خلاف بين رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وقيادي في حركة أمل
خلاف بين رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وقيادي في حركة أمل

كان يوماً لبنانياً مليئاً بالشتائم، قاده رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل من جهة، والمساعد السياسي لرئيس مجلس النواب، والقيادي في حركة المحرومين (أمل)، علي حسن خليل من جهة أخرى. وبينما كان خليل يتلو في مؤتمره الصحافي بيان شتائمه لجبران، تولى ناشطون مؤيدون للأخير نشر صورة خصمهم (المحروم) على وسائل التواصل الاجتماعي مرتدياً ساعة يد تبلغ قيمتها أكثر من ٥٠ ألف دولار. وحينها رد ناشطون من حركة المحرومين بنشر وثائق تشير إلى شراء جبران عقارات في مدينة البترون في شمال لبنان. "اللهم اضرب الفاسدين بالفاسدين"، هكذا راح يغرد لبنانيون من خارج هذا الانقسام الذي أصاب "أهل الممانعة" فنشروا غسيل بعضهم بعضاً على جدران المدينة، وأمضينا نهاراً مسلياً، ذاك أن ما شهدناه لم يكن دموياً، والمأساة التي ينطوي عليها سبق أن تجرعناها، وها نحن اليوم نعيش خاتمة المشهد. من سرقنا يقول ها أنا ذا، ويشير عليه بإصبعه واحد من أهل البيت! 

وفي اليوم التالي أطل أمين عام حزب الله حسن نصرالله، محاولاً رأب الصدع بين جناحي الفساد. قال لحركة أمل إنه لن يفرط بتفاهم مار مخايل بينه وبين التيار العوني، وقال للتيار إنه لن يتخلى عن حليفه في الطائفة، أي حركة أمل. السلطة بأجنحتها عادت إلى بيت الطاعة. جبران اطمأن من جديد، وعلي حسن خليل سرب للإعلام بأنه لن يواصل إحراج حزب الله. لا بأس إذاً، فما جرى في يوم الشتائم كان عرضاً ضرورياً سبق خطاب مرشد الجمهورية، ومهد لإطلالته. 

لم تعد السلطة في لبنان مضطرة لمداراة قذارتها. ساعة بقيمة ٥٠ ألف دولار بيد نائب عن حركة المحرومين ليست شيئاً يستحق الذكر، وأن يكون صهر رئيس الجمهورية مالكاً مستجداً لعدد كبير من العقارات، فهذا حقه، والمساءلة في كلا الحالين تطفلاً نمارسه على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما القضاء بيد الرجلين، كما بيدهما الحل والربط بمصائرنا نحن فئران الـ"سوشيال ميديا".

المحاسبة صارت نكتة في جمهورية الولي الفقيه اللبنانية. من يحاسب من؟ إذا أردنا أن نحاسب المتسببين في انفجار المرفأ علينا أن نبتعد عن حزب الله وحلفائه، وإلا نكون عملاء للسفارات، وإذا أردنا أن نحاسب من سطا على ودائع اللبنانيين، علينا أيضاً أن نبتعد عن حزب الله وحلفائه، فهؤلاء من ثوابت المقاومة. أما أن نشهد حملة شتائم بين جناحي التحالف، فهذا ما لا يجب أن نستقبله إلا بوصفه مشهداً عابراً يختتم بخطاب للمرشد يعيد فيه كل حليف إلى رشده! 

لا شيء سوى الهزال، نداوي فيه ما أصابنا في ذلك اليوم، فالمرشد عطل أي إمكانية أخرى. وظيفة عبارة "اللهم اضرب الفاسدين بالفاسدين" لا تتعدى حدود الابتسامة التي تخلفها. نتائجها لا تتعدى هذه الحدود، ولا يبنى عليها ما يتجاوز ارتياحاً تخلفه في نفوس اللبنانيين الذين لم تعد الابتسامة علامة عافية في يومياتهم، بل هي مجرد صدى للمأساة. أما السياسة، فهي أن لا نجرؤ على المجاهرة في حقيقة أننا نعيش في دولة حزب الله، وأن توازنات تمليها ضرورات بقاء هذه الدولة، لن تقوى حفلة شتائم بين حليف أحمق وحليف أخرق على هزها. إنها مجرد مشهد ممنوع علينا توظيفه بغير الابتسامات الصفراء التي يخلفها، وإلا كنا عملاء للسفارات.

أما المفجع في التفسيرات التي راح الناس يتداولونها لما جرى في يوم الشتائم بين باسيل وعلي حسن خليل، فهي أنها من ضرورات "شد العصب" التي تسبق الانتخابات النيابية. الفضيحة وحدها هي عدتهما لـ"شد العصب". وهذه العبارة المبتذلة إذ تفشت في أنحاء الخطاب السياسي في لبنان صارت مفتاحاً لفهم كل شيء. الحرب الأهلية الصغيرة التي جرت في مار مخايل قبل أشهر وظيفتها "شد العصب"، ومهاجمة أمين عام حزب الله لحزب القوات اللبنانية وظيفتها "شد العصب"، وحفلة الشتائم بين باسيل وخليل هي لـ"شد العصب".

ما قصة هذا العصب الذي يملأ حياتنا، ويعمم الفساد، ويعوم دولة المرشد. لقد استعضنا فيه عن التعليم والصناعة والصحة والزراعة والاقتصاد. العصب أهم شيء في دولة الولي الفقيه. إنه خاتمة المشهد في كل يومٍ يمضي. نربي أولادنا لكي يحرسوه، ونذهب إلى الانتخابات النيابية لنعيد انتاجه، ويغيب سعد الحريري في الإمارات العربية المتحدة لأن السعودية قررت عدم مساعدته في شده. فيا أهل العصب احتفلوا بساعة يد زعيم حركة المحرومين، وبعقارات رئيس تيار الإصلاح والتغيير، وانتظروا خطاب المرشد، وناموا على حقيقة أن الدولار سائر نحو الخمسين ألفاً، وأن الصباح لن يحمل لكم سوى البؤس.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.