الهيئة الملكية لمحافظة العلا - اكتشاف مقابر
"الحصيلة، وفق معايير علم الآثار المنهجي، معدومة بالمطلق" | Source: www.rcu.gov.sa

نقلت وسائل الإعلام أخيراً عن اكتشاف أثري فائق الأهمية في الشمال الغربي من المملكة العربية السعودية، حول أعداد كبيرة من المقابر والصروح التي تعود إلى ما يقارب أربعة آلاف وخمسمئة سنة من اليوم.

من شأن هذه الاكتشافات، إن أتيح لها أن تُتابع وفق المنهجية العلمية، أن تساهم بتبديل القراءة الحالية لتاريخ الحضارة ومشرقها. على أنه لا بد من الحذر، وعدم الوقوع في فخ التفاؤل بشأن إمكانية إقصار معالجة هذا الاكتشاف على المنهجية العلمية، أو بشأن الاستفادة الفعلية منه.

الدعوة للحذر هنا لها ما يبررها. فقد سبق اكتشاف مادة تاريخية أثرية منقطعة النظير في تل مرديخ في جوار مدينة حلب السورية قبل عقود طويلة. وكان الأحرى موضوعياً بأن يعاد تصوير تاريخ المنطقة بأكملها، بل الحضارة الإنسانية برمّتها، على أساس ما أفصحت عنه مدينة "إبلا" في تل مرديخ، وما وثّقته من مدنية في زمنها غائبة عن الذاكرة المتواصلة، وزمن ازدهار مدينة "إبلا" مجاور لذاك المتعلق بالاكتشافات الجديدة في السعودية.

غير أنه بعد مرور الأزمان على اكتشاف "إبلا" ومكتبتها وعالمها، فإنه لا اعتبار يذكر لها في الكتابة التاريخية العامة.

الأسباب عديدة، بعضها عَرَضي، منها أن المتحكمين بهذا الاكتشاف إيطاليون، ولغتهم محدودة الانتشار. غير أن السبب الأبرز ربما هو أنه لا سبيل للتوفيق بين مقتضى اكتشافات "إبلا" والقراءة السائدة المهيمنة على نشأة التاريخ وتطورّه، وهي قراءة لا تزال مضطرة لمراعاة السردية التي يحتضنها "علم الآثار الكتابي".

"علم الآثار"، والذي توضّحت أسسه في القرن التاسع عشر ثم تطورت منهجياته في القرن الماضي، هو أهم العلوم المساندة للتاريخ. فمن خلال الكشف عن الآثار التي خلفتها المجتمعات والدول المندثرة، يسمح هذه العلم بالتدقيق بالمعلومات المنقولة بشكلها في المصادر المكتوبة، وصولاً إلى توضيح بعض غموضها، تأكيد بعض مقولاتها، ونفي بعض مزاعمها.

مادة هذا العلم لا تقتصر على النقوش والصروح والتي قد يكون القدماء قد تعمّدوا من خلالها مخاطبة المستقبل، بل هي تشمل أيضاً كافة مخلفاتهم، التي حافظوا عليها لقيمتها بالنسبة لهم، والتي أهملوها أو سعوا إلى إزالتها.

وعلم الآثار هو الوسيلة الأولى للاطلاع على أحوال ناس ما قبل التاريخ، بعد أن اصطلح على اعتبار مبدأ التاريخ تدوين النصوص، إذ حيث لا نصوص فإن البقايا المادية، الناتجة عن القصد والعناية الفنية منها كما المترتبة عن الحياة اليومية، هي الطريقة الأساسية لتبين كيف عاش الناس في ماضيهم، وكيف تواصلوا، وكيف تفاعلوا، حروباً أو تجارة أو تبادلاً ثقافياً.

على أنه مع بروز هذا العلم في القرن التاسع عشر، ومع شروعه بالكشف عن معطيات وأخبار وفق المنهجية الاستنتاجية، سواء عبر حل رموز الخطوط العابرة التي كان قد ضاع فهمها أو عبر جمع البقايا، من عظام وفخاريات وقطع فنية، نشأت منهجية رديفة للتوجه الاستنتاجي الغالب على هذا العلم.

