حزب الله يغلب مصلحة إيران على لبنان
تشكل "حزب الله" في سياق الثورة الفلسطينية ومقاومتها

تكتسب الوضعية الشيعية، حيوية تفيض عن قدرة الشيعة على احتوائها او عن قدرة الآخرين على تحملها والتعامل معها. مع ذلك يشهرون حرمانهم الماضي كسيف مسلط بوجه الآخرين. ربما هو ثقل التهميش الذي عانوه تاريخياً ووضع بعضهم القلق في دولهم ما يجعلهم يبحثون عن ولاء خارج حدود الدول التي ينتمون اليها. وربما هو ببساطة البحث عن السلطة. 

عرفت إيران توظيف هذا القلق وعملت على استغلاله منذ قيام الثورة وتحولها إلى دولة شيعية تحت راية "الولي الفقيه". وهي تستخدم شيعتها من أجل خلق نواة عصبية حولها. ومن أجل التخفيف من أثر استخدامها لشيعتها استغلت قضية عربية سنية الطابع بامتياز، أي القضية الفلسطينية، فزايدت بشعار تحرير فلسطين ليصبح أداة تستغلها لترفع تهمة الفارسية. ولقد شكّل زمن الانحطاط العربي أفضل غطاء لمناوراتها.  

أعطى احتلال لبنان عام 82، الفرصة لإيران لكي تلعب في المساحة الفارغة المستجدة، مستخدمة موقعها العقائدي والإسلامي والشيعي وأموالها لتقوية مرجعيتها الدينية الشيعية المنافسة لمرجعية النجف والتي كانت دائماً راجحة عليها. وما مكّنها من ذلك استغلال الانقسام السني حولها بعد الحرب العراقية الإيرانية. فقدمت للشيعة في العالم وفي العالم العربي نموذجا شيعيا ظلت أهدافه متوارية حتى بدأ بالانكشاف مع سلوك حزب الله في لبنان بعد حرب 2006 واندلاع الثورات العربية وخاصة في سوريا كما في العراق واليمن. 

تشكل "حزب الله" في سياق الثورة الفلسطينية ومقاومتها؛ وعلى خلفية الأجواء القومية واليسارية التي طبعت ما عرف بالحركة الوطنية وتشكلت بغالبيتها من المسلمين اللبنانيين رداً على ما رأوه ظلماً في تشكيل الكيان اللبناني ذو الطابع المسيحي؛ وفي سياق بروز اتجاهات اصلاحية شيعية خاصة حركة موسى الصدر ونشاط محمد مهدي شمس الدين؛ وعلى خلفية النموذج الحزبي الشيعي (حزب الدعوة في العراق وامتداداته اللبنانية). مدعوماً من حكام إيران الجدد وحاملاً عقيدة ولاية الفقيه. 

وكانت الحرب الأهلية (وخاصة عمليات التطهير الديني-العنصري في "النبعة" و"تل الزعتر" و"المسلخ" وضواحي بيروت الشرقية والشمالية ، من "حارة الغوارنة" إلى بياقوت والزلقا والجديدة والسبتية الخ...) قد دفعت بآلاف العائلات الشيعية للعودة إلى قراها في الجنوب والبقاع والى الضاحية الجنوبية التي توسعت وامتدت بوتيرة هائلة وتميزت بانخراط أولادها الحزبيين الغاضبين في تنظيمات الحركة الوطنية واحزابها والمقاومة الفلسطينية بأعداد غفيرة كمقاتلين. سمح ذلك بتمدد واستمرار السيطرة الفلسطينية على الجنوب حتى العام 1982 عام الاجتياح الاسرائيلي.. إضافة الى حرب الثكنات ونشوء "جيش لبنان العربي" بقيادة أحمد الخطيب (كانون الثاني 1976) الذي سرّع في سقوط ثكنات الجنوب وفي التحاق الضباط والجنود بقراهم وعائلاتهم، وبنشوء جيوش رديفة فيه ومنها جيش أنطوان بركات وجيش سعد حداد وصولاً إلى جيش أنطوان لحد...ومعظمها حمل لواء "المقاومة" اللبنانية ضد الفلسطينيين. 

هذا الجو العام عزز الانقسام اللبناني الذي كانت له بذوره منذ نشأة الكيان اللبناني والذي تمحور حول هوية لبنان ودوره وموقعه بين العرب. 

هذا مع العلم أن الأكثرية الساحقة من الشيعة اللبنانيين كانوا في التاريخ القريب مع جمال عبد الناصر لأنه وحدوي، وضد شاه ايران، لانه معاد للعرب ومتعاون مع إسرائيل. وكانوا مع الثورة الفلسطينية والمقاومة. فعروبة الشيعة هي النتيجة البديهية لجذورهم وثقافتهم ولغتهم وعشائرهم وعائلاتهم... ولم تكن لتتعارض مع لبنانيتهم اللاحقة عند تأسيس الكيان والتي كان الإمام شرف الدين أبرز من عبّر عنها ( بعض الباحثين الأجانب وتابعيهم من اللبنانيين ينعتون موقف السيد شرف الدين بالعمالة للانتداب الفرنسي..). ميزتهم كانت قدرتهم على التوفيق بين وطنية لبنانية قائمة على واقع مستجد تم التصالح معه (دولة لبنان الكبير) دون الإغراق في تاريخ غابر إلى حد الأسطرة من جهة (الفينيقية وحضارة الستة آلاف سنة) ولا في الغرق في ايديولوجيا الكيان اللبناني التي أُسبغت عليه صفة "المصطنع"، ولا الغرق أيضاً في القومية الشوفينية العربية. 

