الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الرئيس السوداني المعزول عمر البشير (2017)
"عانى نظام الإخوان المسلمين الذي ترأسه البشير من عزلة دولية كبيرة"

ربما أعطى الحديث الذي أدلى به المفكر الروسي، ألكسندر دوغين، لبرنامج "المقابلة" الذي تبثه "قناة الجزيرة" حول المنطلقات والمحددات التي تحكم السياسة الخارجية الروسية وكيفية اتخاذ القرار في البلد الذي يسعى لاستعادة نفوذه العالمي، الذي فقده بعد زوال الاتحاد السوفيتي، مؤشرا لطبيعة الدور الروسي في السودان.

قال دوغين إن أفكاره تتطابق مع أفكار الزعيم الروسي في القضايا الجيوسياسية وأنه "يُنظِّر و(فلاديمير) بوتين يُطبِّق" على أرض الواقع.

وأشار إلى أن المُحدِّد الرئيسي لتلك القضايا يتمثل في كيفية "مواجهة النفوذ الأميركي في العالم"، موضحاً أن "روسيا هي بوتين" وهو من يحدد كل شيء في السياسة وأن في بلاده "القانون لا شيء والحاكم كل شيء". كما أكد دوغين أن أفكاره انتشرت بين أوساط القوة في بلده وخاصة الأوساط العسكرية وجهاز الاستخبارات.

إذا، نحن هنا بإزاء توجه روسي خارجي ينبني في وجهته الأساسية على الحد من النفوذ الأميركي حول العالم، وهو توجه عملي لا يزعم أنه يسعى لمساندة قيم الحرية أو الديمقراطية أو حكم القانون، بل يتعامل مع الأنظمة المعادية للموقف الأميركي فحسب، ولا سيما تلك التي تسندها القوة العسكرية والاستخبارية في البلد المعين الذي يكون فيه "الحاكم هو كل شيء".   

وإذ تطمح روسيا إلى استعادة مواقع النفوذ الاستراتيجي التي فقدتها بزوال الاتحاد السوفيتي في أفريقيا، فقد سعت لتوطيد علاقتها مع الرئيس المخلوع، عمر البشير، الذي قام بزيارة موسكو، في يوليو 2018، وطلب من بوتين حمايته من المخططات الأميركية الهادفة لإسقاط نظامه الحاكم، واتفق معه على إقامة قاعدة عسكرية روسية على البحر الأحمر. 

لا شك أن السودان، بموقعه الاستراتيجي مقابل خليج عدن على البحر الأحمر، يشكل أهمية قصوى لموسكو، حيث تعبر ذلك الممر المائي حوالي 10 بالمئة من البضائع العالمية بما فيها النفط والغاز الطبيعي، كما أن روسيا تستطيع من خلال إقامة قاعدة على البحر الأحمر الربط المباشر مع قاعدتها البحرية في طرطوس السورية فضلا عن تمكينها من لعب دور فاعل في النزاعات الدولية.

قد عانى نظام الإخوان المسلمين الذي ترأسه البشير من عزلة دولية كبيرة فرضتها عليه الحكومات الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، مما جعله يتجه شرقا لخلق علاقات اقتصادية وسياسية استراتيجية مع الصين، خصوصا في مجال صناعة النفط، لتصبح بكين أكبر شريك تجاري للخرطوم وأكبر مدافع عن نظامها الحاكم في الأروقة الدولية خاصة مجلس الأمن.

ولكن الصين لم يكن باستطاعتها تقديم العون العسكري الذي طمح إليه البشير المعزول من قبل العالم والمحاصر من قبل شعبه، والذي كان يراقب عن كثب الدور الروسي في سوريا حيث لم تتوان موسكو عن إرسال قواتها العسكرية لإنقاذ حليفها بشار الأسد، ومن هنا جاء طلبه لبوتين لحمايته من التدخل الأميركي.

حينها كانت موسكو قد بدأت وضع  أقدامها في السودان عبر عدد من شركات التعدين الروسية التي منحتها حكومة الرئيس المخلوع الترخيص للتنقيب عن الذهب في ولايتي نهر النيل والشمالية (يعد السودان ثاني أكبر منتج للذهب في أفريقيا), وكذلك عبر شركات المرتزقة الأمنية وعلى رأسها شركة "فاغنر" التي أعانت أجهزة الأمن على قمع التظاهرات.

ومن ناحية أخرى، فإن روسيا لم تكتف بالاستثمارات المعدنية والشركات الأمنية بل أصبحت مصدرا رئيسيا من مصادر السلاح للسودان خلال العقدين الأخيرين، حيث تقدر بعض التقارير أن صادرات السلاح الروسي للخرطوم خلال فترة حكم الإخوان المسلمين، بين عامي 1997 و2017، قد بلغت حوالي مليار دولار أميركي.

