المحادثات تنعقد وسط توقعات متدنية للغاية بإمكانية تحقيق اختراق نوعي
المحادثات تنعقد وسط توقعات متدنية للغاية بإمكانية تحقيق اختراق نوعي

المفاوضات التي ستبدأ هذا الأسبوع في جنيف بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة وروسيا من جهة أخرى لاحتواء التوتر على الحدود الروسية - الأوكرانية ومعالجة تهديدات الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بغزو أوكرانيا إذا لم يتلق تأكيدات رسمية بعدم انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تنعقد وسط توقعات متدنية للغاية بإمكانية تحقيق اختراق نوعي يرضي روسيا والغرب ويحمي أوكرانيا من طموحات بوتين التوسعية. 

وحتى قبل بدء المفاوضات التي ستنتقل لاحقا إلى فيينا استمرت المشاورات بين الولايات المتحدة وحلفائها حول طبيعة العقوبات الاقتصادية والمالية والتقنية التي سيفرضونها لمعاقبة روسيا في حال اجتياحها للأراضي الأوكرانية على خلفية وجود اجتهادات مختلفة ومتضاربة بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية حول ما إذا كانت هذه العقوبات ستشمل إجراءات جذرية وغير مسبوقة مثل حرمان روسيا من النظام المصرفي العالمي، ومعاملتها كدولة مارقة مثل إيران وفنزويلا، أو إلى مدى ستشمل العقوبات قطاع الطاقة وخاصة في ظل اعتماد الدول الأوروبية، وخاصة ألمانيا على الغاز والنفط الروسي. 

ما هو واضح حتى الآن أن سلة العقوبات الأميركية المحتملة لن تشمل خيار استخدام القوة العسكرية لمواجهة أي اجتياح روسي جديد لأوكرانيا، وهذا أمر أكده الرئيس بايدن شخصيا، وإن أكد أيضا أن واشنطن ستعزز وجودها العسكري في دول أوروبا الشرقية التي انضمت إلى الحلف بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك حلف وارسو، وزيادة تسليح أوكرانيا، إذا قرر بوتين اللجوء إلى الخيار العسكري.

وتجد الدبلوماسية الأميركية نفسها في بداية 2022 في مواجهة مفاوضات صعبة وغير واعدة في جنيف وفيينا مع خصمين عنيدين: روسيا وإيران، وكأنهما يريدان منع إدارة الرئيس بايدن من تركيز طاقاتها ومواردها وجهودها على مواجهة التحدي الاقتصادي والاستراتيجي الكبير في القرن الحادي والعشرين الذي تمثله الصين في شرق آسيا والعالم لنفوذ ومكانة الولايات المتحدة كدولة عظمى. 

المحللون الذين يراقبون المفاوضات مع روسيا حول أوكرانيا، ومع إيران حول إحياء وربما تطوير الاتفاق النووي الموقع في 2015، يقولون إن الأسابيع القليلة المقبلة سوف تضع إدارة بايدن أمام خيارات صعبة إذا صحت التوقعات بوصول المفاوضات على المسارين إلى طريق مسدود. 

ويأمل المسؤولون الأميركيون بإقناع الرئيس بوتين بتقليص التوتر على الحدود مع أوكرانيا من خلال وضع قيود على نشر الصواريخ المتوسطة المدى في أوروبا تشمل الولايات المتحدة وروسيا، وكذلك التزام الطرفين بتقليص حجم ومدى المناورات العسكرية في القارة وإبقائها بعيدا عن الحدود الحساسة.

وأثار وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، في مقابلات أجراها يوم الأحد احتمال إحياء اتفاقية الحد من الصواريخ النووية المتوسطة المدى في أوروبا الموقعة بين واشنطن وموسكو في 1987، والتي اتهمت إدارتي الرئيسين باراك أوباما ودونالد ترامب موسكو بانتهاكها، مما أدى إلى انسحاب واشنطن منها في 2019. 

