هل على المؤرخ تجاهل ما تأتي به السير الذاتية؟
هل على المؤرخ تجاهل ما تأتي به السير الذاتية؟

عبر التاريخ، وعلى امتداد العالم كله، لا يأخذ المُؤرِّخُ ولا الباحثُ الجَادُّ ما تقوله "السِّيَرُ الذاتية" على مَحْملِ الجد؛ لأنها ـ بطبيعتها ذاتيّة ـ مُخْتَرقة من عِدَّة محاور للتحيّز الخاص/ الذاتي، وللتحيّز العام أيضا، فضلا عن كونها في جَدَلٍ دائم ـ عَسيرٍ وخطيرٍ ـ مع شرط الحرية الذي هو شرط المعرفة الموضوعية الأول. فهذه السِّيَرُ الذاتية ـ والحال كذلك ـ لا تقول الحقيقة، لا تقول الحقيقة كاملة، أو لا تقول الحقيقة من زاوية عامة/ موضوعية، بل تقولها مِن زَاوية تَحَيُّزيّة مُنْحَرِفةٍ/ مُحَرِّفة؛ لهذا الأمر أو ذاك، أو هي لا تقول الحقيقة أصلا وفصلا، بل تكذب عن عمد؛ إذ تنسج من خلال "بعض الحقائق المُكَيَّفة" كثيرا من أباطيلها التي قد تكون هي هدف الكتابة من الأساس.  

لكن، هل يعني هذا أن على المؤرخ أو الباحث تجاهل كل ما تنقله هذه السَّيَرُ الذاتية من وقائع ومنقولات/ مقولات، خاصة ما يرتبط منها بعلاقة وثيقة بقضايا الشأن العام ؟ بالتأكيد، الجواب: لا، فهذه السَّيَرُ هي من مصادر التأريخ/ البحث الأولى، ولكن دور الباحث المُحَقِّق هنا يظهر في تتبّع وتحليل الأخبار والتصريحات الواردة فيها؛ عن طريق ربطها بسياقها من جهة، وعن طريق عقد المقارنات التوثيقية مع بقية مصادر التاريخ الأخرى من جهة ثانية. فإذا اتّسقت مع غيرها بأي شكل من أشكال الاتساق؛ فهي حقيقة بالتصديق؛ وإلا فلا. وكلما ارتفعت درجة التواتر، وتعدّدت مصاره، وتباينت توجّهات الفاعلين فيه، وكثرت القرائن، واستجاب السياق لها؛ كانت درجة صِدْقيّتها أوثق. وبقدر اطراد الصدق في سيرة ما؛ تكتسب هذه السيرة موثوقية في بقية أخبارها ومنقولاتها، أي في ما ترويه كمصدر وحيد.  

إن كاتب السيرة الذاتية، وأقصد: الذي يكتب سيرته الشخصية تحديدا، واقعٌ ـ بوعي وبلا وعي ـ في ضرورات الانتقاء. بل إن بعض الدارسين للسيرة يعد السيرة مجرد كتابة في الانتقاء أو بالانتقاء. فالكاتب ـ حتى لو أراد ـ لا يكتب كلَّ سيرته، وإلا لاحتاج لعشرات الألوف من الصفحات التي تغطي كل أيامه ولياليه. وبالتالي، فهو ـ بالضرورة ـ ينتقي ما يراه حقيقا بالكتابة أولا. ومن الواضح أن مَا يراه حقيقا بالكتابة هو يراه مُهِمًّا، مُهِمًّا له في التعبير عن نفسه ككاتب، ومُهِمًّا أيضا للقارئ، بوصفه لا يكتب سيرته ويطبعها وينشرها على نطاق واسع؛ دون أن يكون القارئ هدفا أوليّا لكتابته، ومتضمن في كل هذا أن ما يهمّ القارئ هو الهدف الأولي الذي يجب أخذه في الاعتبار/ في اختيار. 

وإذا كانت حياة الكاتب زاخرةً بما يراه مُهِمًّا له، ولقارئه أيضا، فإن الكاتب لا يستطيع تسطير كل ذلك، لا يستطيع تسطيره على نحو صريح، وربما على نحو ضمني أيضا، على اعتبار أن بعض الوقائع والمواقف والممارسات والتصريحات يضيق عنها فضاء الحرية المتاح: الفضاء الاجتماعي والديني والسياسي والمهني والعائلي، بل الذاتي أيضا. فالحقائق، حتى وإن كانت مُهِمّة، يتعذّر سردها بحرية، وإلا وجد الكاتب نفسه مُسْتهدَفا بالإلغاء/ النفي الجزئي أو الكلي من أحد هذه الفضاءات أو من بعضها، بل وربما منها كلها، وأكثر من ذلك؛ وربما وجد نفس عرضة للاضطهاد المعنوي والمادي المباشر؛ فيما لو أراد أن يقول/ ينقل في سيرته كلَّ ما يراه حقيقا بأن يبقى في سِجل التاريخ.  

