سيارة تابعة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية تصارع من أجل وجودها

بحسب تقرير أخير لوكالة الصحافة الفرنسية فإن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية تصارع من أجل وجودها. فهي على الرغم من تقليص مهامها وحصرها ضمن مظاهر شكلية ومكتبية بعد أن كانت جهازا مخيفا يسيطر على الشوارع والمولات والساحات العامة ويتحكم في أنفاس الناس وحركاتهم، فإنها لا تزال قائمة ولم يتم حلها أو دمجها في وزارات أو هيئات رسمية أخرى.

وهذا يطرح بدوره سؤالا مهما، وهو ما السبب في الإبقاء على هذا الجهاز في الوقت الذي تقوم فيه السعودية بإصلاح وتحديث نظامها وقوانينها كي تتماشى مع روح العصر؟

فالهيئة جهاز ينتمي إلى العصور القديمة والتي كانت معروفة خلالها باسم شرطة الحسبة، أي الشرطة الدينية التي تتجسس على الناس وتراقب تصرفاتهم وتعاقبهم تحت مسمى نشر الفضيلة ودرء الرذيلة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد استخدمها الحكام عبر التاريخ كأداة لترويع الناس وإخضاعهم وفرض أيديولوجية السلطة الحاكمة وضمان عدم انتشار الأفكار والآراء الناقدة لهذه السلطة في المجتمع.

وفي الوقت الحاضر لجأت أكثر الجماعات أو الدول استبدادا وتسلطا إلى هذا النوع من الأجهزة، كما هو الحال مع تنظيم داعش الذي أحيا شرطة الحسبة واستعان بها لإرهاب وقمع السكان الذين كانوا تحت سيطرته، وكذلك ظهرت ضمن تشكيلات هيئة تحرير الشام (تنظيم القاعدة) في محافظة إدلب السورية. 

ونفس الجهاز موجود أيضا في إيران تحت مسمى ميليشيات الباسيج، والتي وظيفتها فرض الحجاب والإلزام الإكراهي بما يسمونه "الأخلاق والقواعد الإسلامية".

وبالطبع لا ننسى أفغانستان تحت حكم نظام طالبان فهي تشكل علامة بارزة في هذا المجال، فالنظام والحكومة كلها في الواقع شرطة دينية، فلا يحتاج الأمر إلى جهاز خاص بهذه المسألة. 

والواقع أن الفكرة الرئيسية التي تقوم خلف جهاز الحسبة أو الشرطة الدينية هي فكرة الوصاية والحق في تشكيل أفكار الناس وآرائهم والتدخل في خصوصياتهم وأخلاقهم والطريقة التي يسلكون بها في حياتهم. والسؤال هنا من الذي يعطي الحاكم أو الدولة أو الميليشيات هذا الحق؟

إن الاستناد إلى الدين أو التفسير الديني لا يمنح مثل هذا الحق، إلا بالنسبة لمن يؤمنون بهذا التفسير، فهم من حقهم تطبيقه على أنفسهم، ولكن ليس على باقي الناس. 

والذين يلجؤون إلى الدين في دفاعهم أو مقاربتهم لهذه المسألة يرتكبون خطأ فادحا في حق أنفسهم وفي حق الآخرين، لأنهم يوافقون على مفهوم الرعية وكون الإنسان مجرد رعية وليس مواطنا. إن جهاز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو شرطة الحسبة هي مصممة للتعامل مع السكان على أنهم رعية وقصرا وليسوا مواطنين. فهم موضوع لإرادة النظام الحاكم يشكلها على النحو الذي يريد، فهو لا ينظر لهم على أنهم أفراد متساوون وقادرون على تحقيق النفع والصلاح لأنفسهم، وإنما هم بحاجة دائما إلى مساعدة الدولة في تحديد ما ينفعهم وما يضرهم، وما الذي يجعل منهم رعايا صالحين أو فاسدين!  

على العكس من ذلك حيثما يوجد مواطنون وتوجد دولة مواطنين لا يمكن للدولة أن تتدخل في مسألة تحديد الأخلاق أو الآداب أو السلوك الشخصي، فهذه أمور تدخل في إطار حرية التعبير والاعتقاد وما شابه والتي تحفظها القوانين والتشريعات المختلفة.  

إن الأمر المثير هنا هو أن هذه الأجهزة لها جانب سياسي واضح في عملها ونشاطها - وفي حالة السعودية يبدو أن الإبقاء على جهاز الهيئة مقصود منه الاستفادة من حجمه وخبرته في محاربة تيارات الإسلام السياسي والجماعات التكفيرية - ومع ذلك فإن الإبقاء على صبغتها الدينية يحولها إلى عبء بدلا من ميزة، لأنه ينقلها من حيز السياسة إلى فضاء الدين، وهو نفس الشيء الذي تقوم به الجماعات الإسلامية التكفيرية.

المطلوب هو إلغاء هذه الأجهزة وحلها وإدماج عناصرها في مؤسسات الدولة المختلفة، فلا يمكن لدولة تدعي أنها عصرية وحديثة أن تحتفظ بجهاز للشرطة الدينية أو تتبنى هذا المفهوم، فهو مخالف ويتناقض مع المواثيق الدولية، وعلى رأسها ميثاق حقوق الإنسان. والدول مثل الأفراد تحتاج إلى رمي بعض الأحمال والتخفيف من أخرى كي تتمكن من العبور السلس والسهل نحو المستقبل، ولا شك أن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من الأجهزة المماثلة إنما هي تنتمي إلى الماضي وليس إلى المستقبل!

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.