دراسة الأدب العربي.. إشكالية وتساؤلات
طرابيشي أرجع أعطاب الفكر العربي إلى ديناميّة ذاتية.

إذا كان المفكر العربي الكبير/ محمد عابد الجابري قد أرجع أعطاب العقل العربي إلى مؤثرات خارجية، طارئة، دخلت على العقل العربي في بداية تكوينه فأفسدته (تسببت في استقالته)، فإن المفكر العربي الآخر/ جورج طرابيشي ـ وهو الأوسع أفقا من الجابري في نظري ـ قد أرجع أعطاب الفكر العربي إلى ديناميّة ذاتية (ذات هوية عربية في الأساس). 

وتكمن هذه الدينامية الذاتية في تلك "التحولات السوسيو ثقافية" بطابعها الصراعي التنافسي، والتي انتهت بانتصار أهل الحديث/ النقل على أهل العقل انتصارا شعبويا ورسميا، وصولًا إلى تحريم وتجريم المعقول بوصفه عدوانا على حُرُماتِ المقدس/ المنقول.

في تصوري أن رؤية طرابيشي هي الأكثر وَجاهة؛ بقدر ما هي الأكثر موضوعية، والأقرب إلى التجرّد من مؤثرات التحيز الذاتي. ويدعم هذا الاتجاه الرؤيوي أن المآزق الكبرى في تاريخ العرب/ المسلمين بدأت في مرحلة مبكرة، في مرحلة تسبق حركة الترجمة الواسعة لـ"علوم الأوائل"، بل وتسبق الالتقاء التفاعلي بأبناء الأقليات الدينية والعرقية والحضارية الذين أصبحوا جزءا من مكونات الإمبراطورية العربية في أوج توسعها الاستعماري للشرق الأوسط والشمال الأفريقي وبلاد ما وراء النهر في آسيا الوسطى.

وبصراحة أكبر، لم تكن الأخلاقيات العربية (= أخلاقيات الأدب العربي التي هي ذاتها أخلاقيات الإنسان العربي) قادرة على صنع حضارة إنسانية متطورة ومنتجة على الصعيد المادي والروحي. صحيح أن الدين الجديد (= الإسلام) جاء مُحَمَّلا بطاقة أخلاقية لإدارة الشأن الداخلي العربي على مَبْدأي: العدالة والسلام، فضلا عن القيم الفرعية الأخرى، إلا أن "أخلاقيات الأدب العربي" هي التي ستسود لاحقا على حساب قيم الإسلام الجديدة، بل وستستدمجها في منظومتها على سبيل الاختراق من الداخل؛ وصولا إلى تحميل أدبيات الدين أهمَّ وأخطر مضامين أدبيات الأدب العربي القديم.

هل صاغ الفقهاء (ومن قبلهم الرواة الأثريون: ماكينة صناعة الحديث) تلك الأحكام التنظيمية/ القانونية والمُحَدِّدات الأخلاقية مُتَجرِّدِين من مُكَوِّناتهم الثقافية التي هي جملة منظومة الآداب العربية أم أن هذه الآداب كانت هي الأفق الثقافي المُحَدِّد لسقف وَعْيهم المعرفي الذي قاربوا من خلاله نصوص الدين الأولى؟

تحكي المنظومة الفقهية الإسلامية واقع "أخلاقيات الأدب العربي" بأكثر مما تحكي "أخلاقيات النص الديني الثابت: القرآن". فإذا كانت الأحاديث، من حيث هي مرويات محكية، تشابكت ـ مضمونيًّا، وبدرجة أقل نَصيًّا ـ مع المرويات الأثرية الأدبية، من قَصصٍ وحكايا وأخبار وحِكَمٍ وأمثالٍ وأشعارٍ، فإن النص القرآني وقف شاهدا على مستوى من التباين الذي يؤكد واقعة احتلال أخلاقيات الأدب العربي/ أخلاقيات العرب الأولى لـ"العقل/ الوعي" الذي أسّس ما يُسَمى بـ"الحضارة العربية الإسلامية"، ومن ثم؛ طبع وعي كثير من شعوبها بالقيم والمبادئ المُتَضَمّنة في الأدب العربي القديم.

