قبل يومين أقدم شاب لبناني على انتزاع وديعته بالقوة من أحد المصارف التي تحتجزها والتي ارتكبت عبر احتجازها مخالفة للقانون. تم توقيف هذا الشاب من قبل الشرطة، في وقت لم تتحرك السلطات مرة لمحاسبة المصارف على مخالفتها القانون.
الشاب مارس قوة لتطبيق القانون الذي يلزم المصارف بعدم الحجز على ودائع الناس، فيما السلطة مارست قوة لمنعه من تطبيق القانون، ولمعاقبته على انتزاع حقه.
لا يختلف قانونيان في لبنان على أن المصارف اللبنانية تمارس "كابيتال كونترول" غير قانوني، وأن بلداً يمارس حداً أدنى من العدالة كان يفترض أن يسوق أصحاب المصارف وأعضاء مجلس إداراتها إلى السجن، وأن يضع يده على أملاكهم وعقاراتهم.
لا عدالة في لبنان. هذا أمر مفروغ منه. لا دولة أيضاً. ثمة سلطة غاشمة، وطبقة سياسية فاسدة وعميلة ومرتهنة. وكل يوم يمر نشهد فيه فصلاً جديداً من فصول تغول الطوائف وأحزابها على الناس.
هذه الأيام حملت لنا موجة الصقيع دلالات جديدة لمعنى أن تحكمنا عصابة من الزعران. البرد استحقاق معيشي هذه المرة، وليس مؤشراً مناخياً. يسقط علينا في بيروت وفي جبالها وأنحائها على نحو ما سقطت علينا موبقات الطبقة السياسية.
لا كهرباء للتدفئة، وسعر المازوت يساوي أضعاف مداخيل ما كان يسمى الطبقة المتوسطة. أما الفقراء، وما أكثرهم، فلهم أن يحرقوا النفايات البلاستيكية لكي يتدفؤوا!
البرد هذا العام ليس ككل عام، ليس لأنه أشد، إنما لأن اللبنانيين لا يملكون حيلة لمواجهته. الرؤساء في قصورهم المدفأة يبثون منها شحنات الكراهية لكي يصرفوها في الانتخابات، والناس مقززة في منازلها.
الجيوش الإلكترونية تخوض حروباً دفاعاً عن حسن نصر الله، الذي أشارت مذيعة تلفزيونية إلى أنه أحد تماسيح السلطة، فثارت ثائرة جيشه الإلكتروني. ووليد جنبلاط، طليق على رغم أن مساعداً له اعترف أنه هرب نحو ٥٠٠ مليون دولار من حساباته في المصارف إلى الخارج، فيما الشاب الذي انتزع وديعته الصغيرة من المصرف يرقد في السجن.
لا شيء أشد مرارة من هذه المشاهد. السلطة وقحة وبلا إحساس، ولا نملك في مواجهتها إلا ما نمارسه من احتقار يائس لأهلها.
مجلس الوزراء سينعقد قريباً بعد توقف لأكثر من ثلاثة أشهر بسبب مقاطعة حزب الله وحركة أمل له ضغطاً لإقالة قاضي التحقيق بانفجار المرفأ، طارق بيطار. أي سفاهة هذه! وأي مجاهرة بطلب منع العدالة.
عاد الوزراء إلى الاجتماع بعد وعود بتعطيل قدرة قاضٍ على ممارسة وظيفته. جرى ذلك في ظل وعد أعطاه حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، لرئيس الحكومة، نجيب ميقاتي، بتهدئة سوق العملة، لأن الانتخابات تقترب، وليس لأن الناس جائعة!
فعل ذلك عبر ضخ كمية من الدولارات في السوق مستعيناً بالاحتياطي الإلزامي وهو عبارة عما تبقى من ودائع الناس. المودعون يدفعون فاتورة الانتخابات لأحزاب السلطة. الدولة إلى مزيد من التحلل والذواء، والجيوش الإلكترونية تواجه بعضها بعضاً دفاعاً عن تماسيح السلطة.
هذه ليست من علامات النهاية. ثمة أناس على قيد الحياة، ولن يتمكن الوحش من التهامهم كلهم. سبعة طلاب أقدموا قبل أيام على مهاجمة وزير في أحد مطاعم الحمرا ومنعوه من مواصلة سهرة الأنس التي كان فيها.
الوقائع الصغرى ستتزايد في ظل نجاح أحزاب الطوائف في مهمة استيعاب الرواية الكبرى لعملية النهب والإفقار. الشتاء يحمل برداً، لكنه يحمل أيضاً مقاومة له. المحتضرون لن يقبلوا بأن يقضوا لوحدهم، وأهل السلطة وقحون ولا يوارون الوفرة التي يعيشونها مع عائلاتهم.
وزير يرقص في عرس ابنته الباذخ، ورئيس يرسل ابنته لقضاء موسم التزلج في سويسرا، وحاكم مصرف مركزي عثرت سلطات المطار الفرنسية على ٩٠ ألف يورو في حقيبته، وبرر وجودها بأنها مصاريف رحلته!
يجري ذلك تحت أنظار مئات الآلاف من المتألمين برداً ومن الهائمين بحثاً عن لقمة عيش في مدن الفقر اللبنانية.
القول إن اللبنانيين استكانوا لقدرهم لا يستقيم. والانفجار هذه المرة لن يكون على شكل تظاهرات واحتجاجات. السلطة قوية ومتحصنة بقطعان مذهبية شرسة، لكن في المقابل لن ينجح الترويع في رد من يقف على مشارف الجوع، لا سيما وأن المتسببين به يعيشون تحت أنظارنا، وقصورهم المضاءة في عتمة بيروت لا تواري البذخ الذي ينعمون به.
المسافة قصيرة جداً بين شديدي الفقر وشديدي الثراء. واختلال العدالة ليس ضمنياً وليس مجرد فكرة. هو ممارسة يومية ومعلنة تجري تحت أنظارنا. من غير الإنساني أن تواصل هذه المعادلة اشتغالها.