هنا، نتحدث عن الحرية الكتابية بمفهومها الواسع، التي قد تكون "الحرية مع الذات/ في مواجهة الذات" أصعبها وأخطرها، فالتربية الذاتية (= تراكم المألوفات وترسّخها كطبائع/ كحقائق، ومنها نظرة المرء إلى ذاته؛ كما هي حقيقة أو كما يأمل أن تكون) قد تهبط بسقف الحرية/ حرية الكاتب إلى مستوى لا تستطيعه كلُّ السلطات الأخرى: الاجتماعية والسياسية والدينية والمهنية/ الوظيفية والعائلية، خاصة وأنها/ الحرية مع الذات سلطة كامنة، مُسْتوعِبة بالكامل، وخَفيّة/ غير واعية في الغالب؛ حتى على الكاتب.  

حتى أولئك الذين يُرِيدون كتابة حياتهم في وقائعها وهمومها واهتماماتها الشخصية البحتة، إنما ينتقون بالضرورة، بل ويُزيّفون بالضرورة, ذلك أن "فضاء الحياة الشخصية" في وقائعها واهتماماتها وآمالها مرتبط أوثق الارتباط بالفضاءات الأخرى، ابتداء من فضاء الأسرة القريبة، و وصولا إلى مجريات الأحداث العالمية الحاسمة، مرورا بكل التحولات الاجتماعية والسياسية وتطورات الفضاء المهني الخاص المرتبط ـ بدوره بالعالمي والسياسي والاجتماعي. 

هل كان الباحث العربي الكبير/ عبدالرحمن بدوي يستطيع أن يقول ما قاله في سيرته الذاتية (سيرة حياتي ج1و2) التي نشرها بعد موت عبد الناصر بثلاثين عاما؛ لو أنه كان يعيش بمصر زمنَ عبد الناصر؟ بل وهل كان المفكر الاقتصادي/ جلال أمين في سيرته (ماذا علمتني الحياة ؟) كان سيذكر ما كتبه أبوه بحق أمّه في مذكراته؛ فيما لو كان أبوه أو أمه لا يزالون أحياء ؟ وهل كان الكاتب المغربي/ محمد شكري في (الخبز الحافي) سيكتب كلَّ ما كتبه؛ لو أنه كان يعيش حياة عائلية/ اجتماعية واسعة العلاقات؟ 

إن الكاتب ليس كائنا خرافيا، ليس كائنا روحانيا معلقا في الفضاء المطلق، بل هو ـ في كل أحواله ـ إنسان واقعي، مرتبط بهذا أشد الارتباط. وإذا كان الكاتب الغربي (الذي اتّسَعت له دوائرُ الحرية في كل هذه الفضاءات السابق ذكرها بدرجة لا يحلم بها أيّ كاتب عربي ولو بعد عدّة قرون)، يُمارِس ـ بالضرورة ـ فَنَّ الانتقاء حتى وهو يسرد فضائحه الذاتية، فكيف بالكاتب العربي المتواشِج مع محيطه بحميميةٍ تفرض عليه الصمت التام؛ حتى فيما يسمح له القانون/ النظام بالحديث عنه، فكيف بما يتعاضد المجتمع والقانون على تجريمه/ تحريمه ؟! 

طبعا، ليس شرطا أن تكون السيرة الذاتية سلسلة "اعترافات" على نحو ما قام به بعض كبار الكتاب في الغرب؛ لتكون صادقة، وناطقة بحقيقة كاتبها وبحقيقة واقعه. فالحقيقة أن السيرة الذاتية ليست بانة التراث الغربي على نحو قاطع، بل لها بداياتها المعتبرة في التراث العربي، ويكفي أن نتذكر ما كتبه أبو حيان التوحيدي عن فقره وحاجته وعلاقاته برموز عصره، وما كتبه ابن سينا عن حياته، وكذلك الإمام الغزالي. فهؤلاء كتبوا شيئا من سيرتهم؛ دونما فضائح من الوزن الثقيل. ولكن ـ وهنا المأخذ عليهم حتى في سياق ظرفهم التاريخي ـ أن ما "انتخبوه" من وقائع حياتهم لم يكن تصويرا للحقيقة، أو لم يكن تصويرا للحقيقة من أهم جوانبها. ويكفي أن الغزالي ـ بما ذكره في "المنقذ من الضلال" أساسا، وفي غيره بالتبع ـ لم يُفْصِح عن الإلجاءات التي جعلته يعيش حالة انفصام خطيرة رصد معالمها؛ غير أنه لم يجرؤ/ لم يُرِد الحديث عن أسبابها الأولى؛ مع أن السياق كان يشترط ذكر هذه الأسباب.   

