فلسطينيات يعتصمن ضد ما يسمى بـ "جرائم الشرف" (أرشيف)
فلسطينيات يعتصمن ضد ما يسمى بـ "جرائم الشرف" (أرشيف)

دفعت جريمة المروعة التي راحت ضحيتها شهد العيساوي، البالغة من العمر 15 عاما، بالناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي إلى إطلاق هاشتاغ بعنوان "حق_شهد_العيساوي"، مطالبين بإنزال أشد العقوبات على الجاني، معبرين عن خوفهم من التعامل مع الجريمة على أنها قتل بدعوى الدفاع عن الشرف.

الأب الفار - الذي لا يستحق كلمة أب – هو، في حال تأكد أنه هو من أقدم على قتل ابنته بزعم "غسل عاره"، مجرم بكل المقاييس، ولكنه ليس وحده في هذا الأمر فجرائم الشرف تنتشر تقريباً في جميع بقاع العالم الإسلامي.

قتل شهد ليست مجرد قضية لفتاة وأبيها، ولكنها فكر مجتمعي جبان يستضعف المرأة ولا بد وأن يقضى (بضم الياء) عليه تمامًا وأن يتصدى له القانون بكل قوة، لكي يضع حدًا لهذه المهزلة.

ونحن في هذا الأمر أي "جرائم" ما يسمى بالشرف ننتقل من قتل شخصية هنادي في قصة فيلم "دعاء الكروان" - والتي كتبها عميد الأدب العربي طه حسين - إلى قتل الأردنية أحلام وقبلها آيات والفلسطينية إسراء غريب واليمينة مآب وسميحة الأسدي والكويتية هاجرالعاصي، وغيرهن من الآلاف في جميع أرجاء العالم الإسلامي اللواتي تنقل وسائل الإعلام خبر مقتلهن سنويا على يد أحد أفراد عوائلهن، فيما يُتعقد أنه "دفاعا عن الشرف".
والعجيب أن من يرتكب "جرائم الشرف" يفعلها أحياناً باسم الدين ويقبلها البعض في المجتمع ظناً منهم أن الإسلام أباح لهم جريمتهم لأنها - كما يقولون - هي عقوبة لارتكاب ما أسموه بـ"الفاحشة"! 

ويا لها، أي "الفاحشة"، من كلمة مطاطة ليس لها أي تعريف واضح. فتم قتل الطفلة شهد العيساوي لأنها تقف مع شاب يريد خطبتها وبنفس المنطق قد يقتل رجل زوجته لأنها أظهرت وجهها، وهو يرى أن ذلك فاحشة لأن الوجه في نظره عورة، وبنفس الشذوذ الفكري قد يقتل شخص آخر أمه لأنها ضحكت بصوت عال وذلك في نظره فاحشة وهلم جرا.

وحقيقة الأمر أن "الفاحشة" الحقيقية هي فعل هذه الجرائم وقتل نفس بشرية وإزهاق روح بريئة ثم محاولة تبرير ذلك بأنها مبررة من الخالق. ويذكرني ذلك بقول الله عز وجل " وَإِذَا فَعَلُوا "فَاحِشَةً" قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ " سورة الأعراف آية 28. فجريمة هؤلاء ليست فقط ارتكاب الجريمة وحسب، بل في محاولتهم أيضاً إلصاقها بالله بقولهم "والله أمرنا بها".

والآن تعالوا أقول لكم بماذا أمر الله في هذا الشأن وماهو موقف القرآن من "جرائم الشرف"! 

ربما يظن البعض أنه تبعاً للقرآن الكريم، فإن الزوج إن وجد زوجته تضاجع رجل آخر فإنه من حقه أن يقتله أو أن يقتلها. و"الحقيقة الغائبة" هنا عن الكثيرين أن القرآن الكريم لم يعط الحق للزوج في هذه الحالة أن يمسهما بأي سوء، وأعطى القرآن فقط للزوج الحق في أن يشتكيهما إلى القاضي. وإن ذهبا إلى القاضي عليه (أي الزوج) أن يشهد خمس شهادات أنه وجد زوجته تنام مع رجل آخر وإن شهدت الزوجة خمس شهادات أن ذلك لم يحدث فلا عقوبة عليها على الإطلاق! 

وقد يكون البعض مذهولاً من هذا، ولكن هذا ما يقوله القرآن بالحرف الواحد في سورة النور" وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ (أي لا عقوبة عليها!) أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ [سورة النور:6-10]."

قد يكون الأمر عجيباً عند البعض وأكاد أسمعهم الآن يهمهمون "هل أرى زوجتي في أحضان رجل آخر ولا أفعل شيئاً غير أن أشكوها للقاضي!.. هل تظن أنني "خروف" لأقبل ذلك!!!"". وردي على ذلك ببساطة أن الآية المذكورة أعلاه في سورة النور، هي ما قاله القرآن فعلى المعترض أن يوجه اعتراضه لمن أنزل الآية - وهو الله جل وجل ا- وليس لكاتب المقال.

وأخيراً أتمنى من أعماق قلبي أن تتغير القوانين في العديد من الدول، حتى لا تسمح للمجرمين مرتكبي "جرائم الشرف" أن يقوموا بجرائمهم البشعة دون عقاب رادع لغيرهم. 
 

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.