حين يكف هذا الإيمان أو يضعف فإن تأثير الحلال والحرام يتلاشى
حين يكف هذا الإيمان أو يضعف فإن تأثير الحلال والحرام يتلاشى

"الحلال" و"الحرام" مفردتان دينيتان كما هو معروف، وهما من المفردات الاستاتيكية، أي الجامدة، ومع ذلك قد يبدو أحيانا أنهما تختزنان من القوة والتأثير المستمر، الذي لا راد له، على الإنسان.

إن ما يمنحهما هذه القوة وذلك التأثير هو ليس ذاتهما أو المصدر الذي يأتيان منه، وإنما فقط إيمان الإنسان والتزامه بهما. فهو حين يفعل ذلك إنما هو في الواقع يتنازل طواعية عن جزء من حريته في اقتناء، أو ممارسة، أو استعمال، أو استهلاك هذا الشيء، أو ذاك، في سبيل جائزة أكبر تنتظره، أو هكذا يعتقد.

وحين يكف هذا الإيمان أو يضعف فإن تأثير الحلال والحرام يتلاشى. واليوم يبدو الإنسان المعاصر أبعد ما يكون عن التأثر بهذه المفردات. والكثيرون يستعيضون عنها بمفردات مثل الضار/النافع أو المفيد/عديم الفائدة أو "الجانك فود" في مقابل المغذي في حالة الطعام، وهلم جرا.

وللوسط الذي يوجد فيه الإنسان دور كبير أيضا في صياغة درجة التزام أو عدم التزام الإنسان بما هو حرام أو حلال، حيث إن غياب الفردية والذي يستتبع معه تدني درجات الخصوصية، يجعل الإنسان في معظم الوقت تحت رحمة آراء وتقديرات الآخرين أو المجتمع، ومن ثم فإن سلوكه ومواقفه تصاغ وفق ما هو مقبول أو غير مقبول في المجتمع. وهذا يعني التزاما أكبر بالأوامر الدينية.

لكن المنشأ الديني ليس سوى أحد المظاهر هنا وليس الوحيد. الواقع أن سيكولوجية الحلال والحرام تعمل حتى في المجتمعات التي تقل أو تنعدم فيها مظاهر الإيمان الديني.

وفي هذه المجتمعات بالذات من المثير مراقبة "الديناميكية" التي ينشئها الإنسان في تعامله مع قضية "الحلال" و"الحرام"، حتى وهو يتعامل مع قضايا ليس لها صلة بالدين.

على سبيل المثال اعتاد بعض الناس على اتخاذ موقف سلبي من المياه الغازية (الصودا) مثل البيبسي أو الكولا وغيرهما، لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل طوروا مع الوقت مشاعر سلبية ليس فقط ضد هذا المنتج وإنما أيضا ضد من يبيعه أو يستهلكه، ومع الوقت أيضا أصبحوا يقتفون كل خبر أو دراسة أو بحث يثبت صحة اعتقادهم في الأضرار الناتجة عن استهلاك المياه الغازية. ولو قدم أحد لهم كأسا من المياه الغازية فسوف تكون ردة فعلهم، قليلا أو كثيرا، مثل ردة فعل المسلم حين تقدم له كأسا من النبيذ أو البيرة.

ويمكن أن نرى ذلك أيضا لدى النباتيين في الموقف من اللحوم واستهلاكها، أو لدى المناهضين للوجبات السريعة.. الخ.

المشكلة هنا ليست في الموقف من المياه الغازية، حيث إن استهلاكها من عدمه يظل مسألة شخصية، ولكن المشكلة هي في تحويل هذا الموقف من مجرد رأي أو اختيار إلى أيديولوجية وإلى أحكام وآراء مسبقة.

والحال أن كل رأي أو موقف من شيء يمكن أن يتحول إلى حلال أو حرام، حتى وإن لم نستخدم هذه المفردات، بمجرد أن نقطع المسافة من الرأي إلى الأيديولوجية، والدخول في مجال الآراء والأحكام المسبقة.

والدين بما أنه في جوهره أيديولوجية مطلقة لذلك يمكن ملاحظة التأثير الهائل الذي تتركه تعاليمه على الناس من هذه الناحية.

وفي حين يمكن أن يغير الناس مع الوقت من مواقفهم تجاه أنماط الحياة المختلفة، أو ينتقلون من تجربة إلى أخرى بحسب تقدمهم في السن أو اكتسابهم مهارات وخبرات ومعارف جديدة، فإن الموقف الديني الحدي فيما يتعلق بالحلال والحرام يسبغ طابعا نهائيا على هذه التجربة الإنسانية. ولا يمكن للإنسان أن يتخلص من ذلك إلا بتركه الاعتقاد الديني نفسه أو بتغيير تفسيره وفهمه لهذا الاعتقاد على نحو يجعله يعطي الأولوية للمجاز والمعنى العام على المعنى الحرفي أو النصي.

لكن الأمر الجوهري هنا يظل في استيعاب سيكولوجية الحلال والحرام وليس فحسب في المفردات نفسها، وهذه السيكولوجية تقوم على منح هوية للشخص الملتزم بالحلال أو الممتنع عن الحرام، هوية تجعله يميز نفسه في إطار التفضيل والاستعلاء، ولا فرق هنا سواء كان السياق دينيا أو غير ديني. فهذه الهوية تخاطب "الأنا" في الإنسان، و"الأنا" تجور على كل شيء وتستهلك كل ما هناك وتحوله إلى خدمتها، بما في ذلك الدين والأيديولوجيات والآراء والمواقف المختلفة.. ومسائل "الحلال" و"الحرام" ليست استثناء من ذلك!

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.