نقلت وسائل الإعلام أخيراً عن اكتشاف أثري فائق الأهمية في الشمال الغربي من المملكة العربية السعودية، حول أعداد كبيرة من المقابر والصروح التي تعود إلى ما يقارب أربعة آلاف وخمسمئة سنة من اليوم.
من شأن هذه الاكتشافات، إن أتيح لها أن تُتابع وفق المنهجية العلمية، أن تساهم بتبديل القراءة الحالية لتاريخ الحضارة ومشرقها. على أنه لا بد من الحذر، وعدم الوقوع في فخ التفاؤل بشأن إمكانية إقصار معالجة هذا الاكتشاف على المنهجية العلمية، أو بشأن الاستفادة الفعلية منه.
كشفت نتائج الأبحاث التي أجريت بالشراكة مع @UWAresearch عن ممرات جنائزية بناها القدماء في شمال غرب شبه الجزيرة العربية منذ 4500 عام تربط بين الواحات والمراعي لتعكس درجة عالية من الترابط الاجتماعي والاقتصادي بين سكان المنطقة في تلك الحقبة.
— الهيئة الملكية لمحافظة العلا (@RCU_SA) January 11, 2022
الدعوة للحذر هنا لها ما يبررها. فقد سبق اكتشاف مادة تاريخية أثرية منقطعة النظير في تل مرديخ في جوار مدينة حلب السورية قبل عقود طويلة. وكان الأحرى موضوعياً بأن يعاد تصوير تاريخ المنطقة بأكملها، بل الحضارة الإنسانية برمّتها، على أساس ما أفصحت عنه مدينة "إبلا" في تل مرديخ، وما وثّقته من مدنية في زمنها غائبة عن الذاكرة المتواصلة، وزمن ازدهار مدينة "إبلا" مجاور لذاك المتعلق بالاكتشافات الجديدة في السعودية.
غير أنه بعد مرور الأزمان على اكتشاف "إبلا" ومكتبتها وعالمها، فإنه لا اعتبار يذكر لها في الكتابة التاريخية العامة.
الأسباب عديدة، بعضها عَرَضي، منها أن المتحكمين بهذا الاكتشاف إيطاليون، ولغتهم محدودة الانتشار. غير أن السبب الأبرز ربما هو أنه لا سبيل للتوفيق بين مقتضى اكتشافات "إبلا" والقراءة السائدة المهيمنة على نشأة التاريخ وتطورّه، وهي قراءة لا تزال مضطرة لمراعاة السردية التي يحتضنها "علم الآثار الكتابي".
"علم الآثار"، والذي توضّحت أسسه في القرن التاسع عشر ثم تطورت منهجياته في القرن الماضي، هو أهم العلوم المساندة للتاريخ. فمن خلال الكشف عن الآثار التي خلفتها المجتمعات والدول المندثرة، يسمح هذه العلم بالتدقيق بالمعلومات المنقولة بشكلها في المصادر المكتوبة، وصولاً إلى توضيح بعض غموضها، تأكيد بعض مقولاتها، ونفي بعض مزاعمها.
مادة هذا العلم لا تقتصر على النقوش والصروح والتي قد يكون القدماء قد تعمّدوا من خلالها مخاطبة المستقبل، بل هي تشمل أيضاً كافة مخلفاتهم، التي حافظوا عليها لقيمتها بالنسبة لهم، والتي أهملوها أو سعوا إلى إزالتها.
وعلم الآثار هو الوسيلة الأولى للاطلاع على أحوال ناس ما قبل التاريخ، بعد أن اصطلح على اعتبار مبدأ التاريخ تدوين النصوص، إذ حيث لا نصوص فإن البقايا المادية، الناتجة عن القصد والعناية الفنية منها كما المترتبة عن الحياة اليومية، هي الطريقة الأساسية لتبين كيف عاش الناس في ماضيهم، وكيف تواصلوا، وكيف تفاعلوا، حروباً أو تجارة أو تبادلاً ثقافياً.
على أنه مع بروز هذا العلم في القرن التاسع عشر، ومع شروعه بالكشف عن معطيات وأخبار وفق المنهجية الاستنتاجية، سواء عبر حل رموز الخطوط العابرة التي كان قد ضاع فهمها أو عبر جمع البقايا، من عظام وفخاريات وقطع فنية، نشأت منهجية رديفة للتوجه الاستنتاجي الغالب على هذا العلم.
