فعليا يقف بوتين ونظامه على حافة الخديعة، ويتصرف هذه المرة مجبرا على استخدام عضلاته لا عقله
فعليا يقف بوتين ونظامه على حافة الخديعة، ويتصرف هذه المرة مجبرا على استخدام عضلاته لا عقله

عسكريا، ومقارنة بموازين القوة بين روسيا وأوكرانيا، يمكن للجيش الروسي التوغل عميقا في الأراضي الأوكرانية ويقتطع مساحات كبيرة للوصول إلى  مشارف كييف، فآلة الحرب الروسية لم تزل هي الأضخم في أوروبا بالرغم من نهاية الحرب الباردة. ولكن هل الانتصار العسكري الحاسم على الأوكران سيتحول إلى انتصار سياسي في أوكرانيا وخارجها؟ والسؤال الأهم ما الذي حققته روسيا إلى اليوم من انتصارها العسكري الحاسم في سوريا؟! 

يقف نظام الرئيس الروسي على حافة الخديعة، ولكنها خديعة متعددة، فهو أولا يريد حسم الوضع الداخلي وحفظ هيبة نظامه وضمان استمراره، خصوصا أن انتخابات 2024 على الأبواب، وهي وإن كانت نتائجها شبه محسومة، ستأتي هذه المرة دون إنجاز وطني إذا لم يستطع الكرملين حل الأزمة الأوكرانية، لذلك هو يستعرض قواه في الخارج من أجل إرضاء الداخل وترهيبه أيضا، وخديعة داخلية أيضا تستهدف صراعات مراكز القوى داخل مؤسسات النظام خصوصا الأطراف التي قد تطرح أو تفكر يوما ما بالبديل في حال وصل الوضع في أوكرانيا وغيرها من الملفات الخارجية الحساسة إلى طريق مسدود، لكن السؤال الأهم هل غرور النظام الروسي وجبروته حجب عنه التفكير بخديعة خارجية قد يقع فيها؟!

فعليا يقف بوتين ونظامه على حافة الخديعة، ويتصرف هذه المرة مجبرا على استخدام عضلاته لا عقله، وهذا ما قد يجره للوقوع بالخديعة. فمما لا شك فيه أن الولايات المتحدة تتجنب الحرب، وأوروبا ترفضها تماما، خصوصا إذا كانت على أراضيها. ولكن ما نشهده من رد فعل أميركي على طلبات روسيا القاسية، هل هو تردد غربي في المواجهة أم أنها برودة ومراوغة متعمدة ستدفع موسكو إلى الخديعة. فقد بات من المستحيل عودة حلف الناتو إلى حدود 1997 ولا تستطيع روسيا إجباره على هذا التراجع. وهذا يعني أن موسكو لا تخطط فقط لاستعادة فضائها السوفياتي بل استعادة مجالها الحيوي، أي العودة إلى حدود حلف وارسو، خصوصا عندما تطالب الناتو بالانسحاب من رومانيا وبلغاريا، وهذا ما يفتح القلق الأوروبي الاستراتيجي بأن أي توغل عسكري في أوكرانيا من الممكن أن يمتد إلى دول البلطيق، خصوصا أن روسيا تملك ذرائع حماية الأقليات الروسية "المضطهدة" في تلك البلدان.

في السنوات السابقة، امتلك فلاديمير بوتين ثلاث أوراق قوة فرضت حضورها على المسرح الدولي، الأولى طائراته في سوريا والثانية دباباته في القرم ودونباس، والثالثة باراك أوباما في البيت الأبيض وحتى إدارة ترمب، حيث حاول الأول ممارسة انكفاء أميركي عن الساحة العالمية، فيما الثاني تجنب مواجهة صديقه بوتين، ما سمح لموسكو بالتحرك إلى ملء الفراغ العالمي بفضل غياب مشروع أميركي واضح يتعلق بعلاقة واشنطن مع حلفائها التقليديين وخصومها التاريخيين، ولكن هل يعتقد بوتين أن هذه الإدارة لا تختلف عن سابقاتها؟ هنا قد تكمن الخديعة. 

أزمة موسكو أنها هي من خدعت نفسها، ورفعت سقف مطالبها وصعدت تحركاتها، وراهنت على ترهيب الأوكرانيين ودفعهم إلى الانقسام الداخلي، لكنها لم تلتفت إلى أن الصراع بات وطنيا، وأنها تمثل لأغلبية الأوكران دولة غازية. وراهنت أيضا على ترهيب الأوروبيين المنشغلين بالهّموم الداخلية وخصوصا الاقتصادية، ولكنها صدمت أن الليونة الأوروبية ستنتهي وتتحول إلى قسوة لحظة الطلقة الأولى.

فأوروبا ليست مستعدة لأن تتحمل أعباء مغامرة جديدة كما فعل أدولف هتلر بكل القارة، أو كما فرض ستالين والسوفيات على نصفها، وهذا لم يعد في الحاله الأوكرانية مسؤوليتهم وحدهم بل مسؤولية شريكهم الأكبر الولايات المتحدة، لذلك يمكن القول أن فلاديمير بوتين على حافة الخديعة.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.