قادة الحقوق المدنية يضغطون على بايدن والحزب الديمقراطي من أجل تعزيز حقوق التصويت
ناشطون مؤيدون للحزب الديمقراطي قاطعوا خطابا للرئيس الأميركي

مني الرئيس جوزف بايدن في الأسبوع الماضي بسلسلة من النكسات السياسية المحرجة أبرزت بشكل نافر محدودية نفوذه، ليس فقط كرئيس للولايات المتحدة، بل أيضا كقائد للحزب الديموقراطي. تزامنت هذه النكسات مع انتهاء سنته الأولى في البيت الأبيض ومع وصول المفاوضات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين وروسيا حول أوكرانيا إلى طريق مسدود، وجاءت قبل عشرة أشهر من الانتخابات النصفية.

قبل سنة كان بايدن يتمتع بدعم شعبي وخاصة في اعقاب مشاعر الاستياء والغضب التي عمت البلاد في اعقاب الاجتياح العنيف لمبنى الكابيتول من قبل مئات المتطرفين من أنصار الرئيس السابق دونالد ترامب، لقلب نتائج الانتخابات الرئاسية، وحين كان بايدن يتمتع بدعم جناحي المعتدلين والتقدميين في الحزب الديموقراطي، إضافة إلى تعاطف وتأييد واسع من قبل حلفاء واشنطن التقليديين الذين أرهقتهم ولاية ترامب. أسبوع واحد يجب أن لا يلخّص ادارة بايدن، ولكنه دون شك أسوأ أسبوع للرئيس الاميركي السادس والاربعين في البيت الابيض. 

تلاحقت النكسات بشكل شبه يومي وجاءت من مختلف الجهات، ووضعت الرئيس بايدن وادارته في موقع دفاعي. المحكمة العليا  بأكثرية قضاتها المحافظين  - ثلاثة منهم عينهم سلفه ترامب -اصدرت حكما علّقت بموجبه قرار بايدن إلزام الشركات الكبيرة بتلقيح موظفيها، وهو قرار حظي بدعم المراجع الطبية. القرار جاء في أعقاب انتقادات واسعة لإدارة بايدن، من انها لم تكن مستعدة للمتحور الجديد أوميكرون وبانها لم تنتج ما يكفي من  ادوات الاختبار الخاصة بفيروس كورونا-19 .يوم الثلاثاء سافر بايدن الى مدينة أتلانتا، في ولاية جورجيا، قبل اسبوع من العيد الوطني المخصص للقس مارتن لوثر كينغ، أحد أبرز قادة حركة الحقوق المدنية، لإلقاء خطاب هام لدعم مشروعي قرارين لضمان حقوق التصويت ونزاهة فرز الاصوات للرد على التعديلات التي ادخلها الجمهوريون في أكثر من عشرين ولاية على القوانين المحلية للانتخابات لخلق العقبات البيروقراطية في وجه الاقليات وغيرها من الشرائح الاجتماعية التي تصوت تقليديا للمرشحين الديموقراطيين.

ولكن الكثير من مؤيدي هذه المشروعين من التقدميين ومن الناشطين الحزبيين الأفريقيي الاصل قاطعوا الخطاب وانتقدوا "تأخر" بايدن في دعم هذه الاجراءات، وفعلوا ذلك بشكل علني أحرج بايدن وأظهر، مرة اخرى محدودية سيطرة الرئيس على الجناح التقدمي في حزبه. الخطاب القوي الذي ألقاه بايدن، عرضّه إلى انتقادات قاسية من الجمهوريين، كما تحفظ عليه بعض المعتدلين في حزبه. 

ويوم الخميس الماضي زار بايدن الكونغرس للاجتماع بالأعضاء الديموقراطيين في مجلس الشيوخ، بعد خطابه في جورجيا والذي اعلن فيه عن دعمه لجهود القيادات الديموقراطية في الكونغرس تغيير قواعد التصويت في مجلس الشيوخ لإقرار مشاريع ضمان حق التصويت ونزاهة الانتخابات. ولكن حتى قبل وصوله الى الكابيتول، الحقت به عضوة مجلس الشيوخ الديموقراطية  كيرستين سينما (ولاية أريزونا) نكسة محرجة، حين القت خطابا في قاعة المجلس كررت فيه وبشكل واضح ولا لبس فيه معارضتها القوية لتغيير قواعد التصويت في المجلس، وهو موقف تشاطره مع العضو الديموقراطي "المعتدل" الآخر، جوزف مانشين (ولاية ويست فيرجينيا). بعد الضربة التي وجهها له "التقدميون" في جورجيا، جاء دور "المعتدلين" في مجلس الشيوخ ليرسموا لبايدن حدود نفوذه في الكونغرس. خرج بايدن من الاجتماع مهزوما، كما يتبين من قوله " آمل ان نحقق ذلك (تغيير قواعد التصويت) ولكن الجواب الصادق هو أنني لا أعرف ما اذا كنا سنحقق ذلك".

موقف العضوين سينما ومانشين يعني ان مشروعي بايدن لتغيير قواعد مجلس الشيوخ، واقرار خطته الطموحة  للغاية المعروفة باسم "اعادة البناء بشكل أفضل" Build Back Better قد وصلتا بشكلهما الراهن الى طريق مسدود، لأنه لا يستطيع إقرار أي منهما دون دعم العضوين سينما ومانشين لان مجلس الشيوخ منقسم بالتساوي بين الحزبين، ما يعني انه يحتاج لأصوات الديموقراطيين الخمسين، اضافة الى صوت نائبته كامالا هاريس، التي تؤهلها صلاحياتها الدستورية التصويت لكسر مثل هذا التعادل في مجلس الشيوخ. 