مَن يقرأ المُدوّنات العربية الأساسية لـ"الآداب العربية" يقع على أخلاقيات تُشَكّل عصب مضامينها/ قيمها المركزية، وهي أخلاقيات/ قِيم لا تزال سائدة إلى اليوم في معظم أقطار العالم العربي، على اختلاف في درجة التَّمثّل والامْتِثال.

لقد تحدّثت في مقال سابق عن "العنف في الثقافة العربية"، محاولا فحص هذه الظاهرة من خلال ديوان العرب: الشعر العربي. لكن، لم يكن الشعر وحده ـ على أهميته القصوى ـ هو المؤثر الوحيد، إذ القصص والأمثال والحكم والأخبار كانت تُمارِس دورا مماثلا. كما لم تكن ظاهرة "تمجيد العنف" هي الظاهرة السلبية الوحيدة التي بقيت مفاعيلها إلى اليوم في واقع العرب، وأيضا في آمال وطموحات العرب؛ إن لم يكن على المستوى الواعي غالبا؛ فهي كذلك على المستوى اللاَّواعي في معظم الأحيان.

ما هي الأخلاقيات/ القيم التي تغرسها في وجداننا أمّهات المدونة العربية الأدبية؟ نحن نقرأ "الكامل" للمبرد، و"البيان والتبيين" للجاحظ، و"الأمالي" للقالي، و"عيون الأخبار" لابن قتيبة، و"الحيوان" للجاحظ، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه، و"الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، و"زهر الآداب" للحصري، و"البصائر والذخائر" للتوحيدي، و"خزانة الأدب" للبغدادي، و"ثمرات الأوراق" لابن حجة الحموي...إلخ، نقرأ كل ذلك بأشعاره وقصصه وحكمه وأمثاله وأخباره، على امتداد آلاف الصفحات، فنكتسب ـ واعين وغير واعين ـ قيما/ أخلاقيات، تُحَدّد نمط وعينا في الراهن، كما حدّدت من قبل نمطَ وعي أولئك الذي كتبوا تراثنا بكل فروعه، ومن هذا التراث ومن هؤلاء المُستلهِمين له، تتشكل هويتنا الثقافية اليوم، كما تشكّلت بالأمس، وكما ستتشكل في الغد القريب، وأيضا، كما ستتشكّل في الغد البعيد؛ إن لم نقطع عليها الطريق. 

مؤكد أن في هذا التراث الأدبي الكبير كثيرا من الإيجابيات، بل هي لم توضع أساسا إلا لتأكيد هذه الإيجابيات (المعترف ببعدها الإيجابي على المستوى الواعي)، مثل تمجيد الوفاء وتجريم الغدر، ومثل الرفع من قيمة "الإيثار"، وذم الأنانية، خاصة في فترات الكوارث وأزمنة الجوع، ومثل التأكيد على أهمية الصداقة ومراعاة آدب الجوار...إلخ القيم الإيجابية. ولكن، في المقابل، هناك القيم السلبية الخطيرة التي استحضرتها هذه المنظومة ـ أصالة أو عرضا ـ بوصفها قيما إيجابية، أو على الأقل، طبيعية، لا ضير منها ـ وِفْقَ المضمون القِيمي للمنظومة ـ في حدود تدبير ضروريات المعاش اليومي ! 

إن من أهم تلك القيم السلبية، كما ذكرت من قبل: تمجيد العنف واحترام الطغيان، ومنها أيضا، الفخر الكاذب والغرور الأجوف، وما ينبني عليهما من أنانية مقيتة تنتهي بالصراع المادي أو المعنوي، وبكليهما أيضا، كما في قول عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته: 
وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْـواً               وَيَشْـرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِيْنَـا
مَـلأْنَا البَـرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّـا                     وَظَهـرَ البَحْـرِ نَمْلَـؤُهُ سَفِـيْنَـا 

وهذا ليس فخرا كاذبا فحسب، بل هو أيضا كذب يُؤسِّس لوهم الإنجاز، أي للوهم الذي يعد مجرد القول فعلا، أو يستبدل القول بالفعل. ومن السلبيات أيضا تطبيع التّشاتم (= فن الهجاء)، وترفيعه ليكون من مقومات الصعود الأدبي للأديب، ومن أدوات الصراع الاجتماعي.

