People cheer as they attend in a hall in a school in the southern suburb of Lebanon's capital Beirut on January 3, 2022 a…
ردود حسن نصر الله على "خادم الحرمين" جاءت منفعلة وطافحة بالغضب

التصعيد المتبادل بين المملكة العربية السعودية وحزب الله، بلغ الأسبوع ذروة غير مسبوقة، دخل على خطها العاهل السعودي شخصياً، ليرد عليه الأمين العام للحزب في خطاب كُرّسَ في معظمه، للرد على الملك والمملكة...أما جوهر "الحرب الإعلامية المتبادلة" فَتَمَثَل في تبادل تهم الإرهاب...المملكة تصنف منذ سنوات طوال، الحزب إرهابياً، والحزب يتهم المملكة بتصدر "الوهابية" و"الجهادية" و"الإرهاب"، والشروع في حروب تعتمد هذه الأدوات. 

ومع أن الرياض لم تستثن طهران ودمشق، من حملاتها الإعلامية التي انصب تركيزها على حزب الله، إلا أن ردود أفعال العاصمتين، جاءت أكثر هدوءً بكثير، من ردة فعل "الضاحية الجنوبية"، الأولى رأت في انتقادات المملكة لها بأنها تجافي الصواب وحسن الجوار، فيما الثانية، ترفعت عن الرد على "موظفين" في إشارة إلى مندوب المملكة في الأمم المتحدة، عبد الله المعلمي، أما أمين عام الحزب فقد استهدف بخطابه الملك شخصياً، وهذا أمر غير مسبوق. 

لماذا الآن، وهذا الحد؟ 

التراشق الإعلامي بين الرياض وحزب الله ليس جديداً كل الجدة، ويعود إلى أزيد من عقدين من الزمان، بيد أن بلوغه ذروة غير مسبوقة، إنما يُعد بنظر المراقبين، ومن بينهم كاتب هذه السطور، "رجع صدىً" للتأزم الحاصل في اليمن، واحتدام حدة المعارك في مأرب وحولها، وهي التي باتت توصف في أدبيات الحرب اليمنية بـ"أم المعارك". 

وفي المعلومات، أن أنصار الله الحوثيين، مدعومين من حزب الله، وبنصيحته، قرروا استرداد آخر معاقل "الشرعية" وأقوى معاقل "الإصلاح – الإخوان" في الشمال: مأرب، مهما كلف الأمر وتعاظم الثمن...الرياض في المقابل، قررت ألا تجعل مهمة الحوثي في مأرب سهلة، وأن تمنع سقوط المحافظة الاستراتيجية والغنية بالنفط، مهما كلف الثمن. 

ميدانياً، لم تسجل حرب السنوات السبع العجاف في اليمن وعليه، هذه الكثافة في النيران السعودية، عشرات الطائرات الحربية تقذف حممها يومياً، فوق أرض المعارك وفي العمق الحوثي...حركة تنقلات وتحشيد للقوات الموالية للتحالف، تجري على مسارين: تركيز على مأرب وتشتيت قوات الحوثي بفتح جبهات عدة، الاستعانة بألوية موالية للإمارات وسلفية: العمالقة والنخبة الشبوانية، برغم تحفظات "الشرعية" وغالباً على حسابها...المهم ألا تسقط مأرب، وبعد ذلك لكل حادث حديث. 

ميدانياً أيضاً، ومنذ فبراير الفائت، لم تتوقف هجمات الحوثي المتعاقبة على المحافظة، موجة تلو أخرى، تمكن أنصار الله من السيطرة على معظم مديريات المحافظة، لم يبق سوى مأرب المدينة وصافر المجاورة، التي تحتضن في جوفها أكبر خزانات النفط اليمني...لكن المدنية المشهورة بسدّها التاريخي، تتحول موجة إثر أخرى، إلى مقبرة للحوثي، والحوثيون كما يقول خصومهم وأنصارهم على حد سواء، باتوا يقارفون لعبة "انتحار جماعي" على أسوار المدينة، وبرغم كل الوعود والتوقيتات التي حددتها قيادتهم لبسط سيطرتها على بقية المحافظة، فمهمتهم لم تنجز بعد، بل وتصبح أكثر صعوبة وكلفة، سيما بعد فتح جبهات جديدة في شبوة. 

