للخسائر الاقتصادية والبشرية التي قد تلحق بها نتيجة سياستها المتهورة، كما لا يبدو أن الحكومات الديكتاتورية قد أخذت عبرة من أحداث العامين الماضيين وخاصة فيروس كورونا الذي قتل حتى الآن 6 ملايين شخص أو التبدلات المناخية التي أدت لموجات غير مألوفة من الفيضانات والجفاف بما يشكل تهديدا حقيقيا للحياة على هذا الكوكب ولذلك تستمر هذه الحكومات في السير على حافة الهاوية. 

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.