دراسة الأدب العربي.. إشكالية وتساؤلات
طرابيشي أرجع أعطاب الفكر العربي إلى ديناميّة ذاتية.

إذا كان المفكر العربي الكبير/ محمد عابد الجابري قد أرجع أعطاب العقل العربي إلى مؤثرات خارجية، طارئة، دخلت على العقل العربي في بداية تكوينه فأفسدته (تسببت في استقالته)، فإن المفكر العربي الآخر/ جورج طرابيشي ـ وهو الأوسع أفقا من الجابري في نظري ـ قد أرجع أعطاب الفكر العربي إلى ديناميّة ذاتية (ذات هوية عربية في الأساس). 

وتكمن هذه الدينامية الذاتية في تلك "التحولات السوسيو ثقافية" بطابعها الصراعي التنافسي، والتي انتهت بانتصار أهل الحديث/ النقل على أهل العقل انتصارا شعبويا ورسميا، وصولًا إلى تحريم وتجريم المعقول بوصفه عدوانا على حُرُماتِ المقدس/ المنقول.

في تصوري أن رؤية طرابيشي هي الأكثر وَجاهة؛ بقدر ما هي الأكثر موضوعية، والأقرب إلى التجرّد من مؤثرات التحيز الذاتي. ويدعم هذا الاتجاه الرؤيوي أن المآزق الكبرى في تاريخ العرب/ المسلمين بدأت في مرحلة مبكرة، في مرحلة تسبق حركة الترجمة الواسعة لـ"علوم الأوائل"، بل وتسبق الالتقاء التفاعلي بأبناء الأقليات الدينية والعرقية والحضارية الذين أصبحوا جزءا من مكونات الإمبراطورية العربية في أوج توسعها الاستعماري للشرق الأوسط والشمال الأفريقي وبلاد ما وراء النهر في آسيا الوسطى.

وبصراحة أكبر، لم تكن الأخلاقيات العربية (= أخلاقيات الأدب العربي التي هي ذاتها أخلاقيات الإنسان العربي) قادرة على صنع حضارة إنسانية متطورة ومنتجة على الصعيد المادي والروحي. صحيح أن الدين الجديد (= الإسلام) جاء مُحَمَّلا بطاقة أخلاقية لإدارة الشأن الداخلي العربي على مَبْدأي: العدالة والسلام، فضلا عن القيم الفرعية الأخرى، إلا أن "أخلاقيات الأدب العربي" هي التي ستسود لاحقا على حساب قيم الإسلام الجديدة، بل وستستدمجها في منظومتها على سبيل الاختراق من الداخل؛ وصولا إلى تحميل أدبيات الدين أهمَّ وأخطر مضامين أدبيات الأدب العربي القديم.

هل صاغ الفقهاء (ومن قبلهم الرواة الأثريون: ماكينة صناعة الحديث) تلك الأحكام التنظيمية/ القانونية والمُحَدِّدات الأخلاقية مُتَجرِّدِين من مُكَوِّناتهم الثقافية التي هي جملة منظومة الآداب العربية أم أن هذه الآداب كانت هي الأفق الثقافي المُحَدِّد لسقف وَعْيهم المعرفي الذي قاربوا من خلاله نصوص الدين الأولى؟

تحكي المنظومة الفقهية الإسلامية واقع "أخلاقيات الأدب العربي" بأكثر مما تحكي "أخلاقيات النص الديني الثابت: القرآن". فإذا كانت الأحاديث، من حيث هي مرويات محكية، تشابكت ـ مضمونيًّا، وبدرجة أقل نَصيًّا ـ مع المرويات الأثرية الأدبية، من قَصصٍ وحكايا وأخبار وحِكَمٍ وأمثالٍ وأشعارٍ، فإن النص القرآني وقف شاهدا على مستوى من التباين الذي يؤكد واقعة احتلال أخلاقيات الأدب العربي/ أخلاقيات العرب الأولى لـ"العقل/ الوعي" الذي أسّس ما يُسَمى بـ"الحضارة العربية الإسلامية"، ومن ثم؛ طبع وعي كثير من شعوبها بالقيم والمبادئ المُتَضَمّنة في الأدب العربي القديم.