وبعد سقوط نظام الإخوان المسلمين، استمرت روسيا في توطيد علاقتها مع الجيش السوداني، حيث وقعت موسكو والخرطوم، في مايو 2019، اتفاقيتين عسكريتين جديدتين، إحداهما تهدف إلى تبادل الخبرات المتعلقة بعمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام والأخرى لتعزيز التعاون في المجال البحري.

ومع قيام الحكومة الانتقالية المدنية، بدأ السودان في استعادة علاقاته الدولية، خاصة مع دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، حيث قامت واشنطن بخطوات كبيرة لتطوير علاقتها مع الخرطوم، شملت رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب وتقديم المساعدات المالية وإعادة التعامل مع المؤسسات الدولية المانحة فضلا عن ترفيع التبادل الدبلوماسي بين البلدين.

وقد تبدى جليا أن الولايات المتحدة تسعى من جانبها لجعل السودان شريكا أساسيا لها في المنطقة التي غابت عنها لفترة طويلة مما سمح بتمدد النفوذ الصيني والروسي كثيرا.

وهو الأمر الذي اتضح من خلال الاهتمام الكبير الذي أظهرته إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب، وكذلك الرئيس الحالي، جو بايدن، فضلا عن المشرعين في الكونغرس من الحزبين تجاه ضرورة إنجاح الفترة الانتقالية في السودان، وهو الأمر الذي انعكس في الجهد السياسي والدبلوماسي اللصيق والزيارات غير المسبوقة للمسؤولين الأميركيين للخرطوم. 

وعندما قام المكون العسكري في مجلس السيادة بالانقلاب على الحكومة المدنية والأوضاع الدستورية، في 25 أكتوبر الماضي، إتخذت الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، مواقف واضحة مناهضة له أتبعتها بقرارات نافذة بوقف المساعدات المالية وتجميد التعاون مع المؤسسات الدولية المانحة إلى حين إنهاء الانقلاب وعودة المسار المدني الانتقالي.

أما روسيا فقد وقفت على الضفة الأخرى وحالت دون اتخاذ مجلس الأمن قرارات تُدين الانقلاب وتدعو المكون العسكري إلى استئناف الأوضاع المدنية بشكل فوري، وهو الموقف الذي يتماهى مع سياسة موسكو التي أشرنا إليها في صدر المقال والتي تهدف لمجابهة النفوذ الأميركي حول العالم وتعتبر أن الحاكم الذي يملك القوة العسكرية يمثل كل شيء.

وإذ تكاد الأزمة السودانية تصل ذروتها عبر استمرار الرفض الشعبي الواسع للانقلاب مع تمسك العسكر بالسلطة، فإن مواقف الدول الخارجية ستلعب دورا مهما في ترجيح إحدى الكفتين، فبينما تنشط المواقف الداعمة للحكم المدني في تكثيف الضغوط بحثا عن حلول تتوافق مع مطالب الجماهير، لا يزال الدور الروسي يُغري الجيش بالمضي في تثبيت أركان الانقلاب.

ومع أن كل المعطيات الموضوعية تؤكد أن المضي في طريق تشديد القبضة الانقلابية ومواصلة أساليب  القمع والتنكيل وتضييق الحريات ستعصف باستقرار البلد، فإن الدرس المستفاد من انقلاب 25 أكتوبر هو أن مغامرات العسكر لا تخضع لتلك المعطيات وأنه من غير المستبعد أن يمضوا في ذات الطريق ولو أدى ذلك لانزلاق البلد في الفوضى والحرب الأهلية الشاملة. 

تُغريهم في ذلك تجربة سوريا حيث نجح بشار الأسد في تثبيت أركان حكمه (بالطبع ليس على كل التراب السوري) مستقويا بالعسكرية الروسية .

وربما تؤكد صحة الحديث أعلاه المجزرة المروعة التي ارتكبها العسكر ضد المتظاهرين، يوم 17 يناير، وكذلك القرارات التي أصدرها مجلس الأمن والدفاع، والتي شملت قرار "تأسيس قوة خاصة لمكافحة الإرهاب لمجابهة التهديدات المحتملة"، وهى خطوة تمهد الطريق لإطلاق يد الأجهزة الأمنية لممارسة المزيد من القتل والتضييق والاعتقالات في مواجهة الثوار الذين استمروا في الخروج للشوارع لمقاومة الانقلاب منذ فجر وقوعه في 25 أكتوبر الماضي.    

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.