تقول الرواية: في يوم 24 سبتمبر 1982، بعيد الظهر، سار خالد علوان، عضو الحزب القومي السوري العلماني، ذو التسعة عشر عاما، على طول الرصيف، وعندما وصل إلى مقهى ويمبي فتح النار على الجنود الإسرائيليين، فقتل ضابطاً إسرائيلياً بمسدسه وأصاب جنديين مرافقين له. بعد إطلاق النار سار علوان إلى منزله بهدوء. وتقول الأسطورة الشعبية أن علوان كان منزعجًا من رؤيته للضابط الإسرائيلي المصِرّ على دفع فاتورته بالشيكل. أعلنت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية مسؤوليتها عن العملية.
رمزية هذه العملية انها دفعت بالمزيد من المواطنين للمشاركة في مقاومة القوات الإسرائيلية. وقد استمرت هذه المقاومة حتى انسحاب القوات الإسرائيلية من العاصمة.
لن أسرد تاريخ المقاومة الوطنية التي سبقت احتكار حزب الله لها تحت مسمّى مقاومة اسلامية، بضغط وتواطؤ سوري مدفوع إيرانياً. المهم حينها أن وظيفة عمليات اغتيال وقتل عدد من المقاومين والمجاهدين ضد إسرائيل في الجنوب، ومنهم من كان في حركة أمل، لم تكن واضحة. فالإرهاب السوري منع جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية من كشف ما كان يحصل. وعندما تصدّى جورج حاوي للهيمنة السورية في سياق إنشاء تحالفات معارضة لها، وأعلن في برنامج تلفزيوني عن نيته في كشف ملابسات اغتيال المقاومين في الثمانينيات، اغتيل مباشرة في 21 يونيو 2005.
لكن الأكيد أن السيد نصرالله حرص بدأب، منذ نهاية الحرب الإسرائيلية في العام 2006، على تأكيد احتكار حزبه للمقاومة ضد إسرائيل. ففي خطبه الثلاث قبل أحداث 7-8 أيار من العام 2008 ركز على جهاد المقاومين المسلمين مختزلاً جميع النضالات السابقة مبخساً لها، غير منتبه أو مبال بخصوصية المجتمع اللبناني الذي سمح بتكونه في الأصل، مثلما احتضن سائر المقاومات على اختلافها. لبنان الذي لولا تعدديته والحريات التي يكفلها كحق مقدّس، لما أمكن لأي مقاومة أن تنشأ، وإلا لكان يمكن للجولان مثلاً ان يتحرر.
بإصراره هذا ينكر السيد نصرالله النضالات السابقة حتى على وجوده، كالمقاومة الفلسطينية، كما حركة موسى الصدر التأسيسية، كما المقاومة المدنية التي أطلقها لاحقاً الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وكان من روادها الشهيد راغب حرب. ناهيك عن الحركة الوطنية العلمانية اللبنانية التي حررت معظم الجنوب في العام 1987، ولم يبق سوى الشريط الحدودي الذي تحرر عام 2000 بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي.
لا أحد ينكر دور المقاومة الاسلامية بالطبع والذي أقام نوعاً من توازن الرعب مع إسرائيل ما شكل نوعا من الردع، وهذا موضوع قابل للنقاش على مستوى آخر لاحقاً. لكن ثمن ذلك كان فادحاً إذ أدّى إلى استقواء حزب الله على الداخل اللبناني ومحاولاته لإنهاء تعدديته. وإذا عدنا إلى الأرشيف نجد ان ما عبّر عنه الشيخان قاووق ونعيم قاسم مؤخراً: "من لا يعجبه العيش في لبنان المقاوم عليه البحث عن حل آخر"، كان قد سبق للسيد نصرالله أن أعلنه بوضوح: "لبنان هذا سيبقى... بلداً للمقاومة والانتصار.. من يطلب الطلاق فليرحل عن هذا البيت" خطاب 14\2\2008.
منذ محطة 7-8 أيار 2008 أو ما عرف بغزوة بيروت، التي خلفت أحداث الجامعة العربية في بدايات العام 2007 حيث طوقت بيروت بحواجز ترابية كنوع من بروفة لاجتياحها، إلى الحوادث المتفرقة اللاحقة في الأحياء المختلفة من بيروت في الحقبة نفسها، ومنها الاعتداء على جمعية المشاريع الخيرية.. ثمة مسلسل تم تحقيقه على مدى السنوات. من الاغتيال والترهيب والاعتداءات المتفرقة، وصولاً إلى الاعتداء الدموي المكشوف على ناشطي ثورة 2019 وانتهاء بحادثة عين الرمانة، التي افتتحت مرحلة جديدة في بدء مواجهة حزب الله وترهيبه، تراكمت ممارسات شكلت علامة فارقة في تاريخ الحزب وفي علاقته بباقي اللبنانيين خصوصاً من الطوائف الأخرى.
