جامعة ماريلاند - قلب خنزير - زراعة أعضاء
"كما قد نبتسم اليوم ونحن نقرأ تصريحه، فستضحك منا أجيال مقبلة"

يقول الخبر إن أول عملية لزرع قلب حيوان في جسم إنسان، أعطت نتائج أولية مُرضية، وأن المريض المعني، بعد أربعة أيام من تاريخ العملية، يتماثل للشفاء تدريجيا.

يضيف الخبر أن الأطباء الذين أجروا العملية متفائلون بتقدم علمي مستقبلي يمكن أن ينقذ أرواح الكثيرين في ظل ندرة الأعضاء البشرية لصالح المرضى المحتاجين.

بعد قراءة الخبر، سنقسم إلى تيارين: 

التيار الأول سيفتخر بتقدم العلم وبقدرته تدريجيا على إنقاذ حيوات الناس. بعد اختراع مئات الأدوية واللقاحات والمراهم والعقاقير التي تعالج عددا من الأمراض وتقي من أخرى، وبعد أن كان أجدادنا يموتون بسبب أمراض تبدو لنا اليوم بسيطة أو متجاوَزة، وبعد أن كان أمد الحياة، إلى غاية وقت قصير، محدودا لا يتجاوز الخمسين سنة.

انتقل العلم إلى مرحلة جديدة تمكِّن من زراعة الأعضاء البشرية لإنقاذ حيوات الناس. وها هي طفرة طبية جديدة ستتطور بالتأكيد في القادم من الأيام والسنين، بحيث سيكون بالإمكان نقل أعضاء الحيوان الأقرب إلينا جينيا، لكي ننقذ حيوات ناس مهددين بالموت. 

التيار الثاني سيتساءل، كما هو متوقع: إذا كان أكل الخنزير حراما، فهل يكون زرع أعضائه حلالا؟

منذ بضعة أسابيع، حرم الأزهر زراعة الكلى من الخنزير للبشر، إلا إذا كان الأمر مسألة حياة أو موت! فهل، مثلا، يمكن أن تكون زراعة الكلى بهدف تجميلي؟ أو مجرد ترف عابر لشخص غير مسؤول أراد التغيير، وبدل تغيير تسريحة الشعر، قرر مثلا زراعة كلى خنزير؟ هذا الأمر وارد، وهو ما يفسر ربما خرجة الأزهر بهذا الخصوص!

في الفئة الثانية، سنجد أيضا من سيسألنا: إذا أحب هذا الرجل امرأة، فهل يكون حبه صادقا وحلالا، رغم أنه يحمل بين ضلوعه قلب خنزير؟ وإن أسلم وصلى في المسجد، هل سيكون إسلامه صحيحا؟ وهل تكون صلاته صحيحة؟ وهل يكون إيمانه صحيحا بما أن الإيمان في القلب؟ إذا حضّر هذا الشخص وجبة، فهل يجوز للمسلم أن يأكل منها؟ هل تجوز مصافحته؟ هل يجوز لامرأة مسلمة الزواج منه إن أسلم، رغم أن في جسده قلب خنزير؟ 

هل سيعتبر الأزهر مرة أخرى أن العملية حرام إلا إذا كانت مسألة حياة أو موت (لأن هناك من يختار عملية زراعة القلب فقط من أجل أن يكون funny 'ممازحا' ولكي يشتهر في الإعلام وفي مواقع التواصل).

تحضرني هنا ذكرى قديمة لشيخ معروف قال، في فترة الثمانينيات، ما مضمونه: "هناك بدعة في الغرب اسمها الإيكوغرافيا، تدعي معرفة جنس الجنين قبل ولادته. لكن، لا يعلم ما في الأرحام إلا الله". 

كما قد نبتسم اليوم ونحن نقرأ تصريحه، فستضحك منا أجيال مقبلة ستكون قد تقدمت في طريق العلم عبر عمليات زرع الأعضاء من الإنسان (نتمنى أن تتطور ثقافة التبرع بالأعضاء في مختلف المجتمعات، لأن هذا أفيد للعلم وللإنسانية من الدفن والحرق وغيرها من المراسيم التي تختلف باختلاف الأديان والثقافات والمناطق).

وستضحك الأجيال القادمة التي ستتعايش مع زرع الأعضاء من الخنزير ومن فصائل أخرى بهدف إنقاذ البشرية، حين سيكون العلم قد تقدم أكثر وستكون فرص نجاح هذه العمليات أضمن.

حينها، سنكون ضمن التراث القديم الذي تتدارسه الأجيال المقبلة في حديثها عن مجتمعات كانت تخاف المساهمة في العلم، وكانت تكتفي بتحريم نتائجه أو تحليلها، ليس لأنها كارثية على الكوكب أو على البشر، بل فقط لأن هذه المجتمعات غير قادرة على معايشة زمنها خارج النصوص والتأويلات المقدسة.   

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.