جانب من الاحتجاجات التي شهدتها بعض الدول العربية في السنوات الأخيرة
جانب من الاحتجاجات التي شهدتها بعض الدول العربية في السنوات الأخيرة

هل الأزمة في المجتمعات العربية هي أزمة سياسة أم اقتصاد أم فكر أم ثقافة أم دين.. الخ؟ 

رب قائل يقول إنها كل ذلك مجتمعة، وهذا قد يكون صحيحا إلى حد ما، ولكن السؤال العملي هو ما الذي يجعل الاستبداد أمرا ممكنا أو سلوكا مقيما في العديد من المجتمعات العربية والإسلامية رغم تغير الظروف والأحوال؟ والسؤال الآخر المكمل له هو: هل الاستبداد أو عقلية الاستبداد محصورة فقط في الحكومات أو أنظمة الحكم أم هي منتشرة أيضا في المجتمع؟

الإجابة المباشرة هي أن الاستبداد ثقافة منتشرة في مجتمعاتنا وأكثر من ذلك هو أيضا سلوك جرى تأصيله عبر التاريخ بواسطة الدين والثقافة والاجتماع.

والملمح الأعمق الذي يمكن ملاحظته هو ذلك الفارق الرهيب بين مكانة الحكام أو الخلفاء وبين مكانة الناس العاديين. التاريخ الذي يقدم لنا والمعتمد في المناهج الدراسية أيضا كله مركز في جهة واحدة وهي جهة الحاكم، حروبه ومعاركه وتحالفاته ومتعه ولهوه وعلاقته بالنساء والقصور.. الخ، بينما يندر الحديث عن الأفراد العاديين. وحتى عندما يجري الحديث عن هؤلاء فهو يجري بسبب علاقتهم بالحاكم من قريب أو بعيد وليس لشأنهم الخاص. 

وقد أشبعت كتب التراث من أحاديث وفقه وما شابه هذه العلاقة قولا وبحثا إلى الدرجة التي شرعت فيه لعبودية الإنسان للحاكم وإن بطريقة مواربة أو غير مباشرة، فبما أن المسلم هو عبد لله وبما أن الحاكم هو ولي أمر المسلمين والساهر عمليا على تطبيق شرع الله والحامل للوائه، فإن طاعة الحاكم تدخل في إطار طاعة الله أو على الأقل في إطار شيء مشابه لذلك، مما نظّر له الفقهاء عبر التاريخ من عدم جواز الخروج على الحاكم، إلا بشروط، وهذه الشروط في الغالب يتم تصميمها لمصلحة حاكم آخر، ينتظر دوره للقفز على الكرسي ويجلب معه حاشيته الجديدة.  
لكن الأمر لا يقتصر على الطاعة للحاكم فقط، وإنما يذهب أبعد من ذلك.  

والملمح الأبرز الذي يمكن ملاحظته هنا هو الدور الرهيب لفكرة التقديس في الثقافة العربية والإسلامية. التقديس ليس بمعنى تعظيم شيء أو شخص ما، ولكن بمعنى الانسحاق التام أمام المقدس، وإلى درجة التضحية بالأرواح وما دونها في سبيله.   

وهذا المقدس قد يكون شخصا وقد يكون فكرة وقد يكون جمادا، المسألة الأهم هنا هي العلاقة بين الإنسان وهذا المقدس. هذه العلاقة هي عادة في اتجاه واحد وهي غير خاضعة للمساءلة أو النقد.  

وثقافة التقديس استفاد منها الحكام والزعماء السياسيون ورجال الدين وحتى بعض الأشخاص ممن يلعبون أدوارا اجتماعية أو ثقافية معينة.  

ويمكن ملاحظة أثر التقديس في ردة الفعل الغاضبة، بل والعنيفة أحيانا، لدى الكثير من المسلمين عندما يتم توجيه الانتقاد إلى بعض زعمائهم السياسيين أو الدينيين، ولا فرق إن كان هؤلاء أحياء أو أموات.

وليس مهما ما إذا كان الانتقاد صحيحا أم خاطئا، إن مجرد فكرة الانتقاد نفسها تصبح غير مقبولة لأنها تمس شيئا أو شخصا أصبح مقدسا وبالتالي غير قابل للمساءلة.

والطاعة والتقديس لا يكونان ممكنين الا عندما يتم ربطهما بأمر آخر قوي وهو الأفضلية. أي خلق وترسيخ القناعة لدى الأفراد بأنهم ينتمون إلى كل ما هو أفضل (الإسلام أفضل ديانة والعربية أفضل لغة.. الخ). وهكذا لا يمانع الفرد في تقديم الطاعة والتقديس ما دام أن الثمن المقابل هو التشريف العظيم من قبل الله بأن يكون في الموقع الذي هو فيه!

الواقع أن ثقافة الطاعة وثقافة التقديس وثقافة الأفضلية تخدم الاستبداد بصورة نموذجية، لأنها ترتبط مباشرة بالحقيقة المطلقة – الشكل الأكثر تجليا للاستبداد – وهي الحقيقة التي يعتقد المؤمن بها بأنها الوحيدة الموجودة أو التي تستحق أن توجد أو الذي وجودها هو فعل ضرورة وليس ممكنا!  

وبالطبع كلما زادت الحقائق المطلقة في حياة الإنسان كلما كان ميله للاستبداد أكبر، فهو حينها لا يرى ضرورة لمشاركة الآخرين أفكارهم أو آرائهم لأنها مهما بلغت قيمتها تظل في مستوى أدنى وأقل أهمية. 

لذلك فإن الباحثين عن حلول للأزمات في مجتمعاتنا ربما يتعين عليهم أن لا يكتفوا فقط بالانشغال بالسياسة أو الاقتصاد، ولكن النظر أعمق من ذلك في البناء الثقافي والديني ومنظومة القيم السائدة في هذه المجتمعات.
فهذا البناء وهذه المنظومة هي التي جعلت وتجعل من الاستبداد منتجا أصيلا في البيئة العربية والإسلامية، بل ومقبولا في أحيان كثيرة وإن جرى تغليفه بالشعارات والمبادئ والثوابت والخبرة وما شابه.   

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.