أبرز التعديلات الدستورية الأخيرة في الأردن كانت استحداث مجلس للأمن القومي
أبرز التعديلات الدستورية الأخيرة في الأردن كانت استحداث مجلس للأمن القومي

ظلت التجربة المغربية في خلفية النقاشات حول "الإصلاح السياسي المنشود" بين النخب الأردنية، قبل وبعد إقرار التعديلات الدستورية الأخيرة ... ويعود ذلك إلى سببين اثنين: الأول؛ أنه لم يكن من بين هذه النخب من كان يعتقد بأن الأردن سائر نحو ملكية دستورية من الطراز الغربي...والثاني؛ أن المغرب يوفر نموذجاً للانتقال السياسي في ظلال ملكية ممسكة بتلابيب القرارات الاستراتيجية والسياسات العليا في البلاد، بمعنى أنه نموذجاً لديمقراطية محكومة بسقف الملكية الممسكة بزمام المبادرة والقرار.

ولم يكن لدى بعض النخب الأردنية الداعية لـ"استلهام" التجربة المغربية، أوهام حول "نموذج ديمقراطي ناجز" في المغرب، فالكل يعرف سطوة القصر وقدرته على التحكم بمفاصل "اللعبة السياسية" في البلاد، لكن إجماعاً كان تبلور مفاده أن المغرب هو الأقرب للخيار الديمقراطي من بين الدول الثمانية الأعضاء في نادي الملكيات العربية، وكان وقع الدعوة لاستلهام تجربته، يسقط "برداً وسلاماً" على الحذرين والمتخوفين من دفع مسارات الإصلاح والتحول الديمقراطي، ويستطيع كاتب هذه السطور، أن يؤكد هذه الحقيقة، بعد مخاض طويل من النقاشات حول "الطريق الأردني" للإصلاح والتحول، وبعد تجارب عديدة من الحوار والتثاقف بين مغاربة وأردنيين، من شتى المرجعيات وفي مختلف المواقع.

في المغرب، وبقوة الأعراف والأمر الواقع، ظل القصر محتكراً للسياسات الأمنية والدفاعية وللسياسة الخارجية، ومن موقعه كـ"أمير للمؤمنين" ظل الملك محتكراً للفضاء الديني، يديره عبر "مجلس علمي أعلى"، منوطة به وحده، قضايا الإفتاء وتفسير أحكام الشريعة، هذه حقيقة، يعرفها كل أردني على أية حال، والأردنيون عايشوها في بلادهم قبل وبعد آخر "موجات" التعديل المتلاحقة التي ضربت الدستور في عقد واحد فقط، إذ باستثناء "الفضاء الديني"، الذي ظل من ضمن "ولاية الحكومة وصلاحياتها"، فإن السياسات الأمنية والدفاعية والخارجية، ظلت خارج ولاية الحكومات المتعاقبة، وفي بعض الأحيان، فإن السياسات الاقتصادية والمالية، بعناوينها وتوجهاتها الكبرى، كانت من صلاحية "الديوان" يديرها ويرسم ملامحها، عبر مجالس خاصة، كانت تتشكل لهذا الغرض.

وربما يكون الأردن البلد الوحيد في العالم، الذي لا تتوفر حكوماته على وزارة دفاع، ولا تتشكل في برلماناته، لجنة دائمة للأمن والدفاع، إذ جرى العرف أن يكون رئيس الحكومة وزيراً للدفاع في الوقت عينه، ولكن من دون وزارة بهيكلية خاصة...ولقد سقطت مبادرات عدة، حاول من خلالها بعض أعضاء مجلس النواب، استحداث لجنة برلمانية دائمة تعنى بشؤون الأمن والدفاع، ولكن من دون جدوى.

على أن ما بدا أنه عرفٌ مستقر ومتوارث لجهة تقسيم الصلاحيات بين الملك والحكومات المتعاقبة، قد جرت "دسترته" في آخر ثلاث وجبات متعاقبة من التعديلات الدستورية، 2014، 2016 و2021، بحيث باتت من صلاحيات الملك منفرداً، تعيين ولي العهد ونائب الملك وقائد الجيش ومديري المخابرات العامة والأمن العام، ورئيس وأعضاء مجلس الأعيان، ورئيس وأعضاء المحكمة الدستورية، ورئيس المجلس القضائي وقاضي القضاة ورئيس المجلس القضائي الشرعي والمفتي العام، فضلاً عن تعيين رئيس الديوان الملكي ووزير البلاط الملكي ومستشاري الملك.