مَن يقرأ المُدوّنات العربية الأساسية لـ"الآداب العربية" يقع على أخلاقيات تُشَكّل عصب مضامينها/ قيمها المركزية، وهي أخلاقيات/ قِيم لا تزال سائدة إلى اليوم في معظم أقطار العالم العربي، على اختلاف في درجة التَّمثّل والامْتِثال.

لقد تحدّثت في مقال سابق عن "العنف في الثقافة العربية"، محاولا فحص هذه الظاهرة من خلال ديوان العرب: الشعر العربي. لكن، لم يكن الشعر وحده ـ على أهميته القصوى ـ هو المؤثر الوحيد، إذ القصص والأمثال والحكم والأخبار كانت تُمارِس دورا مماثلا. كما لم تكن ظاهرة "تمجيد العنف" هي الظاهرة السلبية الوحيدة التي بقيت مفاعيلها إلى اليوم في واقع العرب، وأيضا في آمال وطموحات العرب؛ إن لم يكن على المستوى الواعي غالبا؛ فهي كذلك على المستوى اللاَّواعي في معظم الأحيان.

ما هي الأخلاقيات/ القيم التي تغرسها في وجداننا أمّهات المدونة العربية الأدبية؟ نحن نقرأ "الكامل" للمبرد، و"البيان والتبيين" للجاحظ، و"الأمالي" للقالي، و"عيون الأخبار" لابن قتيبة، و"الحيوان" للجاحظ، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه، و"الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، و"زهر الآداب" للحصري، و"البصائر والذخائر" للتوحيدي، و"خزانة الأدب" للبغدادي، و"ثمرات الأوراق" لابن حجة الحموي...إلخ، نقرأ كل ذلك بأشعاره وقصصه وحكمه وأمثاله وأخباره، على امتداد آلاف الصفحات، فنكتسب ـ واعين وغير واعين ـ قيما/ أخلاقيات، تُحَدّد نمط وعينا في الراهن، كما حدّدت من قبل نمطَ وعي أولئك الذي كتبوا تراثنا بكل فروعه، ومن هذا التراث ومن هؤلاء المُستلهِمين له، تتشكل هويتنا الثقافية اليوم، كما تشكّلت بالأمس، وكما ستتشكل في الغد القريب، وأيضا، كما ستتشكّل في الغد البعيد؛ إن لم نقطع عليها الطريق. 

مؤكد أن في هذا التراث الأدبي الكبير كثيرا من الإيجابيات، بل هي لم توضع أساسا إلا لتأكيد هذه الإيجابيات (المعترف ببعدها الإيجابي على المستوى الواعي)، مثل تمجيد الوفاء وتجريم الغدر، ومثل الرفع من قيمة "الإيثار"، وذم الأنانية، خاصة في فترات الكوارث وأزمنة الجوع، ومثل التأكيد على أهمية الصداقة ومراعاة آدب الجوار...إلخ القيم الإيجابية. ولكن، في المقابل، هناك القيم السلبية الخطيرة التي استحضرتها هذه المنظومة ـ أصالة أو عرضا ـ بوصفها قيما إيجابية، أو على الأقل، طبيعية، لا ضير منها ـ وِفْقَ المضمون القِيمي للمنظومة ـ في حدود تدبير ضروريات المعاش اليومي ! 

إن من أهم تلك القيم السلبية، كما ذكرت من قبل: تمجيد العنف واحترام الطغيان، ومنها أيضا، الفخر الكاذب والغرور الأجوف، وما ينبني عليهما من أنانية مقيتة تنتهي بالصراع المادي أو المعنوي، وبكليهما أيضا، كما في قول عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته: 
وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْـواً               وَيَشْـرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِيْنَـا
مَـلأْنَا البَـرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّـا                     وَظَهـرَ البَحْـرِ نَمْلَـؤُهُ سَفِـيْنَـا 

وهذا ليس فخرا كاذبا فحسب، بل هو أيضا كذب يُؤسِّس لوهم الإنجاز، أي للوهم الذي يعد مجرد القول فعلا، أو يستبدل القول بالفعل. ومن السلبيات أيضا تطبيع التّشاتم (= فن الهجاء)، وترفيعه ليكون من مقومات الصعود الأدبي للأديب، ومن أدوات الصراع الاجتماعي.

