ضحايا نظام ستالين 9 ملايين نسمة على الأقل
ضحايا نظام ستالين 9 ملايين نسمة على الأقل

تُعبِّر الأيديولوجيا بمختلف أنواعها عن وعي زائف يُحركه التوق الذاتي وليس الواقع الموضوعي نحو تحقيق أهداف مرغوبة, أهداف تكون في الغالب غير قابلة للتطبيق والتحقق, ولذلك فهى أشبه بالجري المتواصل وراء السراب الذي لن يتم اللحاق به أبداً. 

وبما أن الوعي الذي يسيطر على الفرد أو الجماعة عبر القناعات الأيديلوجية هو وعي زائف فإنه يزرع الوهم في نفوسهم فيجعلهم يعتقدون جزماً أنَه حقٌ مطلق وخلافه باطل خالص, وهنا يكمن جوهر أزمة التفكير الأيدولوجي إذ ينبني على مسلمات غير قابلة للنقض و يدَّعي امتلاك الحقيقة فتكون نتيجته الحتمية في واقع التطبيق العملي هى توليد العنف والإقصاء. 

وعندما قال عالم الفلك الإيطالي "غاليليو غاليلي" في القرن السادس عشر بأن الشمس ثابتة والأرض تدور حولها, وأثبت خطأ نظرية أرسطو حول الحركة، وهى ذات النظرية التي كانت تعتنقها الكنيسة، تمت محاكمته بالهرطقة وأجبر على إعلان التوبة مع التهديد بحرقه حياً.  

وكان غاليليو يصف أنصار أرسطو بأنهم "عندما يرون في الطبيعة ما يناقض كلمات أرسطو فإنهم يكذبون الطبيعة ولا يكذبون أرسطو", مما يعني أنهم يتحركون وفقا لاعتقاد لا يتغير لأنه صادر عن جهة امتلكت الحقيقة المطلقة و لا يمكن أن تخطيء. 

وإذ تقود الحقيقة المطلقة التفكير الأيدولوجي, فإن النتيجة الأخيرة عند سيطرة أصحاب ذلك التفكير على السلطة تكون هى الحكم الإستبدادي القاهر, يستوي في ذلك الماركسيين أصحاب "الاتحادي السوفيتي العظيم" أو الإخوان المسلمين أصحاب "الدولة الرسالية" في السودان. 

في روايته "الصفر واللانهاية", تحدث الكاتب الإنجليزي ذو الأصل الهنغاري "آرثر كوستلر" عن مأساة المثقف والسياسي الروسي روباتشوف، المناضل الشيوعي الذي وهب حياته للثورة البلشفية وانتهى به الأمر في إحدى المعتقلات الستالينية بتهمة التآمر على الثورة. 

يتلقى روباتشوف عشية إعدامه في زنزانته وعظاً من قاضي التحقيق إيفانوف الذي يقول له: غداً ستشرق الشمس أيها الرفيق بعد أن نستأصل الثلثين الفاسدين باسم النظرية المعصومة لينعم الثلث الصالح بالسعادة. ثم يشرح القاضي لروباتشوف أن الجوائح الطبيعية تقضي على ملايين الناس في كل عام من دون فائدة وأنت تريد منا أن نتخلى عن التضحية ببضع عشرات آلاف في إطار أعظم تجربة تاريخية ؟ 

ويقول القاضي: (لقد صفينا الجزء الطفيلي من الفلاحين، وتركناهم يموتون جوعا. كانت عملية جراحية، وكان علينا أن نقوم بهذا مرة واحدة وإلى الأبد. في ذلك الزمان الطيب قبل الثورة، كان يموت منهم عدد مماثل في عام واحد بالجفاف، لكنهم كانوا يموتون بلا جدوى ولا نفع. إن الطبيعة تقوم بسخاء بالغ بتجارب لا معنى لها ولا وقع على الإنسان. لماذا لا يكون للبشرية الحق في أن تجرب على نفسها؟). 

وبينما توضح التقارير السرية من المحفوظات السوفيتية التي تم الكشف عنها في التسعينيات من القرن الفائت أن ضحايا القمع في عهد الزعيم السوفيتي، جوزيف ستالين، كانوا حوالى 9 ملايين شخص، فإن الكثير من الدراسات الأخرى تشير إلى أن عدد الضحايا في ذلك العهد يصل إلى 20 مليون ضحية.  

ولا شك أن وهم امتلاك الحقيقة المطلقة هو الذي دفع قادة الإتحاد السوفيتي إلى ارتكاب الجرائم الفظيعة التي راح ضحيتها الملايين، ذلك أن العقيدة التي اعتنقوها لا مجال فيها للخطأ بحسب تفكيرهم، والحزب الشيوعي الذي إنتموا إليه لا يمكن أن يخطيء فهو يمثل التجسيد العملي لتلك العقيدة في التاريخ. 

وعلى الضفة الأخرى، سيطرت جماعة الإخوان المسلمين على السلطة في السودان وطرحت مشروعا أمميا يسعى لتغيير وجه العالم دون مراعاة للشروط الموضوعية التي تحكم الواقع , مشروع ينبني على الوهم الأيدولوجي الذي أراد الإخوان من خلاله جعل هذا البلد الأفريقي الذي يقع في هامش العالم الإسلامي ويعاني من مشاكل التخلف الاجتماعي والاقتصادي والحروب الأهلية منصة لعودة الحلم الإسلامي الكبير! 

حينها قال لهم الأديب الراحل الطيب صالح إن بلدنا بلد هامشي و لم يك في يوم من الأيام مركزا للدولة الإسلامية، فنحن لسنا دمشق الأمويين ولا بغداد العباسيين ولا قاهرة الفاطميين ولا حتى إسطنبول العثمانيين، ولكنهم لم يستمعوا لصوت العقل وقاموا بتوريط البلد المسكين في صراعات إقليمية وعالمية أدت لعزلته من المجتمع الدولي، وعصفت بأحلام إنسانه في الحياة البسيطة والكريمة. 

وبعد 30 عاما من الحكم الشمولي القاهر, خرج السودانيون للشوارع بالملايين في ثورة عارمة هدفت لإسقاط حكم الجماعة وتحطيم قيود الدولة البوليسية, فواجهتها سلطات الأمن ومليشيات الجماعة بالقمع والتنكيل, وما كان من الطاغية البشير إلا وأخرج فتوى منسوبة للإمام مالك يُبيح فيها قتل ثلث الشعب حتى يستقر الحكم لولي الأمر . 

قال الطاغية في حديث مع بعض قادته العسكريين : (نحن مالكية، ولنا فتوى تبيح قتل ثلث المواطنين المحتجين ليعيش البقية بعزة)، مضيفا أن :(المتشددين من المالكية يفتون بقتل 50 في المئة من المواطنين) ! 

وهكذا فإن الأيدولوجيا بمختلف أشكالها (علمانية أو دينية) تدور حول أفكار وتصورات نهائية ومغلقة وغير قابلة للتغيير لأنها تعبر عن الحقيقة المطلقة، هذه الأفكار تتحول إلى عقائد جامدة لا تتورع عن قتل و تدمير الإنسان الذي تزعم أنها إنما جاءت لتخلق له الفردوس الموعود في الدنيا و/أو الآخرة, فتأمل!    

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.