People cheer as they attend in a hall in a school in the southern suburb of Lebanon's capital Beirut on January 3, 2022 a…
حزب الله يستشعر هذا الضيق في خطابه الانتخابي

سيخوض حزب الله الانتخابات النيابية اللبنانية، إذا ما سمح بإجرائها، من دون خصوم مذهبيين. الجماعات السنية لم تلتئم على خطاب ضده، والمسيحيون ممن يستعدون لمواجهته انتخابياً ستلحق التعبئة ضدهم مزيداً من الخسارات لحليفه المسيحي جبران باسيل! وخوض الانتخابات النيابية في لبنان من دون خصم مذهبي يفقد من سيخوضها القدرة الرئيسة على دفع الطائفة إلى صناديق الاقتراع.

حزب الله المطمئن نسبياً إلى قاعدته الانتخابية، سيجد نفسه والحال هذه أمام ضعف في منسوب الحماسة، سيُترجَم على الأرجح بانخفاض في نسب الاقتراع. فالمقترع الشيعي هو مقترع سلبي بشكل عام، يذهب للاقتراع ليسدد صوتاً ضد خصم، لا لكي يوصل من يؤمن به إلى مجلس النواب، وستبرد همته إذا لم يعثر على خصم يستهدفه بصوته، ومن الممكن ساعتئذ أن يخول ذلك مرشحين شيعة من خارج صندوقة الحزب لأن يحدثوا خرقاً، وان محدوداً للوائح الحزب. وحزب الله بتركيبته، لن يكون سهلاً عليه ذلك. خرق شيعي وان محدود للوائحه، سيكون مؤشر انحدار لا يتحمله حزب يملك من السلطة والنفوذ ما لا تملكه الدولة بأجهزتها!

ما العمل إذاً؟ الحزب يستشعر هذا الضيق في خطابه الانتخابي، والوقت الذي يفصلنا عن موعد الانتخابات في شهر مايو المقبل يجب أن يستثمر لاختراع خصم ينعقد حوله خطاب المواجهة الانتخابية. عناوين كثيرة موازية لا تصلح ولا يمكن تصويبها. الفساد مثلاً، الحزب وحلفاؤه غارقون به حتى أعناقهم، والقاعدة الانتخابية التي لا تؤمن بدور الحزب به، تؤمن في المقابل أن حلفاء الحزب هم أقطابه. اذاً مكافحة الفساد شعار لا يصلح للانتخابات. "مقاومة إسرائيل" طاقة انتخابية من دون شك، لكنها لم تعد فعلاً إجرائياً، وجرى الاستثمار فيها ولا يمكن أن تضيف مزيداً من الطاقة، بعد أن جرى إشباعها. أما "داعش على الأبواب"، فهذا ما لم يعد يصلح، ذاك أن "داعش" ليست على الأبواب، وهي لم تكن يوماً الأبواب، لكن استحضارها كان ممكناً واليوم لم يعد كذلك.

لن يقف حزب الله مكتوف الأيدي حيال هذا الاستعصاء، ويبدو أنه باشر مساراً سيوصله إلى الاستحقاق الانتخابي وبحوزته خصوم هم اليوم قيد البلورة. إنهم "عملاء السفارات"، وجماعات المجتمع المدني، وتمتد اللائحة الاتهامية لتصل إلى شبان تظاهرات تشرين، وإلى المطالبين بتحقيق شفاف بانفجار المرفأ.

والحزب اذ بدأ يعد العدة لـ"خطاب المواجهة" اكتشف أنها تتطلب لغة مختلفة لم يسبق له أن اختبرها، ذاك أن سهام التخوين قد تصل إلى خاصرته طالما أن دائرة المستهدفين مختلفة هذه المرة. فهو هنا حيال بؤر اجتماعية مغايرة عن تلك التي دأب على مواجهتها، ويختلط فيها ناشطون من كل الطوائف، وهي ضعيفة إلى حدٍ يجعل من التسديد عليها مهمة أشد تعقيداً من التسديد على سعد الحريري مثلاً، ذاك أن الأخير جسم حزبي، وكيان مذهبي يمكن رده إلى خصومة واضحة، تبدأ من السعودية ولا تنتهي عند "داعش"، أما أن يكون الخصم واصف الحركي مثلاً، وهو ناشط ومحامٍ تعود أصوله إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، فقوته في أنه صادر عن تجربة من خارج ما ألف الحزب مواجهته. الرجل ليس عميلاً ولا داعشياً ولا فاسداً، هو واصف الحركي الناشط في التظاهرات، والمحامي الذي يواجه أصحاب المصارف ممن سطوا على ودائع اللبنانيين. اذاً هو، أو غيره طبعاً، "عميل السفارات"! التهمة قيد البلورة ولم يعثر الحزب بعد على ما يعززها أو يفسرها لجمهور الناخبين. علماً أن ثمة متغيراً ما زال خارج الرصد، ويتمثل في أن بيئة الحزب، مثلها مثل اللبنانيين، تعاين بأم عينها الفشل والفساد الهائلين اللذين تشهدهما الدولة وأجهزتها وطبقتها السياسية، وهي تدرك أنها دولة الحزب وأن الأخير هو المدافع الأول عن الطبقة السياسية الفاسدة.

مرة أخرى على المرء ان لا يذهب بتوقعاته إلى أن حزب الله سيخسر الانتخابات. قد يُخرق في بعض المناطق، لكن الأكيد أن حلفاؤه في "المحور" وفي النظام ستلحق بهم خسارات كبيرة. وبين احتمالات انخفاض منسوب الحماسة الانتخابية شيعياً، واحتمالات فشل الحلفاء مسيحياً وسنياً، يبقى الخيار الأمثل هو عدم خوض التجربة وتأجيل الانتخابات!

لكن في هذا الوقت، وفي ظل الضغوط الدولية الهائلة والهادفة لإجراء الانتخابات، لا بأس بالاستعداد لها وبمباشرة العمل على اختراع خصم تُخاض الانتخابات ضده. إنهم "عملاء السفارات". أي سفارات، وما هو مضمون عمالتهم؟ هذا ليس مهماً، الأهم هو وجود خصم يعين في هذا الاستحقاق!         

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.