لم تكن هذه المنهجية الموازية منقطعة بالكامل عن تلك التي أخذت تتشكل لتصبح القواعد المتعارف عليها لعلم الآثار، غير أن أساسها الأول أخرجها عن سياق الأسئلة التي يطرحها علم الآثار، وجعل منها مادة مستقلة بذاتها. هو "علم الآثار الكتابي"، وهو، رغم التشابه بالتسمية، ليس فرعاً من علم الآثار، بل جزءاً من الدراسات الدينية.

علم الآثار المنهجي يقتضي بأن تكون نقاط التلاقي بين ما كشفت عنه الحفريات والسياق التاريخي الذي تنسب إليه قائمة على المعطيات القابلة للتدقيق. كأن يكون النقش المرتبط بحدث تاريخي ما يتوافق بقدر مشهود، من حيث الشكل والمضمون والأسلوب واللغة والسياق، مع البيانات المجموعة من المصادر التاريخية المكتوبة بشأن هذا الحدث، أو أن يتيح المجال، بناءً على ما يقدّمه من تفاصيل ودقائق، لمراجعة نقدية للروايات المتداولة حول هذا الحدث.

هي علاقة تفاعلية تثري المادتين، التاريخ وعلم الآثار، إذ قد تلقي الأضواء على ما هو غامض من التاريخ من خلال تفحّص الآثار، فيما هي كذلك تدفع باتجاه تنقيبات وبحوث أثرية إضافية بناءً على ما يرد في النص التاريخي.

أما "علم الآثار الكتابي"، فلا يرضى بالتفاعلية، ولا هو يسعى إلى مساءلة نص "الكتاب المقدّس"، بل غايته من اعتماد منهجية معدّلة لعلم الآثار هي وحسب تأكيد صحّة ما ورد في الأسفار المقدسة.

وإذا كانت ثمة خلافات بين المتخصصين بعلم الآثار الكتابي فهي عند أقصى الحدود حول صوابية الربط بين ما كشفت عنه إحدى التنقيبات الأثرية وما اختاره لها متخصص ما من مقابل ضمن النص المقدّس. أما مضمون النص بحدّ ذاته، فغير مشمول بأي مساءلة بناءً على ما تم إيجاده، كما أنه لا شك لدى مجموع المتخصصين بعلم الآثار الكتابي أن بحوث هذا الاختصاص بمجملها، وإن وهنت عند بعض التفاصيل، تقدّم صورة متكاملة عن عالم "الكتاب المقدّس" القديم.

وبما أن المؤرخين الغربيين، في المرحلة السابقة لعلم الآثار، أي في القرن الثامن عشر وما سبقه، كانوا قد اتفقوا على معالم التاريخ القديم، مع الاعتماد الكثيف على روايات الكتاب المقدس، ورسموا لها الخرائط التفصيلية انطلاقاً من نصوص هذا الكتاب، فإن من تلاهم من مؤرخين وصولاً إلى الزمن الحالي، يدرج في سياق الأطالس وكتب التاريخ، وإن مع بعض التحفظ الخجول، ما يتوافق مع هذا التراث التأريخي، وإن كان ذلك على حساب تجاهل حقيقة صعبة.

الحقيقة الصعبة هنا هي أنه رغم مرور قرنين من الجهود المكثّفة لعلم الآثار الكتابي، فإن الحصيلة، وفق معايير علم الآثار المنهجي، معدومة بالمطلق.

علم الآثار الكتابي يقرّر الحدث أولاً ثم يسعى إلى توثيقه بالقرائن مهما ضعفت. السعادة الفائقة التي صاحبت الكشف عن أخبار "طوفان نوح" في اللوحات المسمارية في بلاد ما بين النهرين سرعان ما انحسرت عندما تبين الطابع المحلي القطعي للفيضانات المذكورة.

العمالقة، والتي ورد ذكرها في الكتاب المقدس، والتي أراد البعض اكتشاف عظامها في القارات المختلفة كانت إما نتيجة قراءة خاطئة لما تمّ الكشف عنه، أو لحالات تزييف.

ثمة معبد في فلسطين يفترض أن يكون مركزا لطقوس الكتاب المقدس، سوى أنه للإله الواحد هنا زوجة، واسم الإله غير مذكور، بل قد يكون هذا المعبد، وفق محاولة استيعابه ضمن "علم الآثار الكتابي"، قد تمّ تشييده على أنقاض معبد لإله آخر من زمن آخر. ثم هنالك قطعة فخارية يتيمة، تتضمن أربعة أحرف، ربما هي إشارة، ولو بخطأ إملائي، ولو بلغة أخرى، إلى السلالة الحاكمة في الزمن الذي يشير إليه النص الكتابي.

