FILE PHOTO: Chinese President Xi Jinping waves next to Premier Li Keqiang and former president Hu Jintao at the end of the event marking the 100th founding anniversary of the Communist Party of China
الرئيس الصيني خلال الاحتفال بمئوية الحزب الشيوعي الصيني.

ربما أن الصين لا تروّج لنموذجها. غير أن هذا النموذج هو اليوم عرضة للاستدعاء من جانب أكثر من طرف، في المحيط العربي كما في غيره، وتلقّيه يأتي محكوماً لا باعتباراته الموضوعية، بل بالحاجات الذاتية للأطراف التي تستدعيه، في ظل غياب الدفاع الغربي المطلوب عن النظام السياسي القائم على سيادة المواطن.

في حين أن الصين هي قضية نفوذ واستقرار من وجهة نظر واشنطن، فإن استدعائها كنموذج لاعتبارات محلية خارج حلبة التنافس على النفوذ العالمي من شأنه مضاعفة مخاطر المغامرات غير المحمودة، والتي قد تتورط بها الصين.

قبل الجائحة، كان موضوع صعود الصين، اقتصادياً وفيما يتعدى الاقتصاد، المسألة الأولى الشاغلة للمتابعين للشأن السياسي الطويل المدى في الولايات المتحدة. الهدف يومئذ، بل هو الهدف المستمر اليوم، كان تحقيق طابع "هادئ" لهذا الصعود. أي ألا تصرف المكاسب الاقتصادية للصين سلوكاً سياسياً أو عسكرياً متهوّراً يزعزع الاقتصاد العالمي.

خلافاً للتصورات المبنية على الرغبات الأهوائية، التي تتمنى السقوط للولايات المتحدة، الصين لم تكن تشكل، ولا هي اليوم تفعل، خطراً وجودياً للتفوق الأميركي في المستقبل المنظور، بل القناعة الغالبة هنا، والمبنية على الترابط بين مصادر قوة الصين ومقومات القدرة الأميركية، كأن تكون ثروة الصين بالدولار في معظمها، وأن تبقى الصين مصنع إنتاج للابتكار الأميركي، تضع المسألة الصينية في إطار معالجة التطورات بما يضمن المحافظة على مصالح الولايات المتحدة وتفوقها ويعود بالفائدة على الصين. هو منطق الكسب للجانبين، وإن كان طبعاً الغرض ضمان الكسب للذات بالدرجة الأولى.

ثمة إدراك متحقق في واشنطن أن أوساط عديدة في الصين، بما في ذلك القيادة السياسية تسعى جاهدة لتبديل هذه المعادلة باتجاه مطلق الاستقلالية، وباتجاه إنجاز ما تعتبره حقاً طبيعياً للصين بقيادة العالم، كالدولة الأولى من حيث السكان للتوّ، ومن حيث الاقتصاد، في المستقبل القريب، بل ربما من حيث النفوذ السياسي والعسكري على المدى المتوسط أو البعيد.

على أن هذه الرغبات، من وجهة نظر أميركية، ليست خطيرة لإمكانية تحقيقها، إذ هي، بنظرها، مبالغات غير متوافقة مع المعطيات الوقائعية. بل هي خطيرة لما قد تؤدي إليه من إقحام الصين في مغامرات، وإن كانت محتومة أو تكاد بالفشل في نهاية المطاف، من شأنها الإضرار بالاستقرار العالمي. القلق في واشنطن ليس أن الصين غير مدركة لحتمية الأذى، ولكن أنه ثمة من يرضى به لنفسه إذا كان في قدره الأكبر من نصيب نفوذ الولايات المتحدة.

