لبنان - احتجاجات - بيروت - أزمة اقتصادية - 29 نوفمبر 2021
"لا عدالة في لبنان. هذا أمر مفروغ منه. لا دولة أيضاً. ثمة سلطة غاشمة، وطبقة سياسية فاسدة وعميلة ومرتهنة"

قبل يومين أقدم شاب لبناني على انتزاع وديعته بالقوة من أحد المصارف التي تحتجزها والتي ارتكبت عبر احتجازها مخالفة للقانون. تم توقيف هذا الشاب من قبل الشرطة، في وقت لم تتحرك السلطات مرة لمحاسبة المصارف على مخالفتها القانون.

الشاب مارس قوة لتطبيق القانون الذي يلزم المصارف بعدم الحجز على ودائع الناس، فيما السلطة مارست قوة لمنعه من تطبيق القانون، ولمعاقبته على انتزاع حقه. 

لا يختلف قانونيان في لبنان على أن المصارف اللبنانية تمارس "كابيتال كونترول" غير قانوني، وأن بلداً يمارس حداً أدنى من العدالة كان يفترض أن يسوق أصحاب المصارف وأعضاء مجلس إداراتها إلى السجن، وأن يضع يده على أملاكهم وعقاراتهم.

لا عدالة في لبنان. هذا أمر مفروغ منه. لا دولة أيضاً. ثمة سلطة غاشمة، وطبقة سياسية فاسدة وعميلة ومرتهنة. وكل يوم يمر نشهد فيه فصلاً جديداً من فصول تغول الطوائف وأحزابها على الناس.

هذه الأيام حملت لنا موجة الصقيع دلالات جديدة لمعنى أن تحكمنا عصابة من الزعران. البرد استحقاق معيشي هذه المرة، وليس مؤشراً مناخياً. يسقط علينا في بيروت وفي جبالها وأنحائها على نحو ما سقطت علينا موبقات الطبقة السياسية.

لا كهرباء للتدفئة، وسعر المازوت يساوي أضعاف مداخيل ما كان يسمى الطبقة المتوسطة. أما الفقراء، وما أكثرهم، فلهم أن يحرقوا النفايات البلاستيكية لكي يتدفؤوا! 

البرد هذا العام ليس ككل عام، ليس لأنه أشد، إنما لأن اللبنانيين لا يملكون حيلة لمواجهته. الرؤساء في قصورهم المدفأة يبثون منها شحنات الكراهية لكي يصرفوها في الانتخابات، والناس مقززة في منازلها.

الجيوش الإلكترونية تخوض حروباً دفاعاً عن حسن نصر الله، الذي أشارت مذيعة تلفزيونية إلى أنه أحد تماسيح السلطة، فثارت ثائرة جيشه الإلكتروني. ووليد جنبلاط، طليق على رغم أن مساعداً له اعترف أنه هرب نحو ٥٠٠ مليون دولار من حساباته في المصارف إلى الخارج، فيما الشاب الذي انتزع وديعته الصغيرة من المصرف يرقد في السجن.

لا شيء أشد مرارة من هذه المشاهد. السلطة وقحة وبلا إحساس، ولا نملك في مواجهتها إلا ما نمارسه من احتقار يائس لأهلها.

مجلس الوزراء سينعقد قريباً بعد توقف لأكثر من ثلاثة أشهر بسبب مقاطعة حزب الله وحركة أمل له ضغطاً لإقالة قاضي التحقيق بانفجار المرفأ، طارق بيطار. أي سفاهة هذه! وأي مجاهرة بطلب منع العدالة.

عاد الوزراء إلى الاجتماع بعد وعود بتعطيل قدرة قاضٍ على ممارسة وظيفته. جرى ذلك في ظل وعد أعطاه حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، لرئيس الحكومة، نجيب ميقاتي، بتهدئة سوق العملة، لأن الانتخابات تقترب، وليس لأن الناس جائعة!

فعل ذلك عبر ضخ كمية من الدولارات في السوق مستعيناً بالاحتياطي الإلزامي وهو عبارة عما تبقى من ودائع الناس. المودعون يدفعون فاتورة الانتخابات لأحزاب السلطة. الدولة إلى مزيد من التحلل والذواء، والجيوش الإلكترونية تواجه بعضها بعضاً دفاعاً عن تماسيح السلطة.

هذه ليست من علامات النهاية. ثمة أناس على قيد الحياة، ولن يتمكن الوحش من التهامهم كلهم. سبعة طلاب أقدموا قبل أيام على مهاجمة وزير في أحد مطاعم الحمرا ومنعوه من مواصلة سهرة الأنس التي كان فيها.

الوقائع الصغرى ستتزايد في ظل نجاح أحزاب الطوائف في مهمة استيعاب الرواية الكبرى لعملية النهب والإفقار. الشتاء يحمل برداً، لكنه يحمل أيضاً مقاومة له. المحتضرون لن يقبلوا بأن يقضوا لوحدهم، وأهل السلطة وقحون ولا يوارون الوفرة التي يعيشونها مع عائلاتهم.

وزير يرقص في عرس ابنته الباذخ، ورئيس يرسل ابنته لقضاء موسم التزلج في سويسرا، وحاكم مصرف مركزي عثرت سلطات المطار الفرنسية على ٩٠ ألف يورو في حقيبته، وبرر وجودها بأنها مصاريف رحلته!

يجري ذلك تحت أنظار مئات الآلاف من المتألمين برداً ومن الهائمين بحثاً عن لقمة عيش في مدن الفقر اللبنانية. 

القول إن اللبنانيين استكانوا لقدرهم لا يستقيم. والانفجار هذه المرة لن يكون على شكل تظاهرات واحتجاجات. السلطة قوية ومتحصنة بقطعان مذهبية شرسة، لكن في المقابل لن ينجح الترويع في رد من يقف على مشارف الجوع، لا سيما وأن المتسببين به يعيشون تحت أنظارنا، وقصورهم المضاءة في عتمة بيروت لا تواري البذخ الذي ينعمون به.

المسافة قصيرة جداً بين شديدي الفقر وشديدي الثراء. واختلال العدالة ليس ضمنياً وليس مجرد فكرة. هو ممارسة يومية ومعلنة تجري تحت أنظارنا. من غير الإنساني أن تواصل هذه المعادلة اشتغالها.  

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.