على أن أبرز التعديلات الدستورية الأخيرة، وأكثرها إثارة للجدل، كانت استحداث مجلسٍ للأمن القومي، اقترحت الحكومة أن يكون برئاسة الملك، وترك البرلمان للملك (أو من يفوضه) أمر دعوته للانعقاد، وأناط به مسؤوليات السياستين الأمنية-الدفاعية والخارجية، ويضم إلى جانب رئيس الحكومة، وزراء الدفاع والخارجية والداخلية وقائد الجيش ومديري المخابرات والأمن العام وعضوين آخرين يعينهما الملك منفرداً ومن دون "تنسيب" من مجلس الوزراء.

ويمكن القول، أنه بعد التعديلات الدستورية الأخيرة، بات رأس الدولة ورئيسها في الأردن، يتمتع بصلاحيات وسلطات منفردة، تفوق ما للعاهل المغربي ... وعلى سبيل المثال، فقد نص الدستور المغربي على تشكيل "مجلس أعلى للأمن"، الأمر الذي استٌحدث مؤخراً بالتعديلات الدستورية التي أقرها مجلسا النواب والأعيان الأردنيان، لكن المجلس المذكور في التجربة المغربية، يتمتع بصفة "تشاورية" فقط، في حين أنه ذو صفة تنفيذية، واجبة النفاذ، والأرجح من دون مساءلة أو محاسبة طالما أنها ممهورة بالخاتم الملكي كما في الدستور الأردني الجديد...العاهل المغربي يرأس المجلس وفي الأردن يدعو العاهل الأردني المجلس للانعقاد عند الضرورة، أو يفوض من يقوم بذلك، بعد أن أسقط البرلمان اقتراح الحكومة بوضع المجلس تحت الرئاسة المباشرة للملك...وفي حين جرى التنصيص في الدستور المغربي على دور لرئيس الحكومة في ترؤس اجتماعات المجلس في غياب الملك وبتكليف منه، وبجدول أعمال محدد، ظلت هوية من يحق له دعوة المجلس للانعقاد ورئاسة جلسات، منوطة بمن يختاره العاهل الأردني لهذه المهمة، والذي قد يكون رئيس الحكومة أو غيره.

في المغرب، يُعدّ رئيسا مجلس النواب والمستشارين (الأعيان) والرئيس المنتدب للسلطة القضائية (الملك يرأس المجلس القضائي في المغرب) أعضاء في المجلس المذكور، فضلاً عن وزير العدل، في حين لا حضور للسلطتين التشريعية والقضائية في تشكيل المجلس الأردني أو مداولاته.

الملك في المغرب يمارس سلطاته بثلاثة أشكال: منفرداً أو بالعطف من رئيس الحكومة أو باستشارة رئيس المحكمة الدستورية وغيره في بعض الأحيان، أما السلطات المنفردة للملك، فتتجلى عند ممارسته صلاحياته الدينية، وتعيين الأعضاء العشرة في مجلس الوصاية على العرش فضلاَ عن سلطاته كقائد أعلى للقوات المسلحة، أما تعيين رئيس الحكومة فمشروط بأن يكون من الحزب المتصدر للانتخابات وإعفاء الحكومة حال استقالة رئيسها، إجراء الاستفتاء على مراجعة الدستور، وإعلان حالة "الاستثناء" في حال تعرض البلاد لخطر داهم وحل مجلسي البرلمان أو أحدهما بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية.

المحكمة الدستورية في الأردن، أعضاءً ورئيساً، تُعين من قبل الملك، أما في المغرب فالملك يعين نصف عدد أعضائها الاثني عشرة، وينتخب مجلسا البرلمان الأعضاء الستة الباقين بواقع ثلاثة أعضاء لكل منهما، ويختار الملك رئيس المحكمة بين بين أعضائها، ويتمثل المجلس العلمي الأعلى (الشرعي) بعضو واحد من بين الستة أعضاء المعينين.