عند هذه النقطة، سعت الرياض، عبر قناتها البغدادية الخلفية مع طهران، إلى توظيف ما لإيران من "دالّة" على الحوثي، لحثه على الجنوح لخيار التهدئة ووقف النار...لكن طهران ستمتنع عن فعل ذلك، وتترك أمر الوساطة لحزب الله، وهو ما رفضته المملكة وترفّعت عنه، فجاء ردّها بتأخير الموافقة على السماح لسفير إيران المريض (البعض يُقال الجريح) في صنعاء بمغادرتها، وعندما صدرت موافقها، لم يكن قد تبقى له من عمر سوى سويعات. 

الرياض لجأت إلى خيار القوة المفرطة في اليمن، ووسعت دائرة ردودها على "التمنّع" الإيراني، فشنت حملة شعواء ضد الأسد ونظامه، وهي التي كانت قد بدأت معه، حوارات أمنية استكشافية، تخللها لقاءات وزارية بمناسبات مختلفة، توطئة لاستئناف العلاقات الثنائية، كما رجحت التقارير...الحملة السعودية على الأسد كانت مفاجئة في توقيتها، ولكن أسبابها معلومة، وهي في معظمها تتقاطع مع أسباب الحملة على حزب الله. 

ردود حسن نصر الله على "خادم الحرمين"، جاءت منفعلة وطافحة بالغضب، الأمر الذي أوحى للمراقبين، بأن الحزب يشعر بضيق شديد لتأخر الحسم في مأرب وارتفاع كلفته، وربما يُرجح ذلك ما سبق أن تردد عن أن الحزب، هو من نصح الحوثيين وشجعهم ودعمهم لإنجاز الحسم في المحافظة، قبل الشروع في أي ترتيبات أو مفاوضات، وقبل الاستجابة للمبادرات...فهل أدرك الحزب كلفة نصيحته، بعد عودة مئات الجثامين عن الجبهات وخطوط التماس، وهل هو "الشعور بالذنب" وقد حرك طاقة الغضب والسخط على الرياض، لدى الحزب وأمينة العام؟ 

سياقان وسرديتان 

أياً تكن الأسباب المباشرة، والدوافع الكامنة وراء هذه الموجة من التصعيد المتبادل، فإن ما تجدر الإشارة إليه، هو أن كل فريق من فريقي "حرب الاتهامات"، إنما اختار لنفسه، سياقاً يدرج فيه "سرديته" الخاصة بالتناقض القائم بينهما...السردية السعودية تُدرج الخلاف مع الحزب في سياق المواجهة مع إيران وهلالها الشيعي وفي إطار "الحرب على الإرهاب، وتسخر من ربط الخلاف بالمسألة الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي...فيما السردية المقابلة لحزب الله، تنهض على إدراج التناقض مع المملكة في سياقات "الصراع العربي – الإسرائيلي"...من السهل على الرياض أن تصنف الحزب إرهابياً، مذهبياً، فارسياً، يخدم أهداف وطموحاتها، فتلك السردية هي السائدة في الأدبيات الغربية عموماً، وتشاطرها فيها دول وعواصم عربية وإسلامية عدة. 

في المقابل، من الأنسب أن يدرج الحزب حرب المملكة عليه، كخدمة لإسرائيل وعربون صداقة مع الولايات المتحدة، وفي إطار معاقبة رافضي "صفقة القرن" ومشاريع تصفية القضية الفلسطينية...من الأنسب للحزب أن يُخرج صراعه مع المملكة من مندرجات الصراع الإيراني – السعودي، ووضعه في سياق من هم مع إسرائيل وضد "المقاومة"، من هم مع فلسطين أو ضدها...هنا، سيكون بوسع الحزب أن يجد منافحين عن مواقفه وتوجهاته، حتى من خارج بيئته الحاضنة، وبالذات من قبل تيارات قومية ويسارية، وهذا ما حصل ويحصل بالفعل. 

