روسيا - الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، أنصار بوتين
"تسيطر على فلاديمير بوتين هواجس إمبراطورية"

يصر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، على ملاكمة التاريخ، يكابر ويرفض الاعتراف بأن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، فهو غير قادر على التحرر من ماضيه الشخصي والعام.

فالكولونيل في جهاز (كي جي بي) الذي شاهد بأم عينه انهيار جدار برلين، وشعر بقلة الحيلة عندما لم تعر قيادته الاهتمام لبرقياته العاجلة حول الأوضاع في ألمانيا الشرقية حينها، يحاول ربط حسرته الخاصة بالقلق العام على ماضي بلاده وحاضرها ومستقبلها، لذلك لا يتردد بعد 30 سنة على سقوط الاتحاد السوفيتي من خوض حروب استعادة التاريخ أشبه بحروب الردة. 

منذ تمكنه من السلطة، تسيطر على فلاديمير بوتين هواجس إمبراطورية، تظهر رغبته في استعادة بلاده لدورها واحترامها، لذلك يتقصد في أكثر من مناسبة ربط تراجع موقع روسيا على الساحة العالمية بتفكك الاتحاد السوفيتي.

ويربط ما بين القوة والنفوذ، وبين استعادة الماضي السوفيتي ولو بطرق مختلفة أو بشكل جديد، وجعل هذا الهدف عقيدة سياسية، ودفع مواطنيه إلى تبنيها ورفعها إلى مستوى القضايا القومية، حتى يبرر لنظامه السياسات التي سيتخذها من أجل تحقيق أهداف الأمة الروسية التي أقنعتها آلة الدعاية التابعة للكرملين والنخب السياسية والثقافية بأن خسارة الاتحاد السوفيتي مأساة وطنية حلت على الروس.

وفي هذا الصدد يقول بوتين: "كانت هناك مأساة بالنسبة للغالبية العظمى من مواطني البلاد. ما الذي يعنيه انهيار الاتحاد السوفيتي؟ إنه انهيار روسيا التاريخية تحت اسم الاتحاد السوفيتي".

يسجل للرئيس بوتين وضوحه في مواقفه، حتى لو كانت تعني حسابات نظامه الضيقة وسلطته على حساب مصالح الروس، وما سيتحملونه من عواقب اقتصادية ومعيشية بسبب سياسات نظامهم، إلا أن بوتين يفضل المواجهة دفاعا عن قناعاته بصلابة تصل إلى حد التهور الاستراتيجي الذي بات أداة يرهب فيها خصومه القلقين دائما من تقدير رد فعله.

لذلك يلتزم الجميع الحذر فيما يخص خطواته الممكنة في أوكرانيا أو حتى في أي جمهورية من جمهوريات آسيا الوسطى المرشحة لانتفاضة شعبية أو ثورة ملونة يعتبرها بوتين، وعن قناعة كاملة، بأنها مؤامرة خارجية، لذلك كان واضحا جدا في مواجهة كازاخستان الأخيرة وحسم أمره وأكد أن بلاده لن تسمح بثورات ملونة في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق. 

في خطاب شهير له، سنة 2005، اعتبر بوتين تفكك الاتحاد السوفيتي أكبر كارثة جيوسياسية شهدها القرن العشرين، فالرجل الطامح إلى تحقيق أهداف جيوسياسية تتيح له كتابة التاريخ كمنتصر، لن يتردد في إرسال قواته إلى أي عاصمة سوفيتية سابقة، كما فعل في "منيسك" و "نورسلطان"، ولن يسمح مرة جديدة أن تخرج عواصم سوفيتية سابقة من قبضته كما خرجت "كييف" و "تبليسي".

ولكن في عمق القضية التي يظهرها بوتين وفريقه الحاكم أن حرب ردة أو حروب الردة التي تهدد موسكو بخوضها من أجل الحفاظ على نفوذها في الفضاء السوفيتي هي في الحقيقة معركة الحفاظ على روسيا الاتحادية موحدة ومنع انهيارها.

وهذا ما جاء مباشرة على لسان بوتين ونقلته وكالة "تاس" الروسية "إن عواقب "انهيار روسيا" قد تكون أكثر حدة مما كانت عليه في يوغوسلافيا السابقة. وأضاف "المواجهات ستكون أكثر شدة ودموية مما كانت عليه بعد انهيار يوغوسلافيا".

لا تبدو المواجهة بين نظام بوتين وطموحات شعوب الاتحاد السوفيتي السابق سهلة، فهذه المجتمعات بعد 30 سنة على نهاية احتلالها من قبل الدولة الروسية، تعاني مجددا من طموحات موسكو التوسعية وهواجسها الإمبراطورية، وهي عالقة ما بين رغبتها في التوجه غربا وبين أنظمة سياسية تجد في الكرملين ملاذا آمنا لحمايتها.

لذلك باتت تدفع ضريبتين، الأولى، أنظمتها المستبدة، والثانية، تحالفها مع روسيا، وهذا يجعلها مهددة بحروب الردة التي ستخوضها روسيا في فضائها السوفيتي دفاعا عن نفسها. 

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.