يستعد الأردنيون للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات النيابية لاختيار أعضاء مجلس لنواب
جلسة لمجلس النواب الأردني

في صالونات عمان السياسية هناك دوما محور عام عموما يتحدث به الجميع: مخرجات لجنة الإصلاح والتعديلات الدستورية ومشاريع القوانين التي يقرها البرلمان.

ما يقوله النواب في خطاباتهم الطويلة والاستعراضية المملة لا وزن حقيقيا له، الكل يعلم أن المجلس بنوابه وكل مهاتراتهم البلاغية المتشنجة ليس أكثر من عواصف في فنجان مقلوب، وأنهم في المحصلة سيقرون كل ما سيردهم من حكومة يتحدث الجميع أيضا أنها لا تبذل الحد الأدنى من الجهد للدفاع عن مشاريعها أمام البرلمان! لا أحد ينتقد غياب الحكومة في المعارك البرلمانية، لكن النقد الواضح يكمن في غياب الحكومة عن الناس، عن الحضور الإعلامي "اللازم والضروري" لتوضيح الملتبسات على الأقل في أهم تعديلات تشريعية تشمل فيما تشمل الدستور، وتتضمن تغييرا جوهريا في قوانين تنظم الحياة السياسية في دولة تدخل مئويتها الثانية بارتباك رغم أن رئيس الوزراء في مؤتمر صحفي "نادر" تحدث فيه مؤخرا عن دخول مئوي ثابت ومستقر وراسخ ( طبعا ليس متوقعا أن يقول رئيس الحكومة غير ذلك).

في الصالونات السياسية هنالك حوارات ثرية، لا معنى لها أمام برلمان أقر فعليا معظم المخرجات كقوانين، ولا يزال مستمرا في عمله.

في الشارع، واقع يائس ومختلف، مشغول بلقمة عيش صعبة لا يمكن ملاحقتها بحزب سياسي، وفي الشارع غضب متشعب وكامن لا يمكن تفجيره إلا إذا توحدت فتائله المختلفة والمتشتتة بفتيل واحد، والمشترك الوحيد بينها جميعا هو الفقر.

ما يجمع الشارع "الغاضب" والصالونات "العاتبة" أن سقف الحديث فيها مرتفع جدا، والشعور بالخطر من حالة "التسكين" لا يمكن إخفاؤه.

غالبية النقاشات في الصالونات تتمحور حول "التحولات الداخلية المتسارعة" لكن الحوارات تغرق في التفاصيل حد الابتعاد عن المشهد الأردني بوقائعه الداخلية اليومية، وواقعه الإقليمي والدولي المتحول أيضا بتسارع لا يرحم.
--
غالبية الحوارات تتحدث عن مشروع دولة بحياة سياسية حزبية وحكومات برلمانية سياسية.
طيب.. فلنفكك العبارات ونعيد تركيبها على الوقائع والواقع.

الدولة التي نتحدث عنها فيها وعليها ما يلي:

-    الدولة فعليا لم تعد ريعية، عصر الامتيازات "الرسمية" انتهى، والدولة غير قادرة على "الإعالة" بالمفهوم التقليدي الذي اعتاده الأردنيون، وهذا يعني ببساطة أن القطاع الخاص يجب أن يكون مستعدا للنهوض وتعبئة فراغ "الريعية" بمفاهيم إنتاجية صحية ومتعافية.

-    القطاع الخاص، ببساطة ووضوح، غير مستعد، هو نفسه رهن تشريعات "إدارية" بنكهة سياسية كانت تضع أكبر منشأة فيه تحت رحمة "الأفندي موظف الميري"! ولا تزال. مع الأخذ بعين الإعتبار ان الأفندي غاضب وعاتب ومستفز ومتسلط أكثر من قبل.