دور حزب الله 

لعب حزب الله دورا ايجابيا في السنوات التسعين من القرن الماضي لجهة إعطائه نموذج مقاوم مختلف عن ما خبرته حركات التحرير السابقة وتوجت هذه المرحلة بالتحرير الذي حصل في العام 2000 . 

ساعده دوره في تلبية احتياجات سكان الجنوب والشيعة بينهم أساساً لملء الفجوات الخدماتية والإنمائية في ظل غياب تقصير الدولة على الصعيد الأمني والسياسي والإنمائي من ضمن سياسة تهميش الأطراف السائدة في النظام اللبناني. وإذا كان التهميش طال أيضاً مناطق أخرى مثل البقاع وعكار خصوصاً  قد أثّر على التنمية ومستوى حياة قاطنيه إلا أنه في الجنوب اتخذ صفة دموية بسبب الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الجنوبيين من دون حماية تذكر قبل أن تتشكل المقاومة خاصة بعد احتلال إسرائيل للبنان وتمركزها لاحقا في الجنوب بعد انطلاقتها الأولى من بيروت مقابل مقهى الويمبي. لكن هذه المرحلة تمخضت في نهاية الثمانينات عن حصر المقاومة بأيدي حزب الله وهذا موضوع آخر. 

كل ذلك أعطى حزب الله مشروعية وطنية وشعبية ليس فقط في بيئته، بل شملت لبنان ومختلف الاوساط والطوائف في العالم العربي وذلك حتى التحرير في العام 2000 على الأقل. ساعدت هذه التجربة على تجديد البيئة التي انتمى اليها، ففي الحياة السياسية اللبنانية عموماً ينحصر التمثيل السياسي بنخبة سياسية تقليدية تأتي عبر الاعتماد على سلطة المال والزبائنية وعلى هيمنة بعض العائلات اما بواسطة الأحزاب الطائفية او عبر ما ترسب من العلاقات "الاقطاعية".  

كان تعاطي حزب الله في البداية محتشماً بسبب ظروف نشأته والخطاب الثوري المؤمن الذي اعتمده والشعارات المثالية التي رفعها والسلوك الملتزم الذي سلكه في التسعينات. كل ذلك أعطاه غشاءً بدا معه مختلفاً عن الحركات السياسية الاخرى، بما فيها حركة أمل، التي انغمست في دوائر النظام وأحابيله الزبائنية وصارت جزءاً عضوياً منه. حزب الله أتى بطبقة سياسية مختلفة ومن أوساط لم تكن لتصل الى السلطة من دونه حاملة معها خصوصية نشأتها في الضواحي مع امتداداتها الريفية من دون ان تنتمي الى العائلات الحاكمة تقليدياً .  

كما أنه عمل على توفير شروط التفاف مختلف أنواع البيئات الاجتماعية المحلية حوله عبر الخدمات المتنوعة وعبر العمل على إنشاء مؤسسات من كل نوع: ثقافية وصحية وتربوية ورياضية وكشفية وترفيهية ومالية وخصوصاً عسكرية ودينية. وهذه الاخيرة عملت على إرساء ممارسات وتقاليد جديدة كل الجدة في الاوساط الشيعية التقليدية قلبت فيها العادات والتقاليد وجعلت من الممارسات الإيرانية - الفارسية مرجعها الوحيد في الحياة والآخرة.  

كما شغّل عبر مؤسساته المختلفة الكثير من الأيدي العاملة إضافة الى التعويضات المبذولة لأهالي الشهداء والضحايا مستفيداً من الدعم الذي تقدمه الدولة اللبنانية عبر وزاراتها إضافة للأموال الإيرانية وتجاراته غير المشروعة التي تكشفت مؤخراً. 

ذلك كله أدّى الى ارتباط أجيال وبيئات عدة به وجدت مصالحها معه وصار مصدر رزقها في ظل سياسة الدولة اللبنانية التي تسمح لممثلي الطوائف لعب دور الوسيط بينها وبين المواطنين فتقدم الخدمات اليهم بواسطة مؤسسات وجمعيات طائفية وسيطة تأخذ قسماً كبيراً من ميزانياتها من موازنات الوزرات كمساعدات سواء على المستوى التربوي أو الصحي أو الاجتماعي فتقدمها للناس باسمها ما يجعلها تحل محل الدولة وتنمّي الولاء الطائفي والزبائني على حساب الولاء للدولة طامسة دورها ما يجعل المال العام مالاً خاصاً، او مالاً طائفياً او مذهبياً، في أذهان الجمهور على مختلف اوساطه. 

شكل وصول حزب الله الى السلطة التنفيذية استكمال اللمسات الاخيرة لاكتمال تحوّل قيادات الحزب، الى الانخراط في النظام اللبناني التقليدي، مستغلاً آفاته ومواصفاته السلبية إلى حدها الأقصى. 

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.