ولكن الولايات المتحدة أوضحت قبل المفاوضات أنها لا تعتزم تقليص عديد قواتها ومستشاريها العسكريين في دول أوروبا الشرقية والوسطى. ولكن هذه المقترحات، التي ترفض واشنطن تسميتها "تنازلات"، لا ترقى إلى جوهر مطالب الرئيس بوتين وخاصة الحصول على ضمانات رسمية بعدم انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو. 

صحيح أن أوكرانيا تريد الانضمام إلى حلف الناتو، ولكن الواقع هو أنه لا الولايات المتحدة ولا دول أوروبا الهامة، وفي طليعتها ألمانيا تريد انضمام أوكرانيا إلى الحلف في أي وقت قريب، وربما ليس في أي وقت، لأن هذه الدول تدرك أن ذلك سيكون بمثابة استفزاز قوي لروسيا بسبب علاقاتها التاريخية السياسية والثقافية والاقتصادية بأوكرانيا. 

ولكن الولايات المتحدة وحلفائها لا يستطيعون تأكيد هذا الموقف لأنه سيكون بمثابة رضوخ علني لشروط بوتين. 

في عام 1991 وصف الرئيس بوتين تفكك الاتحاد السوفياتي بأنه "أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين" واعتبر ذلك "انهيار روسيا التاريخية تحت اسم الاتحاد السوفياتي". ومنذ وصوله إلى السلطة يسعى بوتين لاستعادة نفوذ موسكو في الدول التي كانت منضوية تحت سلطة الاتحاد السوفياتي، أو تحت نفوذ الإمبراطورية الروسية، وأكثر ما يتجلى هذا الهاجس هو في أوكرانيا التي تعتبر موطن الثقافة الروسية السلافية. 

ويمكن في هذا السياق فهم عداء بوتين العميق لحلف الناتو، ولتوسع هذا الحلف شرقا باتجاه الحدود الروسية بعد تفكك الاتحاد السوفياتي خلال إدارة الرئيس بيل كلينتون. 

ووفقا للسردية الروسية، وتحديدا ما يقوله ويدعيه بوتين في خطبه وتصريحاته ومؤتمراته الصحفية هو أن المسؤولين الأميركيين ومن بينهم وزير الخارجية الأسبق، جيمس بيكر، خلال ولاية الرئيس جورج بوش الأب، وغيرهم من المسؤولين الأوروبيين وتحديدا السياسيين الألمان خلال مناقشة إعادة توحيد ألمانيا، وعدوا المسؤولين الروس آنذاك بان حلف الناتو لن يتقدم "بوصة واحدة" بعد توحيد ألمانيا باتجاه الشرق والحدود الروسية.

ويدعي بوتين أن الغرب قد نقض هذا الوعد واستغل ضعف روسيا خلال ولايتي الرئيسين ميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسن.  

ولكن الواقع، والوثائق الرسمية، وتأكيدات غورباتشوف نفسه تدحض ادعاءات بوتين. الوعود الأميركية والغربية كانت تتعلق بالاتفاق المتعلق بتوحيد ألمانيا في 1990 والقاضي بعدم نشر أي جيوش تابعة لحلف الناتو (غير ألمانية) في الأراضي التي كانت تعرف في السابق الجمهورية الديمقراطية الألمانية: أي ألمانيا الشرقية. 

ولكن الاتفاق لم يتطرق إلى توسيع الحلف إلى دول أوروبا الشرقية التي كانت في السابق جزءا من حلف وارسو مثل بولندا وغيرها. في الواقع، لم يكن هناك في 1990 أي تفكير جدي أو عملي في توسيع حلف الناتو شرقا.

عدم وجود وعود أميركية أو  أوروبية بعدم توسيع حلف الناتو شرقا، لم يمنع غورباتشوف ويلتسين من الاعتراض لاحقا على توسع الحلف شرقا خلال إدارة الرئيس بيل كلينتون، في الوقت الذي كانت فيه روسيا في وضع ضعيف ودفاعي. ويمكن القول إن توسيع الحلف شرقا كان انتهاكا لروح التفاهم بين روسيا والغرب على إعادة توحيد ألمانيا، وهو تطور اعتبر آنذاك بمثابة تنازل روسي كبير. (رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك مارغريت تاتشر لم تكن متحمسة لإعادة توحيد ألمانيا أيضا).