وعلى خلفية هذه النكسات، أظهرت الاحصائيات أن معدل التضخم منذ وصول بايدن الى البيت الابيض قد وصل الى مستويات غير مسبوقة منذ اربعين سنة. ويعتبر التضخم، الذي يشعر به المستهلك الاميركي يوميا من ابرز التحديات الاقتصادية التي يواجهها الديموقراطيون وهم يحضّرون للانتخابات النصفية في شهر نوفمبر المقبل. انعدام اليقين في مكافحة المتحور أوميكرون، ومعدلات التضخم التي لا تبدو انها ستنحسر في المستقبل القريب، ساهمت في انحسار شعبية الرئيس بايدن وفقا لمختلف استطلاعات الرأي الاخيرة. وأظهر معدّل هذه الاستطلاعات ان بايدن يحظى بتأييد 42 بالمئة فقط من الاميركيين، بعد ان كانت هذه النسبة أكثر من 53 بالمئة بعد انتخابه. 

على الصعيد الخارجي، بعد ثلاثة جلسات من المفاوضات الثنائية والجماعية بين واشنطن وحلفائها من جهة وروسيا الاتحادية من جهة اخرى في جنيف وفيينا وبروكسيل لتفادي اجتياح روسي جديد لأوكرانيا، وصلت المفاوضات الى طريق مسدود، على خلفية تهديدات روسية بتصعيد يتخطى الحدود الروسية-الأوكرانية ليشمل احتمال نشر أسلحة روسية – ربما نووية – في كوبا أو فنزويلا لتهديد الأمن الاميركي، إذا انهارت المفاوضات حول أوكرانيا بشكل نهائي، واذا لم تقبل واشنطن بتغيير "البنية التحتية العسكرية" لحلف الناتو والتي شملت الدول التي كانت في السابق عضوة في حلف وارسو، أي بولندا ودول حوض بحر البلطيق وغيرها. حتى الان لا تزال روسيا تصر على مطالبها الاساسية وفي طليعتها الحصول على ضمانات ملزمة قانونيا بعدم ضم أوكرانيا الى حلف الناتو، وهي مطالب تعتبرها واشنطن تعجيزية. وبعد اشهر من المفاوضات النووية مع ايران لإحياء وربما تطوير الاتفاق النووي لعام 2015، كل المؤشرات تبين ان المفاوضات سوف تصل الى طريق مسدود، بعد ان حققت طهران تقدما تقنيا ملحوظا قّربها من العتبة النووية. وحتى ديكتاتور كوريا الشمالية كيم يونغ أون، اراد ان يساهم في جعل اسبوع بايدن القاتم أكثر قتامة، حين أجرى تجارب صاروخية جديدة أظهرت مدى التقدم الذي احرزته كوريا الشمالية في تطوير ترسانتها الصاروخية. 

نكسات الأسبوع الماضي، يجب أن لا تطمس انجازات بايدن الذي ورث اقتصادا مرهقا وجائحة قاتلة  وانقسامات سياسية خطيرة وتاريخية من سلفه دونالد ترامب. فقد نجحت إدارة بايدن في تلقيح أكثر من 62 بالمئة من الأميركيين، واخفاقها في عدم انجاز نسبة أكبر تعود للارث السلبي حول الجائحة ومكافحتها الذي تركه دونالد ترامب والمعارضة القوية للتلقيح من قبل عشرات الملايين من المواطنين الاميركيين، خاصة بعد ان نجح ترامب وغيره من القياديين الجمهوريين بمن فيهم حكام بعض الولايات الكبيرة مثل تكساس وفلوريدا في تسييس مكافحة كوفيد-19. كما نجح بايدن في إقرار خطة اقتصادية وصلت قيمتها إلى ترليوني دولار لتحفيز الاقتصاد، كما وافق مجلس الشيوخ بدعم من الجمهوريين – في استثناء بارز لمعارضتهم لجميع سياسات بايدن – على إقرار خطته لإعادة بناء البنية التحتية المترهلة في البلاد والتي تزيد قيمتها عن 1200 مليار دولار. 

ولكن ضعف سيطرة الديموقراطيين على مجلسي الكونغرس (أكثريتهم في مجلس النواب هي ثلاثة أصوات فقط، وهم متعادلون مع الجمهوريين في مجلس الشيوخ) والمعارضة الجمهورية الشرسة لمعظم طروحات بايدن، وعدم سيطرته الواضحة على حزبه،  والفوضى الدموية التي صاحبت الانسحاب من أفغانستان في الصيف الماضي، والتحدي المتزايد الذي يمثله التصلب والتطرف الثلاثي الروسي والصيني والإيراني والصعوبات التي يواجهها بايدن في ردعه وصده، كلها خلقت أو عمقت الانطباع بان بايدن ورث من جملة ما ورثه من الرئيس الأسبق باراك أوباما ضعفه في مواجهة خصوم الداخل وأعداء الخارج.  

وإذا لم ينجح بايدن في تغيير هذه المعطيات ومواجهة هذه التحديات بقراراته واجراءاته، لتخفيف معدلات التضخم على سبيل المثال، او تحقيق انجازات في المفاوضات مع روسيا او ايران، أي خلق بعض العوامل التي تساعده على اقناع الناخبين بان اعادة الجمهوريين للسيطرة على مجلسي الكونغرس في نوفمبر المقبل، سوف تزج البلاد في إضطرابات سياسية وثقافية واجتماعية خطيرة، فانه سيسير على طريق مضطرب سيوصله الى نكسة انتخابية يمكن ان تلحق بدورها ضربة كارثية بالديمقراطية الأميركية. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.