المنافحون عن التعديلات الدستورية الأخيرة، يرون أنها مقدمة لحكومات برلمانية – حزبية، تبقي المرافق والأجهزة الحساسة والخيارات الاستراتيجية الكبرى، بعيداً عن التجاذبات الحزبية، أما المعارضون لها، فيرون أنها "نزعت الدسم" من الحكومة البرلمانية قبل أن ترى النور بأكثر من عقد من الزمان (إن رأت النور)، وفقاً لرزنامة الانتقال التي يجري الحديث بشأنها، وجلعت من الحكومة "مجلساً بلدياً" موسعاً، بمهام ووظائف أفرغت "الولاية العامة" من أدواتها ومضامينها.

كما يتضح، تبدو الفوارق كبيرة بين دستوري الأردن والمغرب في باب سلطات وصلاحيات رئيس الدولة، فالدستور المغربي أقل تركيزاً للسلطات والصلاحيات من الدستور الأردني ... لكن الفوارق تبدو أوسع كثيراً في أبواب أخرى من الدستور، سيما تلك التي تتعلق بأوجه العمل العام وأدوار وصلاحيات بقية المؤسسات والسلطات.

فالملكية في المغرب، جرى تعريفها على أنها "دستورية ديمقراطية – اجتماعية"، وجرى في مقدمة الدستور، عرض شبه تفصيلي لأهم مبادئ السياسة الخارجية المغربية ومحدداتها، وكثير من فقرات الدستور المغربي، جرى افتتاحها بعبارة المواطنات والمواطنون (إضافة كلمة الأردنيات إلى عنوان الفصل الثاني كان سبباً كافياً لاستثارة أزمة عامة)، والدستور نص على المساواة بين المرأة والرجل، وكلف الدولة بمختلف مؤسساتها للسهر على ترجمة "المناصفة" بينهما، وأنشأ هيئة تختص بذلك، وجرّم التمييز على أساس الجنس وغيره، مما يثير قدراً هائلاُ من الانقسام في صفوف النخب الأردنية.

والدستور المغربي، ألزم الملك بتعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات، وحصن البرلمان في حالات إعلان الطوارئ (الاستثناء)، والمغربيات والمغربيون نجحوا في دسترة "اللامركزية، أو الجهوية"، والمجتمع المدني، وكان لافتاً أن "المعارضة البرلمانية" جرت دسترها كذلك، ونص الدستور على حقوقها وواجباتها، بصورة لا تقبل اللبس أو التجاهل أو التهميش.

الأردنيون الأكثر معرفة بالتجربة المغربية، لطالما تناولوا بكثير من "التشكيك" مفهوم "أحزاب المخزن" رائج الاستخدام في المغرب، في إشارة إلى الأحزاب القريبة من القصر وأجهزة "الدولة العميقة"، لكنهم اليوم باتوا أكثر خشية من إعادة نسخ التجربة أردنياً، فبعد كل ما قيل من قبل، عن "هندسة الانتخابات" لضمان نتائجها مسبقاً، يجري اليوم التحذير، وإن بقدر من السخرية، من الدخول في تجربة "هندسة الأحزاب"، وإعادة انتاج طبعة أردنية من "أحزاب المخزن"، ولقيت رسائل شكر وجهها أحد الأحزاب المشكلة حديثاً، لكل من الديوان الملكي ودائرة المخابرات على تسهيل تشكيل الحزب وتشجيعه، موجة من السخرية السوداء على منصات التواصل الاجتماعي وفي المجالس العائلية والاجتماعية.

والخلاصة، أن الاقتراب الأردني من التجربة المغربية، أو تجربة الانتقال الديمقراطي المتدرج والمضبوط بإيقاع "الملكية الصلبة"، جاء منقوصاً أو مشوهاً إلى حد كبير، ولعل دراسة مقارنة بين دستور المغرب 2011 ودستور الأردن 2022 (لا يكفي لها هذا المقام) تكفي للتعرف على "الفجوة" التي اتسعت بين التجربتين بدل أن تضيق.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.