واعتبر بعض المحللين الاستراتيجيين توسيع حلف الناتو شرقا باتجاه الحدود الروسية في تسعينات القرن الماضي بمثابة استفزاز غير مبرر لروسيا، وخاصة في لحظة ضعفها السياسي والاستراتيجي والاقتصادي عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، ولأن توسيع الحلف سيعزز المخاوف الروسية (البارا نويا) التقليدية من أن الدول الأوروبية والولايات المتحدة يحاصرونها من جديد كما فعلوا بعد الثورة البولشيفية في 1917. 

بعض الخبراء في الشؤون الروسية وصفوا توسيع الحلف ليشمل دول حلف وارسو السابقة بمثابة "قنبلة زمنية تحضرها الولايات المتحدة لنفسها". ورأى البعض أن الرئيس الأسبق كلينتون أيد انضمام بولندا وغيرها إلى الناتو خلال انتخابات الرئاسة في 1996 لكسب أصوات الأميركيين المتحدرين من أصول أوروبية شرقية.

المخاوف أو البارانويا الروسية من غزو أوروبي أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية للروس، وهي ذاكرة ليست مبنية فقط على غزو نابليون لروسيا في 1812 أو هتلر في 1941، وهي تشمل أيضا ذكرى الغزو الأميركي "المنسي" لروسيا في 1918 والذي كان منسقا مع غزو أوروبي لروسيا لإحباط الثورة البولشيفية التي انسحبت من الحرب ضد ألمانيا للتخلص من النظام الجديد وإعادة روسيا إلى الحرب.

الرئيس وودرو ويلسون نشر 13 ألف جندي في منطقتين في روسيا انضموا إلى قوات أوروبية، حيث بقيت هذه القوات في روسيا حتى سنة 1920.  وإذا كان هذا الغزو الأميركي الفاشل لروسيا منسيا في أميركا، فإنه قطعا غير منسي في روسيا، وخاصة لدى الرئيس بوتين.  

طموحات فلاديمير بوتين توسعية بامتياز، كما يتبين من ضمه لأراضي كانت تابعة لجورجيا في 2008، واحتلاله وضمه لشبه جزيرة القرم الأوكرانية في 2014 ، وتدخله العسكري الحالي في كازاخستان.

وبوتين يحكم روسيا بقبضة حديدية ويشرف على نظام أوليغارشي فاسد يقمع الحريات الفكرية  والسياسية. لا يمكن تبرير أو تفسير غزو روسيا لأوكرانيا في 2014، أو تهديداتها المستمرة بغزو آخر، ولكن مخاوف روسيا من توسع حلف الناتو شرقا باتجاه حدودها ليست مخاوف غير عقلانية. توسع حلف الناتو شرقا خلال ولاية الرئيس بيل كلينتون، لم يكن خطوة حكيمة، كما لم يكن ضم بعض دول أوروبا الشرقية الشيوعية سابقا مثل هنغاريا وبولندا إلى الاتحاد الأوروبي خطوة حكيمة بسبب التقاليد الديمقراطية الضعيفة في هذه الدول، كما يتبين من بروز الممارسات الأوتوقراطية الأخيرة فيها. 

كم صعب التنبؤ بما سيقوم به بوتين تجاه أوكرانيا. ولكنه قادر على التصعيد دون الوصول إلى غزو تقليدي. يمكن أن يعزز من قواته وتدخله العسكري في شرق أوكرانيا حيث يدعم الانفصاليين الروس في منطقة دونباس، أو يمكن أن يشن "غزوا" إلكترونيا ليشّل المؤسسات الأوكرانية، لأن مثل هذا التصعيد قد يدفع بالدول الأوروبية إلى عدم الوقوف وراء أي عقوبات أميركية قوية وفعالة. الأمر المؤكد هو أن الرئيس بايدن سوف يواجه في 2022 تحديات قديمة- جديدة من الدول الأوتوقراطية وأبرزها الثلاث: روسيا، الصين وإيران، التي يقول إن الصراع معها هو الصراع المركزي في القرن الحادي والعشرين.  

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.