أي أن إقدام الصين على "استعادة" تايوان قد يؤدي إلى تقويض الترتيب العالمي القائم، بما يتسبب باستنزاف مرحلي للمصالح الصينية، في حين أن المكسب الفوري منه يبقى رمزياً بالدرجة الأولى، غير أن هذا الاستنزاف، على سوئه، يبقى أقل من الضرر الذي قد يصيب الولايات المتحدة، مباشرة في حال تورّطت بالدفاع عن تايوان، وإن بقدر محدود، وغير مباشرة، في ظل الارتباك الحاصل في واشنطن، من خلال توظيف الهيبة الصينية المستجدة حينها لضمان المجال الآسيوي برمّته كمنطقة نفوذ صينية. أي أن التوازن المترتب بعد المغامرة سوف يأتي بأفضلية صينية.

رغم الطبيعة المركزية للنظام السياسي في الصين، فإن القناعة في واشنطن هي أنه ثمة نزعات متواجهة في صياغة السياسة الخارجية المستقبلية للصين تعبّر عن مصالح غير متطابقة، بين من يتوق إلى صرف سريع لفائض النفوذ الاقتصادي لإخراج القدرة العسكرية للصين، وبين من يدعو إلى التروّي، كسباً للمزيد من النفوذ.

جهود الصين باتجاه أفريقيا قد أثمرت شراكات وحضور، وإن لم تصل إلى مستوى الطموح. مساعي الصين للاستثمار والحضور وشراء العقارات والمؤسسات في أوروپا  سائرة، وإن اعترضتها مساعٍ أميركية صريحة، وأخرى محلية، لوضع سقف لها. شراكة الصين مع روسيا وإيران، وهي مرحلية رغم زعم إمكانية الارتقاء بها، كما استفادة الصين من الانسحاب الأميركي من أفغانستان لتعزيز اندفاعها باتجاه آسيا الوسطى، وحضورها في پاكستان، وعلاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج، تندرج كلها في إطار رؤية شاملة، من البنية التحتية التي تجسدها مبادرة "الحزام والطريق"، إلى ربط النخب الحاكمة في مختلف الدول ذات الأنظمة السلطوية بعلاقات مصلحية طويلة الأمد مع الصين.

ما كان غائباً، إلى أمس قريب، هو صيغة نظرية فكرية متجانسة تطرح ما تقدم عليه الصين على أنه نموذج منافس للنموذج الغربي، والذي ساد على الفكر السياسي العالمي منذ الحرب العالمية الثانية، مستفرداً الساحة الفكرية العالمية بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وإفلاس الطروحات الشيوعية قبل ثلاثة عقود.

ما حصل في الأعوام القليلة الماضية هو اختلال النموذج الغربي إثر تصاعد الشعبوية والميول السلطوية والتعبئة الفئوية، ولا سيما مع وصول دونالد ترامپ إلى البيت الأبيض، لتخرج الاعتراضات على النموذج الغربي من إطارها الهامشي المحدود إلى صدر المواجهة الفكرية في العالم.

خلافاً لروسيا، والتي عمدت قيادتها إلى الاستفادة الصريحة من الارتباك الفكري في العالم الغربي، لم تبدّل الصين منهجيتها بشكل ملموس، وإن تكرّر على لسان مسؤوليها الإشارة إلى التخبط والنفاق، ليس في خطاب السياسيين الغربيين وحسب، بل في النموذج السياسي الغربي بحدّ ذاته، باعتباره رهينة للمال والترويج الدعائي.

ثم كانت الجائحة، والتي تمكنت الصين من استيعابها ميدانياً، ومن تجاوز عواقب تحميلها المسؤولية إزائها، عبر حملة مكثفة من المساعدات لمختلف الأطراف الصديقة والمحايدة، ما يضع الصين اليوم في موقع القدرة على طرح إقدامي لنموذجها.

ولكن الصين لا تعمد إلى الترويج الصريح عبر الإعلام والفكر. يمكن مع ذلك، استقرائياً واستنتاجياً، رسم معالم هذا النموذج سواء من حيث النظرية أو من حيث التطبيق. ورغم أن تجسيد هذا النموذج، وتسميته في الأوساط المناوئة للصين في الغرب، تربطه بالحزب الشيوعي الصيني، فإن أصوله وأسسه مستقاة لا من طروحات الوجوه الكبرى في التاريخ الشيوعي، ماركس، لينين، ستالين، ماو، بل من التراث الكونفوشيوسي المتعدد الألفيات.