أما عن مصر، فهنا الطامة الكبرى التي يطمسها "علم الآثار الكتابي". لقد خلّفت الحضارة المصرية، وهي مع الصين، دون تحفظ، أبرز الحضارات العالمية عمقاً في الزمن والإنجاز، أعداداً لا تحصى من النصوص التي كانت عصيّة لفكّ رموزها أو ترجمتها الصحيحة إلى أمس قريب، ولكنها اليوم أصبحت بمتناول الجميع بعد دراسات مستفيضة عنها.

في هذا الكم الهائل، والذي يشمل تاريخ المنطقة على مدى الألفيات، بما فيه مراسلات حفظت فيما كشفه التنقيب في تل العمارنة، من حكام المناطق التي يزعم "علم الآثار الكتابي" اشتمالها على مخلفات مجتمعات "الكتاب المقدس"، دون أن يرد فيها إطلاقاً ومطلقاً ما يتناسب مع روايات هذا الكتاب، فيما هي غنية ثرية بما لا علاقة له بهذه الروايات.

في كل هذا التراث، إشارة يتيمة بعد عملية عسكرية إلى الغرب من مصر، لا إلى شرقها، إلى إخضاع عشائر، اسم إحداها، بعد القبول باستبدال بعض الأحرف، يشبه، إلى حد ما، اسماً يتكرر في "الكتاب المقدس". في هذه الإشارة بالتالي، وفق المزاعم المتكررة إلى حدّ الإغراق، الفيصل حول كمال الرواية الكتابية وانطباقها على سجل الآثار. طبعاً لا.

لا حاجة لعلم الآثار الكتابي إلى الدقّة العلمية، بل يكفيه أنه محصّن بالقناعات العامة، والتي يصعب على المؤرخين مواجهتها، فيعملون عوض ذلك إلى تجنبها. النتيجة هي التعايش بين سرديتين، كما سبق التفصيل في مقالات سابقة.

المهم هنا ألا تتكرر هذه الإشكالية في سياق الاكتشافات المستجدة في السعودية. والواقع أن هذا الرجاء ليس سهلاً، لاستقرار السردية الدينية الإسلامية، والتي تقبل ضمناً علم الآثار الكتابي في نتائجه، إلى حد ما وفي منهجيته بالتأكيد.

وللتوّ فإن هذه الاكتشافات مجاورة لمدائن صالح. وتسمية الآثار بهذه المنطقة باسم نبي من النص القرآني لا يستند إلى معطيات، بل هو من باب الاستصحاب والاشتباه والتقليد المؤسس. وتكرُّرُ هذا الاستصحاب محتملٌ مع الاكتشافات الجديدة، نظراً لضعف التأطير التاريخي لمرحلة ما قبل الإسلام.

من شأن هذه الآثار، إن جرت متابعتها علمياً، أن تشكل حافزاً لتمتين هذا الإطار التاريخي المهمل، ولكن من شأنها أيضاً أن يجري استيعابها كمادة إضافية تستصحب إشارات قرآنية قبل أن تمسي أقوالاً مقبولة صعبة التفنيد.

خلافاً للكتاب المقدس، فإن النص القرآني لا يستفيض بالتفاصيل ذات الطابع التاريخي، بل يعمد وحسب إلى الإشارة إلى الأحداث والأفراد للاستعبار.

من شأن هذه السمة بحدّ ذاتها أن تمنع الوقوع في فخ الاستصحاب، غير أن التماهي في التوجهات الفكرية الإسلامية المعاصرة، ولا سيما منها السلفية، وإن دون الاتضاح الذاتي لهذا الواقع، مع المعتمد في القراءات الكتابية، مثل إعلاء شأن التسلسل الزمني، والإقلال من المجاز والمقيّد والخاص، والإكثار من العام والمطلق، قد ينقض هذا التميّز في النص القرآني ويدفع باتجاه نشوء "علم آثار قرآني" يحاكي علم الآثار الكتابي في منهجيته، في أهوائيته، وفي إعاقته للاستفادة الموضوعية من الاكتشافات المستجدة. عسى ألا يكون ذلك.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.