لم تكن هذه المنهجية الموازية منقطعة بالكامل عن تلك التي أخذت تتشكل لتصبح القواعد المتعارف عليها لعلم الآثار، غير أن أساسها الأول أخرجها عن سياق الأسئلة التي يطرحها علم الآثار، وجعل منها مادة مستقلة بذاتها. هو "علم الآثار الكتابي"، وهو، رغم التشابه بالتسمية، ليس فرعاً من علم الآثار، بل جزءاً من الدراسات الدينية.
علم الآثار المنهجي يقتضي بأن تكون نقاط التلاقي بين ما كشفت عنه الحفريات والسياق التاريخي الذي تنسب إليه قائمة على المعطيات القابلة للتدقيق. كأن يكون النقش المرتبط بحدث تاريخي ما يتوافق بقدر مشهود، من حيث الشكل والمضمون والأسلوب واللغة والسياق، مع البيانات المجموعة من المصادر التاريخية المكتوبة بشأن هذا الحدث، أو أن يتيح المجال، بناءً على ما يقدّمه من تفاصيل ودقائق، لمراجعة نقدية للروايات المتداولة حول هذا الحدث.
هي علاقة تفاعلية تثري المادتين، التاريخ وعلم الآثار، إذ قد تلقي الأضواء على ما هو غامض من التاريخ من خلال تفحّص الآثار، فيما هي كذلك تدفع باتجاه تنقيبات وبحوث أثرية إضافية بناءً على ما يرد في النص التاريخي.
أما "علم الآثار الكتابي"، فلا يرضى بالتفاعلية، ولا هو يسعى إلى مساءلة نص "الكتاب المقدّس"، بل غايته من اعتماد منهجية معدّلة لعلم الآثار هي وحسب تأكيد صحّة ما ورد في الأسفار المقدسة.
وإذا كانت ثمة خلافات بين المتخصصين بعلم الآثار الكتابي فهي عند أقصى الحدود حول صوابية الربط بين ما كشفت عنه إحدى التنقيبات الأثرية وما اختاره لها متخصص ما من مقابل ضمن النص المقدّس. أما مضمون النص بحدّ ذاته، فغير مشمول بأي مساءلة بناءً على ما تم إيجاده، كما أنه لا شك لدى مجموع المتخصصين بعلم الآثار الكتابي أن بحوث هذا الاختصاص بمجملها، وإن وهنت عند بعض التفاصيل، تقدّم صورة متكاملة عن عالم "الكتاب المقدّس" القديم.
وبما أن المؤرخين الغربيين، في المرحلة السابقة لعلم الآثار، أي في القرن الثامن عشر وما سبقه، كانوا قد اتفقوا على معالم التاريخ القديم، مع الاعتماد الكثيف على روايات الكتاب المقدس، ورسموا لها الخرائط التفصيلية انطلاقاً من نصوص هذا الكتاب، فإن من تلاهم من مؤرخين وصولاً إلى الزمن الحالي، يدرج في سياق الأطالس وكتب التاريخ، وإن مع بعض التحفظ الخجول، ما يتوافق مع هذا التراث التأريخي، وإن كان ذلك على حساب تجاهل حقيقة صعبة.
الحقيقة الصعبة هنا هي أنه رغم مرور قرنين من الجهود المكثّفة لعلم الآثار الكتابي، فإن الحصيلة، وفق معايير علم الآثار المنهجي، معدومة بالمطلق.
علم الآثار الكتابي يقرّر الحدث أولاً ثم يسعى إلى توثيقه بالقرائن مهما ضعفت. السعادة الفائقة التي صاحبت الكشف عن أخبار "طوفان نوح" في اللوحات المسمارية في بلاد ما بين النهرين سرعان ما انحسرت عندما تبين الطابع المحلي القطعي للفيضانات المذكورة.
العمالقة، والتي ورد ذكرها في الكتاب المقدس، والتي أراد البعض اكتشاف عظامها في القارات المختلفة كانت إما نتيجة قراءة خاطئة لما تمّ الكشف عنه، أو لحالات تزييف.
ثمة معبد في فلسطين يفترض أن يكون مركزا لطقوس الكتاب المقدس، سوى أنه للإله الواحد هنا زوجة، واسم الإله غير مذكور، بل قد يكون هذا المعبد، وفق محاولة استيعابه ضمن "علم الآثار الكتابي"، قد تمّ تشييده على أنقاض معبد لإله آخر من زمن آخر. ثم هنالك قطعة فخارية يتيمة، تتضمن أربعة أحرف، ربما هي إشارة، ولو بخطأ إملائي، ولو بلغة أخرى، إلى السلالة الحاكمة في الزمن الذي يشير إليه النص الكتابي.