لكن، ومع أهمية كل ما سبق، يبقى أن السلبية الأخطر التي جرى تطبيعها بشكل واسع في المنظومة الأدبية كلها، من أولها إلى آخرها، هي: "الشحاذة"، والتي تطورت إلى: أدب الكُدية، ويُطلق عليه/ عليها أيضًا: أدب "الحيلة" و "التّسوّل" و"الاستجداء". وهي ليست ظاهرة لدى الشعراء العرب القدامى الذين أصبحوا "مجموعة شحاذين" أو "ممتهني تسوّل شعري" فحسب، بل تعممت في الأدب كله، فراجت لها القصص والحكايا والطرائف والأمثال والحكم، لتُعَزِّز منها كَقِيمة؛ إن لم تكن مطلوبة فهي مقبولة، بوصفها الطرف الآخر لقيمة الكرم والبذل والعطاء، أي الطرف الذي يستلزم وجود مُسْتميحِ كَرمٍ، وطالبِ بَذلٍ، ومُستجدي عَطاء.

الشعراء، الذين هم لسان العرب الناطق، كانوا مجموعة شحّاذين، بل ممتهني شحاذة/ مُتَسوِّلين بالشعر، ومُمَجِّدِين لهذا التسوّل في الوقت نفسه. ونادرا ما كان الشاعر ( الشاعر الذي هو: حارس القِيم) يستنكف عن هذا المسلك التَّسَفًّلي، فالأغلبية الساحقة كانوا كذلك: مُتَسوّلين، والقليل النادر جدا ـ كأبي العلاء المعري وعمر بن أبي ربيعة مثلا ـ كانوا يترفّعون عن هذا المسلك الشُّعَرائي الأدبي العام.

لم يكن التسوّل طارئا على الشعر/ ديوان العرب، بل رافقه منذ بداياته الأولى، حتى وإن وُصِف الشاعر الجاهلي الكبير/ النابغة الذبياني بأنه أول من تكسّب بشعره. فمثلا، نجد أن الشاعر الجاهلي المرموق/ زهير بن أبي سلمى، أحد أصحاب المعلقات، و الموصوف بتعفّفه، والمُعَمّد في التراث الأدبي كأقنوم أخلاقي للوسطية الأخلاقية، يقول لمن كان يُجْزِل له العطاء:      
 سَألْنا فَأَعْطَيْتُمْ وَعُدْنا فَعُدْتُمُ      وَمَن أكثرَ التسآلَ يوْمًا سَيُحْرَمِ

إذن، الشحاذة ليست حادثة طارئة على مسلكه، بل سأل/ تسوّل؛ فوجد يد العطاء تمتدّ له بالكثير، وإذْ طَمع بفعل العطاء السابق، مُسْتمرِئا الطُّعْم؛ عاد لِيَسأل/ لِيَشحذ من جديد، وسيكثر التسآل/ الشحاذة، مع معرفته بأن الإلحاح عليها سيوقعه لا محالة في موقف حرج، أي: سَيسأل يوما ما، ولن يجد مَن يُعطيه ما يَفِي بقيمة امتهان كرامته بالسؤال.

وبعد الإسلام الذي وضع مفهوم اليد العليا/ الباذلة، مقابل اليد السفلى/ الآخذة؛ كيما يحدّ من تغوّل هذه الظاهرة المهينة، بل لقد تضمّن أدبيات صريحة في النهي عن الاستجداء، ورفعِ قَدْرِ المُتَعفّفين من الفقراء، أقول: بعد الإسلام، بقي هذا التقليد العربي الأصيل (= الشحاذة) قويا، بل إنه نما وتطوّر وتشعّبت طُرُقه، فهذا الشاعر العربي الكبير/ جرير، يستجدي/ يشحذ ـ بطريقة في غاية الامتهان ـ قائلا لعبد الملك بن مروان: 
سَأَشْكُرُ أَنْ رَدَدْتَ إِلَيَّ رِيشِي        وَأَنْبَتَّ الْقَوَادِمَ فِي جَنَاحِي  
 أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا       وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ

ولقوة هذا التقليد/ الاستجداء عربيا، ولكونه متجذِّرا في عُمْق الثقافة العربية، لم يجد حتى أشدُّ شعراء العربية اعتداد بنفسه (= المتنبي) حَرَجًا في أن يقول لممدوحه (= كافور) على سبيل الاستجداء المُهين: 
أَبا المِسكِ هَل في الكَأسِ فَضلٌ أَنالُهُ    فَإِنّي أُغَنّي مُنذُ حينٍ وَتَشرَبُ

وكما يطلب ـ مستجديا ـ "فضلة" كافور، فهو يُصَوّر نفسه عبدا مقيدا لحساب الممدوح الآخر/ سيف الدولة الذي أسبغ عليه من العطايا ما جعله يستغني عن عناء الارتحال لاستجداء/ شحاذة الآخرين. يقول:  
تَرَكتُ السُرى خَلفي لِمَن قَلَّ مالُهُ     وَأَنعَلتُ أَفراسي بِنُعماكَ عَسجَدا 
وَقَيَّدتُ نَفسي في ذَراكَ مَحَبَّةً          وَمَن وَجَدَ الإِحسانَ قَيداً تَقَيَّدا

هذه مجرد صور عابرة من تراث عريض في الاستجداء/ الشحاذة التي جرى تطبيعها على أوسع نطاق. وكل هذا التراث زاخر ـ فضلا عن الشعر والشعراء على سبيل التخصيص ـ بالقصص التي تحكي نماذج ثنائية: الاستجداء والعطاء. ففي هذا التراث، ستجد أن هذا يَستوهِب/ يستجدي ثوبا، وهذا يستوهب فرسا، وهذا يستوهب جارية أو غلاما، وهذا يستوهب دارا...إلخ صور تطبيع الشحاذة. والمُلفِت للنظر أن هؤلاء الذين يستجدون/ يشحذون ليسوا فقراء مُدْقِعين، ليسوا جَوْعى على حافة الموت، بل عندهم ما يسدّ رمقهم وأكثر، بل بعضهم عنده ما يكفيه وزيادة، ولكن تحوّل الاستجداء/ الشحاذة إلى قيمة إيجابية (= ذكاء تكسّبي !!!)، جعل كثيرين يمتهنونها دونما خجل أو إحساس بالعار. 

ولك أن تتخيّل كيف أن كتب الأدب زاخرة بأن فلانا يستوهب من فلان ثوبَه الذي يلبسه، أي أن الأقل غِنى يُعْجِبه ثوبٌ يلبسه الأكثر غنى، فيطلبه منه على سبيل التسوّل، فإن كان لابِسُ الثوبِ كريما ـ في عرف الثقاف العربية ـ أعطاه إياه، وإن كان بخيلا منعه. والثقافة العربية مُمَثَّلة في أدبها تُثْني على المُعْطِي هنا، وتَذمّ المانع. والأهم، أنها تسكت عن السائل/ المتسوّل/ الشحاذ، فيما أن مضمون الحكاية لا يسكت، بل يعدّ اقتناص "الغنيمة" من صور البراعة في تدبير المعاش.

إن تطبيع "التسوّل/ الشحاذة/ الاستجداء" لا يعني فقط أن إنسان هذه الثقافة يعيش مرحلة الإنسان البدائية: مرحلة الصيد الأولى/ الاقتناص، بل يعني ما هو أكثر وأخطر، وهو غياب قيمة العمل، أي يصبح الإنسان العربي مُبَرْمَجا على أن ما يَجنيه ليس مُقابلا لعمله، فبإمكانه أن يجني كثيرا وكثيرا، مقابل طَلبٍ مَجّاني عابر يمتهن فيه كرامته. ومعروف في الدراسات الاجتماعية أن منح المال لِلمتسوّلين القادرين على العمل، يرفع من عدد هؤلاء المتسوّلين، وفي الوقت نفسه ـ وهو الأهم ـ يقتل الرغبة في العمل من الأساس عندهم، وعند غيرهم أيضا؛ من باب استشراء عدوى التسوّل/ عدوى الكسل.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.