-    الدولة، التي لم تعد ريعية ومحكومة بتشريعات تنظم جهازها البيروقراطي الراسخ والعنيد، تم اختراق بيروقراطيتها "التي كانت سر نجاحها أيام كانت ريعية" بتفريعات مؤسسية وهيئات مستقلة تتشابك أدوارها مع الوزارات والمؤسسات القديمة المعنية، والتشابكات وصلت حدا من الإرباك بحيث أنه أصبح من العادي أن تتقاطع أدوار وزارة يرأسها وزير "مستحدث" مع مؤسسة مستقلة حديثة يرأس مجلسها ذات الوزير، وكل ذلك يحدث باسم القوانين.

-    الدولة، التي لم تعد ريعية ومحكومة بتشريعات ريعية بيروقراطية ومخترقة بتفريعات الهيئات المستقلة ذات نكهة القطاع الخاص الحديث، أيضا يتم إدارتها بنفوذ خفي وشبحي من مراكز قوى تجاوزت الجماعة الأمنية، إلى نخب تتقاطع مصالحها حتى تصل إلى التناقض فتتصارع على ساحة الدولة "المرتبكة". والكل يختفي خلف الملك.

-    الدولة، بمعناها الضيق المحصور بالحضور الرسمي لمؤسساتها السيادية والخدمية فقدت كثيرا من مصداقيتها أمام الشارع الذي يتصاعد غضبه يوما بعد يوم.

حسنا، أنت - كصاحب قرار- هنا مطالب بتنظيف كل ذلك، وإعادة تأهيل الدولة من جديد لتكون بكامل عافيتها مهيأة لدخول العصر الجديد من الإصلاحات.

لكن، هذا لا يكفي، فهناك أيضا، مفهوم المواطنة، وهو حجر الأساس لتكون هناك دولة مؤسسات وقانون تحت دستور ينص على أن "جميع الأردنيين أمام القانون سواء". وهذا نص دستوري جميل ونبيل ومحترم بكل كثافته المختصرة، لكنه غير صحيح على أرض الواقع، مما يجعلنا نفكك مفهوم المواطنة أيضا:

-    المواطنة في الأردن مرتبطة "قانونا وبالتعليمات" بالرقم الوطني الأردني، جواز السفر ليس إثبات مواطنة أكثر منه وثيقة سفر قد تحمل الرقم الوطني أو تخلو منه.

-    المواطنة في الأردن كانت مستقرة منذ بدايات الدولة اكثر منها اليوم، فالمواطنة في الأردن خاضعة "للرقابة والتفتيش" الرسمي والشعبي.

-    مفهوم المواطنة في الأردن أصابه الإرتباك لسبب عميق وجوهري يتعلق بالضفة الغربية التي هي جزء لا يتجزأ "دستوريا" من المملكة الأردنية الهاشمية، حتى أن الدستور الحالي المعروف بدستور 1952، والذي تدور حوله التعديلات، قائم أساسا على أن المملكة جغرافيا بضفتين، شرقية وغربية. هذه الوحدة مزقتها فكرة "التمثيل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني" منذ عام ١٩٧٤ في قمة الرباط، وانتهت بقرار مزاجي غاضب وغير دستوري أعلنه تلفزيونيا الملك الراحل حسين، ولم يصدره حتى مجلس الوزراء ولم يوقعه الملك.

-    هذا الإرباك "السياسي" الذي افتعلته مناكفات منظمة التحرير الفلسطينية، أنهى واقع المواطنة الصحية والثابتة لكثير من مواطني الضفة الغربية، والذين انتهوا "رعايا" في حالة تعويم لسلطة منتهية الصلاحية بالكاد تسيطر على رام الله وضواحيها.

-    في الأردن، نصف المواطنين "على الأقل" من أصول فلسطينية، وغالبيتهم يعيشون حالة رعب حال اقتراب استحقاق تجديد جواز سفر أي منهم، في رحلة مرعبة قد تنتهي بسحب المواطنة أو النظر بعين الريبة الرسمية في تلك المواطنة بمجرد تحويلهم إلى مبنى حكومي اسمه" الرقابة والتفتيش".