لتوفير حدّ أدنى من الموضوعية، نجد أن بعض كتّاب السيرة الذاتية يُؤكّدون ـ كنوع من الاعتراف بعدم القدرة على الاعتراف ـ أن في داخل أدمغتهم ما لا يستطيعون البوح به، ويؤكدون أنهم إذ يقولون الحقيقة فعلا، فإنهم لا يقولون "كل الحقيقة"؛ لأن "كل الحقيقة" ليست موضوعا للكتابة أصلا؛ حتى ولو تبجّح الكاتب بادعائها صراحة أو ضمنا. مثل هذا ما قاله غازي القصيبي في مقدمة كتابه (حياة في الإدارة)، حيث أكّد أنه سيقول الحقيقة، ولن يقول إلا الحقيقة، ولكن ليس كل الحقيقة/ كل الحقائق.  

لن يقول إلا الحقيقة، و ـ في الوقت نفسه ـ لن يقول كلَّ الحقيقة. هنا ينبعث سؤال/تساؤل: إذا كانت بعض الحقائق معزولة ـ نسبيا ـ عن علائقها؛ بحيث يمكن سردها مجردة من علائقها وسياقاتها، فكيف ببقية الحقائق ـ وهي الأكثر ـ؛ هل يمكن عزلها من سياقها، ومن ثَمَّ التعريف ببعضها والإعراض عن بعضها الآخر ؟ وهل ستكون ـ حينئذٍ ـ حقيقة معتبرة في الدراسات العلمية/ الموضوعية ؟! 

أحيانا، ولاعتبارات "ثمن الحقيقة"، يجري التعويض بالأدب، أي التعويض بالجمالي عن الموضوعي. هنا تأتي اللغة بمجازاتها وصورها الباذخة، هنا تأتي الرومانسيات النازفة أشواقًا وبكاءً وتهويما أو الضربة على أوتار تراجيديا المآسي العاصفة؛ ليشتغل القارئ بـ"المُنْجَز الكتابي" بوصفه حقيقة مُتَعيّنة بحد ذاته، فيكون هو البداية والنهاية، هو وحده بوصلة العمل القرائي، وليس ما وراءه من وقائع وأحداث وشخصيات. ويمكن ـ بدرجة ما ـ اعتبار "الأيام" لطه حسين من هذا النوع الذي أصبح فيه "النص السِّيَري" أهم بكثير من وقائع حياة النَّاص/ الكاتب. 

على أية حال، ليس في كتابة "السيرة الذاتية" وحدها، يحدث هذا الكم الهائل من التحيّزات الواعية وغير الواعية. صحيح أن السيرة الذاتية بحكم كونها "ذاتية" بدرجة مضاعفة (الكاتب هو ذاته موضوع الكتابة) هي الأكثر تورطا في سلسلة التحيزيات وفي سلسلة الاضطرارات أيضا، ولكن ـ في النهاية ـ نجد أن كل صور الكتابة التي تسرد وقائع أو تصف أحداثا أو تُقيّم أشخاصا، إنما تمرّ عبر وسيط غير محايدٍ أبدا، إنها تمرّ عبر عدسة وعي الكاتب الملونة بثقافة وبمهارته الكتابية وبهمومه وبانتماءاته، وحتى بحدود العدسة ذاتها، أي بطبيعتها الأولى.   

أخيرا، هل معنى كل ما سبق أن نَكُفَّ عن كتابة سِيَرنا الذاتية أو نَكُفَّ عن قراءة ما كتب منها ؟ الجواب بالتأكيد: لا. لكن المطلوب أننا إذ نكتب سِيَرَنا الذاتية يجب أن نكون واعين بحدود حريتنا، وأن نسعى لِمَدّ حدود هذه الحرية ما أمكن، وأن ندرك أن الحرية في الكتابة، والكتابة السِّيَرية بالذات، قابلة للعدوى في اتساعها وضيقها، وأن تعليق جرس الصراحة إنما هي مهمة الشجعان. وفي المقابل أيضا، أن نَكُفَّ عن قراءة هذه السِّيَر المُنْجَزَة بوصفها حقائق، بل نقرأها بشرطها السياقي العام، وبشرطها السياقي الخاص، الخاص بالكاتب، ونَعي تمام الوعي أن الكاتب قد يقول ما يقوله لمجرد أن يَسكت عن أشياء أخرى. والغالب أن هذا "المسكوت عنه"، أهم بكثير من "المَقول صراحة"، وأن "بعض الحقائق المُرّة"، إنما يجري سردها لإخفاء "كثير من الحقائق المُرّة" الأكبر والأخطر والأشد حرجا.       

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.