ثلاثة أسس تحكم هذا النموذج: أولاً، الولاء والطاعة لمستحقيها من أولياء الأمر والسلطان، أي الأب والشيخ والحاكم. ثانياً، الالتزام بالفضيلة في السلوك الفردي والاجتماعي. وثالثاً، الاجتهاد بطلب العلم والسعي إلى النجاح والإنجاز والتفوق.

تصبح مهمة الدولة بالتالي قيادة المجتمع ومراقبة سلوك أفراده وتوفير فرص التعليم والعمل لهم.

ثلاثة مقومات ارتقت عالمياً في العقود الأخيرة إلى مصاف المسلمات في الأمور العامة تتراجع ضمن هذا النموذج: أولاً، الحرية الفردية، إذ هي مقيدة ومشروطة بمفهوم مستفيض للصالح العام. ثانياً، الاختلاف والتعددية والتنوع، والتي تنحدر من اعتبارها ثروة فكرية وحضارية إلى اشتراط امتثالها لمشترك عام الخروج عنه مرفوض. ثالثاً، مساءلة الحاكم وفق آليات مستقلة، والتي يستعاض عنها بالشكوى والرجاء بما لا يطال هيبة الحاكم.

مسؤولية الدولة بالتالي مضاعفة مراقبة المواطن والمجتمع ومنع نشوزهما، وكبح أي اعتراض على أدائها خارج إطار التوسّل الهرمي.

في المحيط العربي، في هذه الاعتبارات المسحضرة والمغيّبة ما ينسجم ويتلاقى مع طروحات كل من السلطويات الأبوية، سواءاً منها الملكية أو الجمهورية، والحركات الإسلامية، واليسار «الطليعي».

مع اندثار تجربة "الربيع العربي"، والتي أطلق رصاصة الرحمة عليها الانقلاب السلطوي في تونس، يكاد الجدل حول صلاحية النموذج الغربي لبلاد المنطقة أن ينطفئ في ممارسات تتكرر بالاتجاه المعاكس. ما تقدّمه الصين، من خلال الاستدعاء لا الطرح، هو النموذج "الناجح" البديل، والذي من شأنه إثبات صحّة التوجهات السلطوية.

الفرصة متاحة للجانبين، الصيني والذي لم يعقد العزم بعد على الانتقال من الممارسة العملية إلى الترويج النظري، والمحيط العربي (وما يتعداه) والذي تحتاج فيه السلطة والمعارضات إلى نموذج ناجح تطرحه للاعتبار.

ربما أن البرهان على تحول هذا التلاقي المصلحي الممكن إلى واقع فعلي يأتي في الصمت المتواصل الوضيع في كافة دول المنطقة، حكومات ومعارضات، إزاء واقع الأويغور، والذين يواجهون إبادة موصوفة ترتكبها الصين، وإن دون إراقة هائلة للدماء.

على أن إمكانية المزيد من الاستثمار لهذا التلاقي قائمة، لا بفعل التوافق الموضوعي وحسب، إنما بفعل الضعضعة التي أصابت الصف الغربي، ولا سيما الولايات المتحدة، والتي كشفت عن مواطن الخلل في تطبيق النموذج السياسي القائم على الحرية الفردية والتمثيل السياسي الصادق.

الحقيقة التي لا مفر منها هي أنه مع انعدام المقدرات الذاتية للأوساط الملتزمة بهذه المبادئ في المحيط العربي، فإن التردي الغربي يفتح الباب على مصراعيه لنفوذ ليّن واسع للصين، وإن كانت الصين إلى اليوم لا تعطيه أولوية عالية.

والصين في حال استفاض نفوذها قد تكون أكثر اطمئناناً إلى إمكانية استيعاب النتائج السلبية للمغامرات. فالمسألة تنتقل هنا من الطابع العرَضي الجانبي إلى صلب التوجس الأميركي من انهيار الاستقرار العالمي.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.