-    تلك المواطنة "المذعورة" انسحبت على باقي تفاصيل حياة "نصف المواطنين" فعليا، وهو ما يمكن تلمسه منذ حقبة "الدولة الريعية" التي كانت تمارس المفاضلة في التعيينات الحساسة بين شرق النهر وغربه.

-    طبعا، من الممكن فهم الزاوية الأمنية في الحذر من "الانتماءات الفصائلية" بعد تاريخ من المناكفات بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية والدولة الأردنية منذ أحداث الشغب الداخلي في أيلول ١٩٧٠، والتي تصر الأدبيات البائسة للمنظمة أن ترسخها إعلاميا بأيلول الأسود، فيأتيك الرد البائس أكثر من الطرف الأردني "الشوفيني"بأنه "أيلول الأبيض"، مما يعكس حالة لا واعية من تبني تلك الأدبيات البائسة.

-    المواطنة في الأردن، مفهوم تتنازعه أجندات متنازعة، بين منظمات مجتمع مدني مهتمة بالتمويل المستمر والسخي لتمرير برامج ميوعة سياسية لا معنى لها واقعيا، أو يمين أردني - إن جاز التعبير- يتحول إلى شوفينية متعصبة تحاول خلق أيقوناتها التاريخية الرمزية بالغصب عن التاريخ نفسه، أو يسار فصائلي منهك يحاول التعافي عبر نقض مفهوم الدولة الأردنية بنفس انتقامي، أو اختراقات إقليمية من الخارج تحاول زعزعة الأمن الداخلي الأردني لتمرير صفقات إقليمية تضع الأردن بضفتيه على الرف المنسي والمهمل.

كيف يمكن أن تنشيء حالة حزبية سليمة بأحزاب تمثل تيارات تعكس حاجات الناس، والخروج من متاهة حلزونية من المناكفات التاريخية التي لا تزال تضع "حركة فتح" في قوائم انتخابية واضحة المعالم؟ كيف يمكن أن تقنع المخيمات "التي لم تعد مخيمات فعليا" أنها جزء من الحياة السياسية المحلية؟

المواطنة، مفهوم واضح، لكنه معقد وشائك ويحتاج من الدولة أن تحدد موقفها مرة واحدة وإلى الأبد في علاقتها مع الضفة الغربية، ومن مكانها في الإقليم بشجاعة وحسم.

نعم، الدولة الأردنية بحاجة إصلاحات سياسية، ربما إعادة بناء سياسي جديد يتفاهم مع العالم الذي نعيشه، وهذا بلا شك يتطلب التخلي عن المفهوم الريعي لها إلى مفهوم الدولة الحديثة التي تديرها المؤسسات ويحكم العلاقات فيها القانون العصري والحديث، لكن الدولة الأردنية "في حالها الراهن" بحاجة إلى استعادة ذاتها المختطفة من قبل مراكز قوى تنازعتها وأنهكتها واستنزفتها، والدولة بحاجة إلى ترسيخ مفهوم المواطنة فتكون تلك القوانين الحدثة ذات قيمة ومعنى فاعل.

والدولة الأردنية، بحاجة ماسة بكل مكوناتها الأهلية والرسمية أن تعيد تأهيل الوعي الجمعي الذي تعرض للمسخ والتشويه، تأهيله "معرفيا وتربويا" وإنضاجه بمفاهيم التعددية وسلطة القانون وقوة الدستور، الدستور الذي يخضع له الجميع، بما فيه رأس الدولة - الملك، المكلف بصيانته وحمايته.

حينها، يمكن الحديث بسهولة ومرونة وبدون تكلف إنشائي عن حكومات برلمانية وحياة حزبية ودولة مواطنة متساوية قوية بجبهتها الداخلية وقادرة على التموضع باستقرار في إقليم يتم تفكيكه وتركيبه من جديد.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.