إن تحويل وجهة "السلاح المقاوم" من إسرائيل إلى صدور اللبنانيين، مهما كانت ذريعته وظروفه، يعدّ انتكاسة ونقض للمقاومة وخروج لها عن وظيفتها وأهدافها، خصوصاً في ظل الانخراط الفاعل للحزب في السلطة التنفيذيّة وفي كافة مؤسسات الدولة سواء في المؤسسة القضائية أو العسكرية والأمنية والدستورية والإدارية او التربوية. وصولاً إلى هيمنته التامة على الدولة، الذي فلقد استطاع وفي تعطيله الحكومة لثلاثة أشهر "لقبع" قاضي التحقيق في انفجار 4 آب.
خصوصاً وأن السيد نصرالله لطالما دأب في خطبه على تقديم كل ما يقوم به، سواء على الصعيد السياسي او الاجتماعي، على أنها "تضحيات مرغم عليها من أجل المقاومة"؟
فهذه الممارسات بالذات التي يقوم بها الحزب "الزاهد بالسلطة" على ما يردد أمينه العام، تستدعي المحاسبة والمساءلة "للمقاومة الإسلامية" نفسها، ما دامت جميع هذه الأفعال تتم باسمها!
هذا عدا عن أن انتقاد المقاومة وسلوكها واجب وحق لكل مواطن ما دامت تزعم الدفاع عنه، وليس "عملاً تخريبياً او خيانة" كما يدّعي الحزب وسيده. لقد جعل حزب الله من ممارساته السياسية الداخلية قضية جهادية يخوضها باسم "المقاومة المقدسة"؛ لكنه عندما يقوم بذلك يحمّل المقدّس ما لا يحتمله ويسيء إليه في نفس الوقت نازعاً عنه بالمناسبة عينها صفة القداسة نفسها بسبب الممارسة السياسية اليومية وما تحمله من مساومات وابتذال.
حوّلت هذه الممارسات فكرة المقاومة المبدئية الجامعة من عنوان وطني وحق للجميع الى قوة قهر بيد "خاطفي طائفة" وعنواناً لانقسام مذهبي وطائفي يتعمقان باطّراد، ووسيلة لتحقيق نفوذ ومكاسب سياسية ومادية واجتماعية، يتبين في كل لحظة انها لتحقيق مصلحة أجنبية.
وعلى هذه الأرضية نمت جميع الظواهر الشاذة والخارجة عن الدولة وعن القانون، التي أصبحت محور خطب نصرالله في مرحلة معينة، جعلت "المقاومة" مرادفة للقمع وللهيمنة.
والسؤال الأخلاقي الآخر: هل يمكن استغلال تحرير الأرض من أجل غلبة فريق لبناني مذهبي على الآخرين؟ وذلك بغض النظر عن نتائج هذا التغليب المكلفة على الصعيد الوطني، بسبب التعطيل المتمادي، والحساسيات والمحاصصات والانقسامات المعلومة؟ وهل يمكن قبول العمل على تغليب مصلحة الحلفاء الإقليميين على المصلحة الوطنية؟ على ما أكّد لنا أمين عام حزب الله علانية عن حصوله على الدعم المالي والعسكري المفتوحين من إيران؟
أما المأزق الأخلاقي الأكبر فهو الذي طرحته عليه وعلى مناصريه، الأحداث في سوريا. فهل يمكن للمقاومة الكيل بمكيالين فتكون مع الربيع العربي خصوصا في البحرين، وضد ثورة الشعب السوري حيث تتحول ثورته الى مؤامرة وإرهاب ودعشنة؟ أليست حيلة واستماتة في الدفاع عن نظام مستبد؟ وإذا كانت مقاومة إسرائيل لا تقوم على خلفية قومية أو إثنية أو دينية وليست مجرد عنصرية وتعصب ضد اليهود، بل ترتكز على مبدأ الحق في الدفاع عن النفس ضد القتل والقمع الممارسان بحق الفلسطينيين، كيف يكون إذا مبدأ رفض الظلم والقتل لا ينطبق سوى على إسرائيل؟ فيما نفس الأعمال، وحتى أنها تفوقت في وحشيتها على ممارسات إسرائيل، التي يقوم بها النظام السوري و"حكومته المنتخبة" تكون مقبولة ومدافعاً عنها؟ ألا يدفع ذلك الى التساؤل أيضاً عن وظيفة الحلف الممتد من أفغانستان الى إيران والعراق وسوريا ولبنان على خلفية مذهبية، خصوصاً في ظل ولاية الفقيه التي تعلن احتلال العواصم العربية الاربع؟
والأغرب من ذلك مطالبة أمين عام حزب الله الحكومات العربية بمعاملة بشار بمثل معاملتهم إسرائيل التي أعطوها أكثر من 10 سنوات لتحقيق السلام!! معتقداً بذلك أنه يدين العرب الذين يتساهلون مع إسرائيل، غافلاُ عن مغزى تشبيه عدو غاصب محتل وممارساته بممارسات رئيس يفترض انه منتخب بـ 99% من الأصوات فيما يقوم، بمساعدة الحزب وإيران، بقتل شعبه وسحقه بدبابات لم تطلق قذيفة واحدة على اسرائيل؟!
هذا كله يساهم في انكشاف الإيديولوجيا التي غطت طويلاً مشروعاً فئوياً مذهبياً عنصرياً هدفه الاحتلال والسيطرة، تلطّى خلف "المقاومة" ليتستّر على أهدافه في خوض المعارك عن إيران لإقامة إمبراطورية شيعية مستبدة.

