جاء الكاتب وشهيد الفكر فرج فودة في تلك الحقبة الزمنية برد رائع على كتاب الفريضة الغائبة وكان رده بكتاب آخر أسماه "الحقيقة الغائبة"
جاء الكاتب وشهيد الفكر فرج فودة في تلك الحقبة الزمنية برد رائع على كتاب الفريضة الغائبة وكان رده بكتاب آخر أسماه "الحقيقة الغائبة"

العديد منا قد يتذكر كتاب «الفريضة الغائبة» لمحمد عبد السلام فرج وهو من أكثر الكتب تأثيرًا في مسار الجماعات والتنظيمات المتطرفة.

وقد استطاع مؤلف الكتاب وهو خريج كلية الهندسة أن يستخدم القرآن والأحاديث وآراء الفقهاء وكتب التفاسير بقدرة فائقة لإلهاب حماس الشباب وإقناعهم بأن الجهاد المسلح هو فرض عين على كل مسلم ومسلمة.

واستشهد عبد السلام فرج بتاريخ الخلافة التوسعي لنشر الدين وفرضه بالقوة على باقي الأمم. وقد أصبح هذا الكتاب - والذي كان يباع في الأسواق وعلى الأرصفة في أرجاء مصر في السبعينات من القرن الماضي – مرجعاً للعديد من التنظيمات الجهادية في تلك الحقبة .

ومن هذه التنظيمات "تنظيم الجهاد" الذي ولد في مصر وخرجت من عباءته وتأثرت به الكثير من تنظيمات وجماعات "السلفية الجهادية" التي ساحت على خريطة العالم الإسلامي من المحيط إلى الخليج.

ولم أزل أتذكر حينما اشتريت كتاب "الفريضة الغائبة" من أحد بائعي الجرائد في شارع شريف باشا بالقاهرة حيث كنت أعيش وأنا شاب صغير مع أسرتي. وكان  كتاب "الفريضة الغائبة" كتاباً صغيراً في حجمه يقع في 152 صفحة من القطع الصغير ولكنه كان قادراً على إشعال الفكر الجهادي في عقول الكثيرين وخاصة من الشباب المتحمس دينياً.

وجاء الكاتب وشهيد الفكر فرج فودة في تلك الحقبة الزمنية برد رائع على كتاب الفريضة الغائبة وكان رده بكتاب آخر أسماه "الحقيقة الغائبة".  ولقد كان فرج فودة واضحاً بلا مواراة في فكرة أن الإسلام دين وليس دولة، وأن الشريعة وسيلة وليست غاية وأن الدين موجود ليس ليحكم بالقوة بل ليمارسه الناس كشعائر فقط يتقربون بها إلى الله. 

ولا يمكنني أن أنسى بعض كلمات ومفاهيم الراحل فرج فودة وأكاد أتخيله وهو يقولها بنفسه. ومن هذه المفاهيم التي لا تُنسى "أن الإسلام على مفترق طرق، وطريق منها أن نخوض جميعاً في حمامات الدم، نتيجة  للجهل وضيق الأفق وقبل ذلك كله نتيجة لانعدام الاجتهاد المستنير، وطريق آخر أن يلتقي العصر والإسلام، وذلك هين يسير، وسبيله الوحيد هو الاجتهاد  المستنير، والقياس الشجاع، والأفق المتنور".

رحمك الله يا فرج فودةّ!

ووسط هذا الصراع تتجلى أمامي الفريضة الغائبة الحقيقية والتي أهملها المتطرفون والجهاديون والمتعصبون ألا وهي "عدم الظلم"!
فالظلم تكرر ذكره في القرآن عشرات المرات وتوعد الله مرتكبيه بأشد أنواع العقاب.

فمن يقهر اليتيم ظالم! ومن يقسو على إنسان آخر ظالم! ومن يتعصب ضد إنسان لأنه مختلف عنه في العقيدة ظالم!

ومن يحرم المرأة من ميراثها ظالم! ومن يجبر الناس على عقيدته وفكره ظالم! ومن يدعوا للعدوان على البشر لإكراههم على الدين ظالم! ومن يستضعف مجموعة من البشر لأنهم أقلية عددية في بلده ظالم! ومن يعوق دفن جثة إنسان لأنه من دين آخر لا يؤمن هو به فهو ظالم! ومن لا يرحم الآخرين فهو ظالم! ومن...ومن...ومن...ولا أدري هنا كيف أنتهي ولكن لا يسعني إلا أن أقول وأكررها بصوت عال أن الفريضة الحقيقية الغائبة هي ألا نظلم أحداً. وصدق ربي حينما قال: " ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا"- سورة الفرقان  
وقال تعالى: "وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ" - (سورة الشورى).
وقال تعالى: " بِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ " – (سورة آل عمران)
فهل ياترى سيفيق البعض إلى الفريضة الغائبة الحقيقية التي نسيها الكثيرون ألا وهي "عدم الظلم"!

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.