لكن الحقيقة أن كلتا السرديتين، تتضمنان جزءاً من الحقيقة، وتصرفان النظر عن جزء آخر منها...فمما لا شك فيه، أن قضية فلسطين والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي يضعان الفريقين على ضفتي خندق متقابلتين، والخلاف بينهما هنا، لا يمكن إنكاره...لكن من الخطل إنكار أن تفاقم حدة الخلاف ووصوله حد "الحرب المعلنة" المسموح فيها باستخدام مختلف الأدوات والأوراق، إنما يعود بالأساس للصراع السعودي – الإيراني، فإيران وحلفاؤها أقاموا علاقات وطيدة مع دولٍ أكثر تساوقاً مع "صفقة القرن" وأكثر اتساقاً مع مسارات التطبيع الإبراهيمية، والعلاقة بين طهران وأبوظبي، تنهض شاهداً على ذلك، برغم أن الأخيرة كانت أكثر انخراطاً في ترتيبات صفقة القرن، وقادت قاطرة التطبيع مع إسرائيل على "المسار الإبراهيمي"، ومع ذلك، لا نرى تصعيداً مماثلاً معها، لا من طهران ولا من أي حلفائها، بل على العكس منذ ذلك، فالإمارات تنافس على موقع الشريك التجاري الأول مع إيران وهي المستقرة في الموقع الثاني، وترغب في شق "طريق حرير" لتجارتها عبر الأراضي الإيرانية والتركية إلى الأسواق الأوروبية، فيما دمشق، حليفة طهران تحفتي بوزير خارجية أبوظبي الزائر بمراسيم شبه رئاسية، وقد اختار الحوثي إبعاد صواريخه ومسيراته عن الأجواء الإماراتية، على الرغم من أن الإمارات هي الشريك الثاني في التحالف ضد اليمن، والقوات المدعومة منها، تسيطر على معظم جنوبه، وهي اليوم، تخوض أعنف المعارك ضد الحوثي على جبهات عدة، فيما الطيران الإماراتي يشارك السعودي في حملة القصف الكثيفة، والسفن الإماراتية تنقل السلاح، كما يقول الحوثي نفسه، إلى خصومه في اليمن. 

حتى البحرين، التي استضافت "المحطة الاقتصادية" في "صفقة القرن"، وتقيم أوثق العلاقات مع إسرائيل، وتناصب طهران وكثرة من حلفائها، أشد العداء، وجدت لنفسها موطئ قدم عريض وطويل في العاصمة السورية، وهي احتفت بتعيين سفيرٍ لها في دمشق، تزامناً مع تقديم أول سفير إسرائيلي أوراق اعتماده للعاهل البحريني. 

إن كان ثمة من خلاصة متأتية عن هذه الوقائع وكثيرٍ غيرها، فتتجلى في أمرين اثنين: الأول؛ أن الصراع الإيراني – السعودي، وليس الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، هو ما يتحكم بمواقف طهران وحلفائها من الرياض أساساً، مع أنه من غير الجائز إغماض الأعين عن خلافات الفريقين حول المسألة الفلسطينية وسبل حلها والتعاطي معها...والثاني؛ أن طهران قادرة على "ضبط إيقاع" حلفائها وأذرعها في الإقليم، حين يتصل الأمر بحساباتها الكبرى ومصالحها العليا، والعراق وتجربة القوى الحليفة لإيران فيه، تعطي عشرات الأمثلة على ذلك، لا مجال للخوض فيها تفصيلاً في هذا المقام. 

والحال ذاته، ينطبق بقدر كبير على حزب الله وعلاقاته بالرياض، وفي ظني أن ثمة تطورين سيقرران ما إذا كان التصعيد الأخير، سيتحول إلى مواجهة أوسع وأصعب بين الطرفين، أم أنه سيكون "تصعيد ربع الساعة الأخير"...التطور الأول، ويتصل بمفاوضات فيينا النووية، وكيف ستنتهي، أما الثاني فمرتبط بالأول، ويتعلق بمسار القناة العراقية للمفاوضات الإيرانية – السعودية، فإن جاءت نتائج المسارين إيجابية، سنشهد انخفاضاً متدرجاً في حدة الصراع، وإن جاءت سلبية، سنرى منحى تصاعدياً، لن تقف حدوده عند الأطراف، بل سيأخذ شكل انفجارات متلاحقة، تبدأ في لبنان ولا تنتهي فيه، وفي الحالتين، من دون أن يكون قد طرأ أي تغيير في مواقف الأطراف من إسرائيل والمسألة الفلسطينية. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.