لكن، ومع أهمية كل ما سبق، يبقى أن السلبية الأخطر التي جرى تطبيعها بشكل واسع في المنظومة الأدبية كلها، من أولها إلى آخرها، هي: "الشحاذة"، والتي تطورت إلى: أدب الكُدية، ويُطلق عليه/ عليها أيضًا: أدب "الحيلة" و "التّسوّل" و"الاستجداء". وهي ليست ظاهرة لدى الشعراء العرب القدامى الذين أصبحوا "مجموعة شحاذين" أو "ممتهني تسوّل شعري" فحسب، بل تعممت في الأدب كله، فراجت لها القصص والحكايا والطرائف والأمثال والحكم، لتُعَزِّز منها كَقِيمة؛ إن لم تكن مطلوبة فهي مقبولة، بوصفها الطرف الآخر لقيمة الكرم والبذل والعطاء، أي الطرف الذي يستلزم وجود مُسْتميحِ كَرمٍ، وطالبِ بَذلٍ، ومُستجدي عَطاء.

الشعراء، الذين هم لسان العرب الناطق، كانوا مجموعة شحّاذين، بل ممتهني شحاذة/ مُتَسوِّلين بالشعر، ومُمَجِّدِين لهذا التسوّل في الوقت نفسه. ونادرا ما كان الشاعر ( الشاعر الذي هو: حارس القِيم) يستنكف عن هذا المسلك التَّسَفًّلي، فالأغلبية الساحقة كانوا كذلك: مُتَسوّلين، والقليل النادر جدا ـ كأبي العلاء المعري وعمر بن أبي ربيعة مثلا ـ كانوا يترفّعون عن هذا المسلك الشُّعَرائي الأدبي العام.

لم يكن التسوّل طارئا على الشعر/ ديوان العرب، بل رافقه منذ بداياته الأولى، حتى وإن وُصِف الشاعر الجاهلي الكبير/ النابغة الذبياني بأنه أول من تكسّب بشعره. فمثلا، نجد أن الشاعر الجاهلي المرموق/ زهير بن أبي سلمى، أحد أصحاب المعلقات، و الموصوف بتعفّفه، والمُعَمّد في التراث الأدبي كأقنوم أخلاقي للوسطية الأخلاقية، يقول لمن كان يُجْزِل له العطاء:      
 سَألْنا فَأَعْطَيْتُمْ وَعُدْنا فَعُدْتُمُ      وَمَن أكثرَ التسآلَ يوْمًا سَيُحْرَمِ

إذن، الشحاذة ليست حادثة طارئة على مسلكه، بل سأل/ تسوّل؛ فوجد يد العطاء تمتدّ له بالكثير، وإذْ طَمع بفعل العطاء السابق، مُسْتمرِئا الطُّعْم؛ عاد لِيَسأل/ لِيَشحذ من جديد، وسيكثر التسآل/ الشحاذة، مع معرفته بأن الإلحاح عليها سيوقعه لا محالة في موقف حرج، أي: سَيسأل يوما ما، ولن يجد مَن يُعطيه ما يَفِي بقيمة امتهان كرامته بالسؤال.

وبعد الإسلام الذي وضع مفهوم اليد العليا/ الباذلة، مقابل اليد السفلى/ الآخذة؛ كيما يحدّ من تغوّل هذه الظاهرة المهينة، بل لقد تضمّن أدبيات صريحة في النهي عن الاستجداء، ورفعِ قَدْرِ المُتَعفّفين من الفقراء، أقول: بعد الإسلام، بقي هذا التقليد العربي الأصيل (= الشحاذة) قويا، بل إنه نما وتطوّر وتشعّبت طُرُقه، فهذا الشاعر العربي الكبير/ جرير، يستجدي/ يشحذ ـ بطريقة في غاية الامتهان ـ قائلا لعبد الملك بن مروان: 
سَأَشْكُرُ أَنْ رَدَدْتَ إِلَيَّ رِيشِي        وَأَنْبَتَّ الْقَوَادِمَ فِي جَنَاحِي  
 أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا       وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ

ولقوة هذا التقليد/ الاستجداء عربيا، ولكونه متجذِّرا في عُمْق الثقافة العربية، لم يجد حتى أشدُّ شعراء العربية اعتداد بنفسه (= المتنبي) حَرَجًا في أن يقول لممدوحه (= كافور) على سبيل الاستجداء المُهين: 
أَبا المِسكِ هَل في الكَأسِ فَضلٌ أَنالُهُ    فَإِنّي أُغَنّي مُنذُ حينٍ وَتَشرَبُ

وكما يطلب ـ مستجديا ـ "فضلة" كافور، فهو يُصَوّر نفسه عبدا مقيدا لحساب الممدوح الآخر/ سيف الدولة الذي أسبغ عليه من العطايا ما جعله يستغني عن عناء الارتحال لاستجداء/ شحاذة الآخرين. يقول:  
تَرَكتُ السُرى خَلفي لِمَن قَلَّ مالُهُ     وَأَنعَلتُ أَفراسي بِنُعماكَ عَسجَدا 
وَقَيَّدتُ نَفسي في ذَراكَ مَحَبَّةً          وَمَن وَجَدَ الإِحسانَ قَيداً تَقَيَّدا

هذه مجرد صور عابرة من تراث عريض في الاستجداء/ الشحاذة التي جرى تطبيعها على أوسع نطاق. وكل هذا التراث زاخر ـ فضلا عن الشعر والشعراء على سبيل التخصيص ـ بالقصص التي تحكي نماذج ثنائية: الاستجداء والعطاء. ففي هذا التراث، ستجد أن هذا يَستوهِب/ يستجدي ثوبا، وهذا يستوهب فرسا، وهذا يستوهب جارية أو غلاما، وهذا يستوهب دارا...إلخ صور تطبيع الشحاذة. والمُلفِت للنظر أن هؤلاء الذين يستجدون/ يشحذون ليسوا فقراء مُدْقِعين، ليسوا جَوْعى على حافة الموت، بل عندهم ما يسدّ رمقهم وأكثر، بل بعضهم عنده ما يكفيه وزيادة، ولكن تحوّل الاستجداء/ الشحاذة إلى قيمة إيجابية (= ذكاء تكسّبي !!!)، جعل كثيرين يمتهنونها دونما خجل أو إحساس بالعار. 

ولك أن تتخيّل كيف أن كتب الأدب زاخرة بأن فلانا يستوهب من فلان ثوبَه الذي يلبسه، أي أن الأقل غِنى يُعْجِبه ثوبٌ يلبسه الأكثر غنى، فيطلبه منه على سبيل التسوّل، فإن كان لابِسُ الثوبِ كريما ـ في عرف الثقاف العربية ـ أعطاه إياه، وإن كان بخيلا منعه. والثقافة العربية مُمَثَّلة في أدبها تُثْني على المُعْطِي هنا، وتَذمّ المانع. والأهم، أنها تسكت عن السائل/ المتسوّل/ الشحاذ، فيما أن مضمون الحكاية لا يسكت، بل يعدّ اقتناص "الغنيمة" من صور البراعة في تدبير المعاش.

إن تطبيع "التسوّل/ الشحاذة/ الاستجداء" لا يعني فقط أن إنسان هذه الثقافة يعيش مرحلة الإنسان البدائية: مرحلة الصيد الأولى/ الاقتناص، بل يعني ما هو أكثر وأخطر، وهو غياب قيمة العمل، أي يصبح الإنسان العربي مُبَرْمَجا على أن ما يَجنيه ليس مُقابلا لعمله، فبإمكانه أن يجني كثيرا وكثيرا، مقابل طَلبٍ مَجّاني عابر يمتهن فيه كرامته. ومعروف في الدراسات الاجتماعية أن منح المال لِلمتسوّلين القادرين على العمل، يرفع من عدد هؤلاء المتسوّلين، وفي الوقت نفسه ـ وهو الأهم ـ يقتل الرغبة في العمل من الأساس عندهم، وعند غيرهم أيضا؛ من باب استشراء عدوى التسوّل/ عدوى الكسل.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.