أما عن مصر، فهنا الطامة الكبرى التي يطمسها "علم الآثار الكتابي". لقد خلّفت الحضارة المصرية، وهي مع الصين، دون تحفظ، أبرز الحضارات العالمية عمقاً في الزمن والإنجاز، أعداداً لا تحصى من النصوص التي كانت عصيّة لفكّ رموزها أو ترجمتها الصحيحة إلى أمس قريب، ولكنها اليوم أصبحت بمتناول الجميع بعد دراسات مستفيضة عنها.
في هذا الكم الهائل، والذي يشمل تاريخ المنطقة على مدى الألفيات، بما فيه مراسلات حفظت فيما كشفه التنقيب في تل العمارنة، من حكام المناطق التي يزعم "علم الآثار الكتابي" اشتمالها على مخلفات مجتمعات "الكتاب المقدس"، دون أن يرد فيها إطلاقاً ومطلقاً ما يتناسب مع روايات هذا الكتاب، فيما هي غنية ثرية بما لا علاقة له بهذه الروايات.
في كل هذا التراث، إشارة يتيمة بعد عملية عسكرية إلى الغرب من مصر، لا إلى شرقها، إلى إخضاع عشائر، اسم إحداها، بعد القبول باستبدال بعض الأحرف، يشبه، إلى حد ما، اسماً يتكرر في "الكتاب المقدس". في هذه الإشارة بالتالي، وفق المزاعم المتكررة إلى حدّ الإغراق، الفيصل حول كمال الرواية الكتابية وانطباقها على سجل الآثار. طبعاً لا.
لا حاجة لعلم الآثار الكتابي إلى الدقّة العلمية، بل يكفيه أنه محصّن بالقناعات العامة، والتي يصعب على المؤرخين مواجهتها، فيعملون عوض ذلك إلى تجنبها. النتيجة هي التعايش بين سرديتين، كما سبق التفصيل في مقالات سابقة.
المهم هنا ألا تتكرر هذه الإشكالية في سياق الاكتشافات المستجدة في السعودية. والواقع أن هذا الرجاء ليس سهلاً، لاستقرار السردية الدينية الإسلامية، والتي تقبل ضمناً علم الآثار الكتابي في نتائجه، إلى حد ما وفي منهجيته بالتأكيد.
وللتوّ فإن هذه الاكتشافات مجاورة لمدائن صالح. وتسمية الآثار بهذه المنطقة باسم نبي من النص القرآني لا يستند إلى معطيات، بل هو من باب الاستصحاب والاشتباه والتقليد المؤسس. وتكرُّرُ هذا الاستصحاب محتملٌ مع الاكتشافات الجديدة، نظراً لضعف التأطير التاريخي لمرحلة ما قبل الإسلام.
من شأن هذه الآثار، إن جرت متابعتها علمياً، أن تشكل حافزاً لتمتين هذا الإطار التاريخي المهمل، ولكن من شأنها أيضاً أن يجري استيعابها كمادة إضافية تستصحب إشارات قرآنية قبل أن تمسي أقوالاً مقبولة صعبة التفنيد.
خلافاً للكتاب المقدس، فإن النص القرآني لا يستفيض بالتفاصيل ذات الطابع التاريخي، بل يعمد وحسب إلى الإشارة إلى الأحداث والأفراد للاستعبار.
من شأن هذه السمة بحدّ ذاتها أن تمنع الوقوع في فخ الاستصحاب، غير أن التماهي في التوجهات الفكرية الإسلامية المعاصرة، ولا سيما منها السلفية، وإن دون الاتضاح الذاتي لهذا الواقع، مع المعتمد في القراءات الكتابية، مثل إعلاء شأن التسلسل الزمني، والإقلال من المجاز والمقيّد والخاص، والإكثار من العام والمطلق، قد ينقض هذا التميّز في النص القرآني ويدفع باتجاه نشوء "علم آثار قرآني" يحاكي علم الآثار الكتابي في منهجيته، في أهوائيته، وفي إعاقته للاستفادة الموضوعية من الاكتشافات المستجدة. عسى ألا يكون ذلك.

