مروجو نظريات المؤامرة يعارضون التطعيم لأسباب غير علمية
مروجو نظريات المؤامرة يعارضون التطعيم لأسباب غير علمية

أطال فيروس كورونا مكوثه الثقيل فوق صدر البشرية. سنتان ونحن مقيدون بسلاسل أحكامه ومنغمسون كلياً بتتبع أخباره وخسائره الاقتصادية وعدد ضحاياه. وفي واقع الأمر، بات من الصعب التحدث عن أرقام نهائية ودقيقة، مع التغير اللحظي للأعداد في عدد كبير من دول العالم، وأحدثها ماصرحت به منظمة الصحة العالمية حول توقعاتها بإصابة أكثر من نصف سكان أوروبا بمتحور أوميكرون خلال الشهرين القادمين. 

كل مايصدر على مدار الساعة من أبحاث طبية وعلمية، أو مايصرح به من إحصائيات وتوقعات ومخاوف، وآخرها المخاوف ببدء تسارع نشاط المتحور في معظم بلدان الشرق الأوسط، ومازال العديد من أفراد هذه المجتمعات التي تعاني في معظمها من الفقر وضعف الخدمات الطبية، يبدون عدم اكتراث وجدية، بل يمكن القول بعد مرور عامين، إن كل مايتعلق بالجائحة ولقاحاتها قوبلت وماتزال بعدم مسؤولية مؤسفة. 

وسائل التواصل الاجتماعي التي لعبت دوراً تاريخياً إيجابياً في تعميم المعرفة المتعلقة بالجائحة وتسهيل وصول المعلومات الرئيسة للعامة، كانت وماتزال في حدّها الآخر، بمثابة لعنة بين أيدي أتباع نظريات المؤامرة الذين لا يكفون عن إغراق هواتف العالم بالشائعات ومشاركتهم المعلومات المضللة. الأمر الذي أفضى إلى نشوء حالة مناهضة شبه عامة للقاحات رغم كل التطمينات التي رافقتها، وتوفيرها بالمجان، والتسهيلات التي قدمتها كل حكومات العالم وحكومات دول المنطقة للحصول عليها. 

على سبيل المثال ل الحصر، أبدى اللبنانيون  رغم كل أزماتهم المعيشية المتفاقمة، وعياً اجتماعياً عاماً ملفتاً في التعاطي مع الجائحة منذ بدايتها، والتقيد بالاجراءات الاحترازية المرافقة لها والإقبال على تلقي اللقاحات بنسب عالية. بعكس جيرانهم في سوريا الذين لاتكترث الأغلبية الشعبية بأي اجراء وقائي حتى اليوم، رغم توفير الحكومة السورية للقاحات مجاناً ومواكبة الحدث باهتمام إعلامي وفرض عدد من التعليمات الإلزامية، كما أن نسبة الملقحين قاربت 20% فقط حسب الإحصائيات العالمية، أعرب العديد منهم عن اضطراره لتلقي اللقاح لدواعي السفر، وليس عن قناعته بضرورته أو جدواه. 

يتشابه مناهضو اللقاحات في الغرب مع أقرانهم في الشرق من حيث تعدد مستوياتهم الاجتماعية والطبقية وأطيافهم الدينية والعرقية والثقافية والتعليمية والعلمية، تناسوا جميع اختلافاتهم واتفقوا على مناهضة اللقاح فقط. وإن لعبت السياسة واستثمار مفاهيم الحرية والديمقراطية وبعض المعتقدات الدينية دورها مع مناهضي اللقاح في الغرب، طغى الاستسلام للقدر وبعض الفتاوى الدينية وبعض الخرافات والأساطير على تفكير معظم مناهضي اللقاح في البلدان الشرقية. 

وحرصاً على عدم  المشاركة في نشر الأفكار السلبية والمناهضة، أتوقف فقط عند فكرة يتم تناقلها بمثابة دعابة، تقول إن العالم اليوم منقسم إلى قسمين، الأول هم من تلقوا اللقاح وينتظرون فناء من لم يتلقاه ليحتلوا العالم، والقسم الثاني هم من لم يتلقوا اللقاح وينتظرون فناء من تلقاه ليحتلوا العالم بدورهم. 

لكنها في واقع الأمر ليست بدعابة، حيث تصادف أن كنت أتصفح بحثاً عن بعض المعلومات المتعلقة بتاريخ الأوبئة، وصدمت بصورة وثائقية شديدة الوقع، تظهر طفلين شقيقين بجانب بعضهما في مستشفى عزل المصابين بالجدري في انكلترا، أحدهما جميل ومعافى بعد تلقيه للقاح مرض الجدري، والثاني مشوه بالكامل لعدم تلقيه اللقاح، وكأن هذين الطفلين أشبه بهذا العالم المنقسم اليوم بين مع أو ضد لقاحات كورونا.  

الصورة الصادمة وغيرها من الصور التي حذر الموقع مسبقاً من قساوتها، أرفقت بتقرير هام نشره "غريغ واطسون" على موقع BBC الإلكتروني قبل عامين، استعرض فيه الأجواء العامة التي سادت في بريطانيا مع انتشار وباء الجدري في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في أوروبا، والذي أطلق عليه اسم "الوحش الأرقط" وقضى على الملايين أو ترك بعضهم بحالة عمى أو تشوه، ومناهضة اللقاح الذي اكتشفه وطوره الطبيب "جينر" من مرض جدري البقر(وهو أحد أسباب رفضه في حينه)، والاحتجاجات الشعبية التي خرجت ضده في الشوارع آنذاك.  

البرنامج العالمي للقاح ضد الجدري كان قد أعلن عن تراجع المرض في سبعينيات القرن الماضي، وفي الحادي عشر من الشهر الجاري أعلن عن  مرور مئة عام على أول جرعة أنسولين لعلاج مرضى السكري، وقبل أيام أيضاً أعلن عن نجاح عملية زرع قلب خنزير في جسد إنسان. فلماذا كل هذا الضجيج ومناهضة لقاح كورونا؟ 

مصادر اللقاحات وسرعة اكتشافها تعني أن الزمن بات أكثر سرعة وديناميكية ولاعلاقة لهما بالمؤامرات، وأن أولئك الشجعان من العلماء والأطباء وجميع الكوادر الطبية، لم يدخروا جهداً في مساعدة البشرية ومحاولات إنقاذها على حساب المجازفة بأرواحهم وأوقاتهم وعائلاتهم، وأن  الكوادر الطبية عبر العالم كانت أول من تلقت اللقاحات، فهل العالم شرير ومتهور إلى هذا الحد ليضحي بهذه الكوادر الشجاعة لو كان الأمر يتعلق بالمخاطرة والمؤامرة؟ 

من حق الانسان أن يؤمن بقناعاته، وحريته الشخصية المتعلقة بصحته واحتياجاته، وأن يرفض اللقاح ومايناسبه من أسلوب عيش، على ألا يتذمر حين تقيد حريته ضمن الجماعة في مواجهة جائحة خطيرة، وأن لايشكل مصدر خطر للآخرين، وأن يقدم مايثبت بالمقابل وبالحجج العلمية أسباب دحضه لثبوتيات قدمها آلاف العلماء. الأهم أن يتعاون لأجل سرعة الخلاص من الجائحة ويعيد حساباته وينظر بعين الرأفة لهذا العالم، كمثل الشقيقين المشار إليهما أعلاه في جائحة مرض الجدري، فمن ذا الذي يتقبل أن يكون له ولد معافى والثاني مشوه، الذي يرجح أنه أصيب قبل أن يسعفه الوقت، والحظ، لتلقي اللقاح.         

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.